جان عزيز… العنوان الأسود للمرتزقة في لبنان

من يقرأ مقال جان عزيز في جريدة "الأخبار" الصادرة صباح الثلثاء 28 شباط 2012 تحت عنوان "تفجير كنيسة سيدة النجاة في كتاب أسود"، يدرك تماما عمق المأساة التي يعيشها أي مرتزق عندما يُطلب منه أن يقاتل ليس في سبيل قضية لا علاقة له بها، بل تحديدا ضد القضية التي قاتل طوال حياته لأجلها قبل أن يسخّر قلمه ولسانه للعمل بالأجرة.

عنوان وحيد في المقال سنرد عليه، وسنترك كل التفاصيل الباقية لكتابات سابقة لعزيز ليردّ فيها على نفسه. نردّ على سؤاله عن سبب عدم فتح المحاكمة مجددا في قضية تفجير كنيسة "سيدة النجاة"، وهو الذي يلُفترض به أن يكون على اطلاع واسع كونه يتابع الملفات. فقانون العفو الرقم 677 الصادر في تموز 2005 لحظ في متنه الآتي: "يُحظر إحالة أي من الدعاوى المشمولة بأحكام هذا القانون على أي مرجع قضائي وتنتفي حكما صلاحية جميع المحاكم لإصدار أمر بنشرها مجددا".

وبالتالي ثمة استحالة قانونية في إعادة فتح أي محاكمة، ومنها تفجير الكنيسة…

أما بقية ما ورد في المقال لجهة الدناءة الأخلاقية في طرح السيناريوهات الثلاثة وفق عزيز فنكتفي بأن ننشر إحدى كتابات عزيز حول موضوع تفجير كنيسة "سيدة النجاة"، لنترك موضوع الكتاب الأسود للتاريخ، والذي سيلحظ في إحدى صفحاته الأشد سوادا أسماء المرتزقة في لبنان، ومنهم بطبيعة الحال المدعو جان عزيز.

إليكم، أيام كانت صفحات جان عزيز لا تزال بيضاء، إحدى أجمل كتاباته:

سمير جعجع… الآن
بقلم جان عزيز- العام 2003

" كل نظام يحتقر الشخص البشري ولا يحترم ما له من حقوق جوهرية، ويخنق الحريات الأساسية ويرتكب المظالم بحق المواطنين، ويميز بينهم على أساس الدين والعرق واللغة ولون البشرة، ويزجّهم في غياهب السجون ويسوقهم إلى مناقع التعذيب، ويريهم أنواع الذل لآرائهم السياسية المغايرة لآراء الحكام والمتسلطين، فهو في نظر الكنيسة نظام فاسد جائر، لا يمكنه أن يقيّد ضميرياً المواطنين بما يسنّه لهم من قوانين ظالمة، ويجب بالتالي العمل على إصلاحه أو إزالته، واستبداله بنظام عادل ينصف الناس ويساعدهم على تحقيق طموحاتهم المشروعة في عيش حر كريم". البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في رسالة الصوم الكبير، 1990

قديماً قيل أن التاريخ ذاكرة الشعوب. وعبرة هذا القول، إن بعض التاريخ كبعض الذاكرة، لا يقف في خانة الماضي من الإنسان، بل هو امتداد فاعل مؤثر ومحدّد ليومه ولغده. هكذا هو التأريخ لقضية القوات اللبنانية وهي من هي في التأسيس والتأثير والفعل، في الذاكرة والتاريخ …

قد يعتقد البعض أن كل ما يجب قوله في قضية القوات اللبنانية و اعتقال قائدها الدكتور سمير جعجع، قد قيل في خلال تسعة أعوام. لكن أيا كان واقع هذا التقدير، فالأكيد أن الكلام عنهما واجب في كل لحظة من كل يوم. أولا لأن الحق، كما كل قيمة، معين لا ينضب و لا يشح و لا يرتوي من يرده أبدا. و ثانيا لأن في نضال المدافعين عن الحق، بعضا من صلوات الورعين، يكررون حقهم من دون ملل، كأنه سبحة لا تنتهي، حباتها عذاباتهم، و سلسلتها محبتهم بعضهم بعضا، و تعداد فروضها نهج حياة لا يتوقف.

هكذا نعود الى سمير جعجع و القوات اللبنانية، في الذكرى التاسعة لنكبة الحرية.

يوم الجمعة في 25 شباط 1994، وبينما كان باروش غولدشتاين، الطبيب اليهودي الإسرائيلي والأميركي الأصل، يطلق النار على المصلين في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، كانت القرارات الظنية تتوالى في حق أعضاء القوات اللبنانية، لتلصق بهم، كما كانوا اعتادوا منذ نحو عامين مضيا، تهم حرب عانوا منها عقدين، وحاربوا زمناً كي تتوقف، وضحوا بالكثير حتى يتحقق وقفها.

في اليوم التالي احتلت أخبار مجزرة الخليل صدارة الصحف و وسائل الإعلام، فانتقل إلى صفحاتها الداخلية بيان صادر عن القوات اللبنانية، يصف الخطوات القضائية المتخذة في حق عدد من أعضائها، بأنها "بمثابة سعي رسمي إلى أحداث مجزرة جماعية ضدنا". كان المقصود بالتنديد سلسلة من الملاحقات، معظمها مختلق، وبعضها أسقطه قانون العفو العام، لكنها كلها ظلت ذرائع صالحة للملاحقة والاعتقال والمحاكمة والاضطهاد.

هكذا قبل 48 ساعة من انفجار كنيسة سيدة النجاة، كانت القوات اللبنانية تحذر من مجزرة ضدها. وإذ رأى البيان أن المقصود "من مهزلة الملاحقات القضائية ذات الخلفيات والمنطلقات السياسية، إضفاء مشروعية على عملية القمع المنظم للحريات السياسية العامة والخاصة وانتهاك حقوق الإنسان في أبسط قواعدها وأسسها و زج بعض القضاء في لعبة سياسية هدفها القمع والاضطهاد والضغط"، ختم بإعلان إيمان القوات اللبنانية بأن "الحقيقة تبقى حقيقة مهما زورت، والتزوير يظل تزويراً مهما ألبس من أثواب القوانين المفصلة على قياسات مشبوهة من الديكتاتورية والممارسات القمعية والبوليسية التي لفظها أسوأ الأنظمة في العالم".

وفي النهار نفسه، كان بيان آخر يصدر عن القوات اللبنانية، يلفت وزيري العدل والدفاع ومدعي عام التمييز والمدعي العام العسكري، إلى "الملاحقات والمداهمات والتوقيفات المخالفة للمادتين 34 و36 من قانون القضاء العسكري". ويتحدث عن "إبقاء الأشخاص قيد الاعتقال خارج السجون المقررة رسمياً في الدولة اللبنانية، أياماً وأسابيع، وأحياناً أشهراً عدة، بشكل مخالف لكل الأنظمة والقوانين والأعراف والدستور وشرعة حقوق الإنسان، خصوصاً في ضوء أعمال الترهيب والتعذيب التي يتعرضون لها، بهدف انتزاع اعترافات و اقرارات باطلة قانوناً، لأنها جاءت تحت الضغط وبالقوة والإكراه". وفي الوقت نفسه كانت منظمة العفو الدولية، واستناداً إلى "معلومات وتقصيات"، تدرج لبنان على لائحة الدول التي تنتهك حقوق الإنسان وتتحدث عن "اعتقالات سياسية اعتباطية وتعذيب وقمع".

لم تكن خشية القوات اللبنانية منطلقة من العدم. فمنذ نحو ثلاثة أعوام و ممارسات السلطة اللبنانية ضد معارضيها تثير انتقادات المجتمع الدولي و المرجعيات القيمية في العالم و الهيئات الدولية الناشطة دفاعا عن الديمقراطية و حقوق الانسان. و بدا للجميع أن تلك الممارسات تهدف الى تكريس خلل في التوازن الوطني و في أساسه السيادي. و هو ما كان أحد الدوافع التي حدت بقداسة البابا يوحنا بولس الثاني الى اطلاق الدعوة غير المسبوقة عام 1991 ، الى عقد سينودس خاص لأساقفة الكنيسة في العالم كله، من أجل لبنان، و تأكيده في سياق اطلاقه الدعوة الى المجمع الخاص، أن "لبنان رسالة في الحرية و التعددية للعالم أجمع"، و اعلانه أيضا اعتزامه زيارة بيروت، كسبيل ممكن لضخ دفعة من زخم رجائه في قلب جماعة، أخرج السلم على حساب وجودها و حضورها، و خرجت من الحرب باحساس المغلوب و المقهور.

و في قلب هذه الجماعة و صدارتها كانت القوات اللبنانية، حريصة على الوفاق الناشئ، ساهرة على حسن تطبيق وثيقته، و قوة تثقيلية في ميزان استقامته. من دونها لا توازن، و في غيابها يسهل الانقلاب على المواثيق.

هكذا بدأ منذ خريف العام 1990 مسار نزاعي تصادمي بين السلطة القائمة من جهة، و بين القوات من جهة أخرى، وفق آلية تفاعل واضحة و ثابتة: تخرق السلطة أحكام وثيقة الوفاق الوطني في مفاصلها الميثاقية الأساسية، فترفع القوات اللبنانية صوتها محذرة من العواقب مطالبة بالتصحيح، لترد السلطة نفسها بتوجيه ضربة اليها، على طريقة الرد على الآراء بضرب الرؤوس، ما يؤدي الى تفاقم الخلل و تعميق الخرق، ليستتبعا صوتا أعلى…و تكتمل الحلقة.

و تلاحقت الضربات و تراكبت وسائلها و ذرائعها، من السياسي و الأمني، الى العسكري و القضائي. و كان المسلسل ثقيلا ملطخا بالكثير من البصمات السود. اغتيل المسؤولان القواتيان ايلي ضو و سامي أبو جودة. ليتكرس بعدها منطق استسهال تصفية المسؤولين القواتيين و الغدر بهم. حتى صارت الجرائم ضدهم تنفذ في وضح النهار، من دون محاسبة لمرتكبيها المعروفين. هكذا استشهد لاحقا سليمان عقيقي و نديم عبد النور، و كرت سبحة الاضطهاد و الملاحقة و النفي المقنع حينا و الصريح أحيانا. و مع ثبات سمير جعجع على مواقفه كانت ترتفع حدة الخطوات القمعية. فلقاء كل موقف اختلاق "ملف": رفض الانتخابات النيابية الشهيرة عام 1992 رافقته مداهمة مقر قيادة القوات اللبنانية في الكرنتينا في تموز. و النجاح في تصليب الموقف عبر المقاطعة الشعبية الواسعة، يتزامن مع اختطاف المسؤول القواتي البارز بطرس خوند في أيلول. عدم الاشتراك في حكومة يؤدي الى اعتقال العشرات بتهمة اطلاق النار على الجيش في حرب الالغاء(!) و التلويح بقبول الاشتراك في حكومة أخرى يترافق مع استنباط تهمة التحضير لاغتيال رئيس الجمهورية…

حتى المواقف القواتية المتضامنة مع توجه السلطة في الأطر الأوسع من المواجهة الداخلية، بدت مرفوضة و مادة جديدة لتدفيع الأثمان. فعقب عملية "تصفية الحسابات" الاسرائيلية في تموز 1993، و مع قرار الحكومة اللبنانية ضبط الوضع الجنوبي لسد الثغرة التاريخية التي أدخلت حروب العقود الماضية و احتلالاتها الى قلب لبنان، خرج سمير جعجع من صغائر المواجهة المفتوحة ضده، ليعلن وضعه امكانات القوات اللبنانية كلها في تصرف الدولة. فجاء الجواب في اليوم نفسه حملة اعتقالات واسعة ضد القواتيين، بتهمة الرهان على التطورات الخارجية للانقلاب على الأوضاع الداخلية.

بعد أسابيع قليلة على تلك المحطة المفصلية، كان الرئيس الياس الهراوي عائدا ذات مساء نهاية أسبوع من دمشق. روى لاحقا أنه و هو على الطريق طلب من بعض معاونيه الاتصال باثنين من القريبين من سمير جعجع، لابلاغهما ضرورة موافاته فورا الى القصر الرئاسي في بعبدا.

وصل الرئيس و اختلى بضيفيه. من دون مقدمات أطلق في وجهيهما المترقبين الخبر: "بعدني راجع من الشام. الجو ملبد. في عاصفة كبيرة جايي، و شميت ريحة ما عجبتني. بدي منكن هلق تطلعو تقولولو يسافر بأسرع وقت، خلي يغيب فترة عن البلد، حتى نشوف بعدين شو بيصير…"

نقل الرسولان "البلاغ" الى غدراس. ابتسم سمير جعجع، و تابع عمله. كان منهمكا في ورشة اتمام انتقال القوات الى طور الحزب السياسي. عاد الجواب الى بعبدا باللاجواب. بعد أيام انفجرت سيارة مفخخة كانت مركونة قرب البيت المركزي لحزب الكتائب اللبنانية في منطقة الصيفي، في كانون 1993. للمرة الأولى في تاريخ الحزب العريق كان مكتبه السياسي و مجلسه المركزي منعقدين في غياب رئيس الحزب و نائبه و أمينه العام و عدد من أبرز أعضاء قيادته. في المساء التقى بعض هؤلاء المدعي العام التمييزي القاضي منيف عويدات. في حديث صحافي لاحق بعد احالته على التقاعد، روى عويدات أن المعنيين بادروا فورا الى اتهام سمير جعجع بتدبير الانفجار. بعد أيام كانت تسريبات اعلامية، نقلا عن المصادر التي ذاع صيتها، عن العثور على اخراج قيد لهوية مواطن من بشري في السيارة المفخخة.

عندها فهم الجميع أن وسائل "الاقناع" باتت منذ اللحظة من نوع جديد، و أن لا ضوابط للعبة المفتوحة و لا سقف.

كان ذلك كله، قبل الانفجار الكبير. غير أن الوقت لم يتسن للمراقبين و لا للناس، لتحليل ما كانت تعلنه بيانات القوات اللبنانية تلك الأيام، أو حتى لقراءتها وسبر خلفياتها. خصوصاً أن الاعتقالات التي شهدها مطلع النصف الثاني من شهر شباط جاءت بعد أيام قليلة على زيارة التعزية التي قام بها وفد من القوات اللبنانية، يتقدمه قائدها سمير جعجع، إلى القرداحة في سوريا، لتقديم التعازي بوفاة النجل الأكبر للرئيس السوري. تلك الزيارة التي رددت وسائل الإعلام أصداء ارتداداتها السلبية في الأجسام المخاصمة للقوات اللبنانية داخل لبنان، والتي سارعت إلى استطلاع معانيها ومحاولة الالتفاف على أي توهم لنتائجها أو تصور لمدلولاتها أو تخيّل لأي متابعة لها.

وبعد أقل من 24 ساعة على صدور بيان التحذير القواتي، وفي التاسعة والدقيقة العاشرة من صباح الأحد 27 شباط 1994، انشقّ حجاب الهيكل في كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل، ليكون زلزال عظيم، تشققت معه الأرض المسيحية واللبنانية كلها، ولما تزل.

متفجرة في قلب الكنيسة تحت مقاعد المؤمنين، وأخرى قرب المذبح لم تنفجر. حطام وحريق ودماء. أحد عشر قتيلا ونحو أربعة و خمسين جريحاً. ذهول كامل. الناس لم يصدقوا. كل قواميس الإدانة والشجب ساقطة عاجزة. كل تعابير الاستنكار هزيلة.

حاول المطران جورج خضر إعطاء الشهداء بعض ما استحقوا، "فصاروا أعلى من الشمس وأسطع، بإعلان قداسة وبغير إعلان". وأعطى أهلهم بعض حقهم: "طوبى للكنيسة المارونية، لأنها يوم قيامة الرب تكللت بالمجد (…) ففي الجسد الذي يبقى شهادة، وفي الجسد الذي يبيدونه شهادة أفصح وأبلغ".

دقائق قليلة وكان لبنان كله على أرض الكنيسة الشهيدة. وفي لحظات، تراصف المعنيون صفين متقابلين: صف السلطة، ولازمته اتهام إسرائيل بارتكاب الجريمة بواسطة ما اعتادوا تسميته منذ أعوام "عملاءها في الداخل"، بحجة الدافع إلى التغطية على مجزرة الحرم الإبراهيمي قبل يومين. وفي المقابل صف المعارضة من كل الجهات، يحمِّل أهل السلطة مسؤولية الجريمة، بالتقصير والإهمال والإلهاء والالتهاء بما لا ينفع أو يشفع. وحده أحد الوزراء حاول التغريد خارج فرقته المنتظمة، فلاحظ متمنياً "ألاّ تكون للذين عارضوا زيارة البابا إلى لبنان، يد في الجريمة". لكن الالتزام عاد سريعاً سيد الموقف، وضبط الصف والصوت والإيقاع.

مساء الأحد مجلس وزراء استثنائي لبحث الوضع: أصداء عن انتقادات وزارية وجهت إلى الأجهزة الأمنية، تراوحت – حسب الصحف – بين دعوة إلى تنسيق فعلي في ما بينها، وأخرى إلى إعادة النظر في طريقة عملها، وصولاً إلى اقتراح إجراء تغييرات في تركيبتها البشرية، خصوصاً في المواقع المسؤولة.

الرئيس السوري حافظ الأسد اتصل بالرئيس اللبناني الياس الهراوي أثناء الجلسة: سوريا تضع كل إمكاناتها في تصرف السلطات اللبنانية لكشف الفاعلين. أحيلت الجريمة على المجلس العدلي، المحكمة الاستثنائية في النظام القضائي اللبناني، ذات آلية المقاضاة على درجة واحدة، من دون أي حق في المراجعة. أحكام مبرمة منذ اللفظ الأول، للقضايا الخطيرة الماسة أمن الدولة والنظام.

وفي تلك الأثناء كان يعقد اجتماع في وزارة الدفاع الوطني في اليرزة، حضره المدعيان العامان التمييزي والعسكري، منيف عويدات ونصري لحود، ورؤساء الأجهزة الأمنية يومها، اللواءان رفيق الحسن ونبيه فرحات، العقيد ميشال رحباني، ريمون روفايل، والعقيد رستم غزالة عن جهاز الأمن والاستطلاع السوري.

مدعي عام جبل لبنان، طربيه رحمه، بعد اجتماع أمني قضائي موسع عقد في سرايا جونيه، في حضورالمدعي العام العسكري نصري لحود، أعلن أن "لدى الأجهزة المختصة علماً بوجود مخطط لتفجير أماكن العبادة استناداً إلى اعترافات بعض الموقوفين لدى القضاء". لم يكن ينقص الأجواء المشدودة غير هذا الكلام، حتى تعلو حملات المعارضين على أهل السلطة بمختلف هيئاتها ودوائرها، متهمة إياها بالتقصير الفاضح. حتى أن بعضها ذهب إلى الربط بين جريمة الكنيسة وبين "ضرورة استعادة سيادة الدولة"، كما أعلن الرئيس أمين الجميل، أو التذكير بالسياق المتوالي منذ مدة، "من إقامة مسجد في قانا على مزار مسيحي، إلى توزيع مناشير تحرّم على المسلمين تهنئة المسيحيين بأعيادهم، إلى تكسير الصلبان في مدافن المنصورية، إلى متفجرتي البلمند والصيفي"، كما أعلن العماد ميشال عون "تحميله سوريا المسؤولية الأمنية، واتهمها بأنها تشعل النار لإطفائها".

الموقف الرسمي للقوات اللبنانية من الجريمة، كان عليه انتظار اليوم التالي لوقوعها. في مؤتمر صحافي عقده قائدها سمير جعجع في مقره في غدراس، "سمّى الأشياء بأسمائها"، كما وصفَته الصحف. فدعا إلى "تحديد المسؤوليات ومحاسبة المسؤولين، لأنه لم يعد مسموحاً ولا جائزاً أن تصدر المراجع القضائية أحكاماً فورية هوائية لا توصل إلى أي نتيجة، وتستبدل المطلوب منها بتحاليل سياسية، فيما السلطة غارقة في لعبة مصالح شخصية فئوية". وذكر قائد القوات اللبنانية بوجود "ثغر أمنية بأحجام كبيرة في مناطق عدة في لبنان، يسأل عنها وعن المغزى من إبقائها (…) والضغط على هذا الفريق السياسي وعلى قهر هذه الجماعة لمصلحة أخرى".

غير أن ذروة الموقف كانت في الكلمة التأبينية التي ألقاها غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، مترئساً المأتم المهيب للشهداء، من على مذبح الكنيسة النازفة في 28 شباط. فكان تتويجاً للمواقف الرافضة والثائرة. إذ لم يكتف غبطته بالتأكيد على أن الرسميين أنذروه "باحتمال وقوع الحادثة قبل أسبوعين"، ولم تتخذ أي إجراءات لتجنبها، بل أعلن مستنكراً: "كيف نرضى بأن نرى أبناءنا يذبحون أمام عيوننا حول مذبح الرب، ونحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام طوال مئات السنين، ليسلم لنا إيماننا بالرب وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ، ولتبقى لنا الحرية".

وإذ أكد صاحب الغبطة أنه "لن تقتلع جذورنا، وهي عميقة تضرب في أعماق التربة والتاريخ، ولن نتخلى عن حقنا في أرضنا"، انتقل سيد بكركي إلى إعلان المطالب الثابتة على مسمع السلطة الحاضرة بأعلى مسؤوليها: "آن الأوان لإصلاح الخطأ وتصحيح المعادلة، بحيث يطمئن كل ذي حق إلى حقه، ويجري العدل مجراه الطبيعي (…) ومن لذلك غير دولة قادرة تحمي (…) ولا نعني دولة تكثر من الأجهزة الأمنية ولا توطد الأمن، وتلاحق فريقاً من أبنائها وتغمض العين عن فريق، وترهق أناساً منهم، وتعفّ عن أناس، وتقتصّ من فئة من المواطنين لتغضي عن تجاوزات أخرى"…

مساء ذلك الاثنين، بدا واضحاً أن ما حدث أكبر من أن ينتسى، وأعظم من أن يسقطه تعداد الأيام المقبلة، وأصعب من أن تلفلفه إجراءات رتيبة عادية. في ذلك "النهار" كتب غسان تويني: "نطلب رؤوساً كبيرة تتدحرج. ليس فقط رؤوس المنفّذين، بل رؤوس الذين لم يعرفوا كيف يحرسوننا، ولا كيف يحمون وحدة الوطن والشعب من المقامرين، فمضوا يضحكون منا وعلينا وعلى أنفسهم وعلى الدولة والقانون. كأنما الأمن هو زراعة الزلم والأنصار، وتوزيع مغانم الحكم والأسلاب، وبهرجة الأوسمة ومهرجنة الحواجز التي لم تعثر مرة على مجرم. والاستماع إلى مخابرات الناس ومراقبة أنفاسهم من غير أن تكتشف مرة تآمراً، فتكتفي بدهم الأبرياء والتوقيفات الاعتباطية وانتهاك حقوق الإنسان". وإذ رفع تويني سؤاله: "هل أُعدم اللبنانيون قاضياً يستشهد كقضاة روما لأنه طارد الجريمة ولم يترك في قلبه مكاناً للخوف من تهديد ولا من وعيد، ولا اتسعت نفسه (وطموحاته) لترغيب؟!"، كان اعتقاد قد ساد أن ثمة رؤوساً ستسقط، ولبث اللبنانيون ينتظرون ليروا، أهي لجلاّد أم لضحية، لمجرم أم لكبش فداء!

في الأيام التالية نشطت الاجتماعات الأمنية والتنسيقية إلى جانب التحقيقات. وفيما ذكرت الصحف نقلاً عن مصادر رسمية، أن الأجهزة الأمنية أجرت "قراءة سياسية للجريمة، لتحديد الجهات المستفيدة منها، وفي ضوء هذه القراءة التي أنجزت ينشط المعنيون لمعرفة الأدوات المنفذة ومدى ارتباطها بالمستفيدين"، جاءت الاصداء الأولى لهذه "القراءة" على لسان الوزير وليد جنبلاط، الذي ربط بين "مجزرة الكنيسة ومتفجرة الصيفي ومحاولة اغتيال رئيس الجمهورية من جهة، وبين أرباب التقسيم والفيدرالية من جهة أخرى".

هكذا كان التلميح الأول من قبل نائب الشوف، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي و الوزير الثابت في تركيبات السلطة. من دون أي تحقيقات، وقبل الأدلة والبراهين، أطلق جنبلاط الإشارة: صوبوا على القوات اللبنانية.

بعدها أخذ بعض الصحافة المعروفة الاتجاه، ينسج على نغم جنبلاط، مثيراً دعوات مزعومة الى "اعتماد الأمن الذاتي" و"التسلّح"، و"قطع طريق بيروت-طرابلس عند نهر الكلب واستدعاء قوات دولية للحماية"… وغيرها من الأقاويل التي نسبت إلى ممثل القوات اللبنانية، كما إلى الأباتي بولس نعمان، أثناء مشاركتهما في اجتماع مسيحي واسع وشبه مفتوح، كان عقد بعيد وقوع الجريمة في دير سيدة اللويزة. علماً أن المتداعين إلى ذلك اللقاء أصدروا في ختامه بياناً واضحاً، أكدوا فيه "أن المجزرة تستهدف جميع المؤمنين والإنسان في لبنان". وجددوا التزامهم بأن "هذه الجريمة مثل سابقاتها لن تثني الموارنة والمسيحيين واللبنانيين عن الإيمان بوحدة لبنان وبالعيش المشترك بين بنيه". كما نفى جميع المشاركين أن تكون تلك الأقوال المزعومة قد وردت أثناء الاجتماع، أو أن يكون من نسبت إليهم، قد تطرقوا إليها، لا تصريحاً ولا تلميحاً. غير أن الإعلام نفسه استمر في ذلك، على طريقة: أكذب أكذب، لا بد أن يعلق بعض الكذب في أذهان الناس… فكيف إذا كان الإعلام جلّه، في يد المستفيد من الكذب، يحدد هو إيقاعاته ووتيرته ومنسوبه، ويلجم في المقابل مقدار الحقيقة و الردود و التوضيحات!

وسط هذه الأجواء اندلعت في شكل عنيف ثلاث معارك: اثنتان منها على صفحات الجرائد، وثالثة على أرض القلق و بين المواطنين الخائفين.

الصحف اللبنانية التزمت في معركة أولى، حملة سجال و تحليل و لوم و تحميل مسؤولية، بين السياسيين و العسكر من أهل السلطة. حتى أن بعض الصحف تبرع بجعل صفحاته متاريس بالتناوب للطرفين. هكذا عنونت إحداها في 7 آذار 1994 تحليلاً سياسياً لها: "مسؤولون في الجيش: ما تلى الانفجار محاولة سياسية للإطاحة بنا". لتعود الصحيفة نفسها وبالقلم نفسه لتعلن بعد يومين فقط في 9 آذار: "مصادر رئاسية و وزير الدفاع: مخاوف قيادة الجيش في غير محلها، و الكلام عن الأجهزة لتحصين دورها لا للإطاحة". في خضم هذا السجال بدا أن الملف الأمني مطروح على بساط البحث. و قد بدأ الأمر فعلا غداة الانفجار، في لقاء للرؤساء الثلاثة، الياس الهراوي، نبيه بري و رفيق الحريري، مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في مكتب العميد غازي كنعان في عنجر، غداة التعزية بوفاة شقيقة الهراوي.

وتحول الموضوع مادة يومية للتصريحات والتصريحات المضادة، من اعتراف "مسؤول أمني بمراقبة بعض التيارات اللبنانية الداخلية المعارضة لأنها تقوم بنشاطات مخلة بالأمن، مما يستنزف جهد الأجهزة الأمنية وإمكاناتها"، إلى مواقف نيابية مشيرة الى أن "كل جهاز أمني يفتح على حسابه، بما لا يوفر الأمن في لبنان"، وصولاً إلى إعادة إثارة موضوع التنصت الهاتفي، بعدما أكد أحد الوزراء للمناسبة، شمول التنصت الأمني غير المشروع أكثر من سبعة آلاف خط هاتفي، وذلك بعد أقل من أسبوعين على جواب الحكومة على سؤال نيابي حول الموضوع، بالنفي القاطع و الأكيد لوجوده. ولم تنته هذه المعركة التي استمرت نحو عشرة أيام تلت انفجار الكنيسة، إلا على أثر زيارة قام بها وفد سوري عسكري وأمني رفيع المستوى إلى وزارة الدفاع في اليرزة، حيث اجتمع بوزير الدفاع محسن دلول، قبل أن يلتقي مطولاً قائد الجيش العماد اميل لحود و مدير المخابرات العقيد ميشال رحباني و مساعده العقيد جميل السيد. هذه الزيارة، بما أعطيت من مدلولات و مغاز، أنهت معركة قوى السلطة في ما بينها. وفي اليوم نفسه كانت اجراءات غير اعتيادية تنفذ في منطقة غدراس…

المعركة الثانية التي شغلت الصحف و الرأي العام، قبل هذا التاريخ و بعده، كانت تحت عنوان التسريبات القضائية و معلومات التحقيق إلى وسائل الإعلام.

فمنذ اليوم الأول لوقوع الجريمة شغل تصريح القاضي طربيه رحمه المواطنين و المعنيين. خصوصاً بعدما أكد البطريرك صفير في تأبينه الشهداء، أن مسؤولين نقلوا إليه المعلومات نفسها. في اليوم التالي نقلت إحدى الصحف عن مصدر قضائي، رداً على القاضي رحمه، ما مفاده أن الشخص المشتبه به والذي ذكره رحمه في حديثه، "كان تقدم من الأجهزة الأمنية والقضائية منذ أكثر من عشرين يوماً، بطلب للجنسية اللبنانية، ممهداً لذلك بأنه يملك معلومات عن تفجيرات قد يتعرض لها بعض الأماكن في لبنان. فضبطت أقواله وترك بسند إقامة". (علماً أن القاضي رحمه ذكر في تصريحه أن المعنيين بحديثه موقوفون لدى القضاء!). وتابع المصدر نفسه للصحيفة، أن هذا الشخص "استدعي مجدداً للاستماع إلى معلوماته و أوقف احتياطياً لدى القضاء العسكري"(علما أن القضية كانت أحيلت الى المجلس العدلي!). و أضاف "أن التصريحات التي أدلى بها بعض القضاة على أثر الانفجار، مرتجلة ولا أساس لها من الصحة، و سوف يصدر المدعي العام التمييزي تعميماً يمنع على أي قاضٍ إعطاء أي تصريح عن التحقيقات". هكذا بدا واضحاً أن هذه التسريبات أثارت استياءً بالغاً لدى أهل السلطة، فثمة واقعة جامدة فيها توجه الإتهام نحو متطرفين معروفين، بالوقوف وراء الجريمة.

و استطرادا الى ما أظهرته المحاكمات اللاحقة، كان هناك فعلا موقوفون لدى الأجهزة المعنيةً في هذا الصدد، و كانت لهؤلاء علاقة ثابتة بجهات رسمية، كما بتنظيمات أصولية مسلحة و نافذة في لبنان. و الأدهى أن هؤلاء الموقوفين أدلوا بمعلومات دقيقة حول مخطط ما لتفجير بعض الكنائس و الأماكن المسيحية المقدسة. و ما يصدم أكثر أن كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل نفسها، كانت ضمن الأسماء التي أوردها الشاهد الأساسي في القضية، ضمن لائحة أماكن العبادة التي قال أن لديه معلومات حول تحضير أصوليين لنسفها. علماً أن الأصوليين المعنيين ممن كانوا أوقفوا في القضية، بناء على أقوال الشاهد نفسه، أطلق سراحهم لاحقاً، وسحبت محاضر التحقيقات معهم من ملف المحاكمة كلياً ونهائياً. وهي لا تزال حتى اللحظة غائبة مغيبة، ولم يطلع عليها أحد. لكن البعض يعتقد أن ما أظهرته حيثيات المحاكمة نفسها، لهذه الناحية بالذات، كاف لتبيان الحقيقة الكاملة، حول من ارتكب الجريمة، بالوقائع و الأسماء و الأماكن و التواريخ، في يوم من الأيام.

و بالعودة الى ما بعد الانفجار، لم ينه أقفال قضية المعلومات المسبقة عن الجريمة و التخطيط لها، حرب التسريبات الصحافية من قبل أوساط السلطة. إذ نقلت وكالة "رويتر" لاحقاً عن مصادر أمنية، رواية عن اعتقال أربع نساء و فرار خامسة، متورطات في الجريمة. ليسارع مصدر أمني إلى نفي الخبر، قبل أن يؤكد أحد الوزراء "أن شخصاً يعمل لمصلحة أحد الأجهزة هو وراء التسريبة". و لما أكد القاضي نصري لحود، نهار الأربعاء في 2 آذار 1994، إن "السلطات تسعى إلى الحصول على معلومات من معتقلين منذ نحو عشرين يوماً"، عاد الحديث عن "الشاهد طالب الجنسية"، من هو؟ ما هي المعلومات التي أدلى بها؟ ومن هي مصادره؟

وراحت وسائل الإعلام تستفيض في سرد الإجابات و التحليلات و التناقضات، ليغيب معها أول سر حول الجريمة، تحت وطأة "القراءة السياسية" المؤسسة للملاحقة، كما في زحمة التطورات اللاحقة.

حلبة التسريبات و التحليلات الثانية، تركزت على تفاصيل تنفيذ الجريمة و تصور تخطيطها و التحضير لها، خصوصاً لجهة العبوة الثانية التي لم تنفجر. فمنذ اليوم الأول التالي للانفجار بات أكيداً أنه حصل بواسطة قذيفتي هاون 81. أما العبوة التي وضع المحققون اليد عليها، فمكونة من "خمس قذائف من النوع نفسه، موصولة إلى ساعة ديجيتال حديثة تعمل لمدة 24 ساعة". القذائف قيل إنها رطبة، ما يوحي بأنها كانت مطمورة تحت التراب و سحبت تواً لاستعمالها. كما قيل أن الصدأ بادٍ عليها، "كأنها كانت في أحد المخازن لأكثر من سنة. وبالتالي يمكن معرفة مصدرها بواسطة أرقامها التسلسلية و هوية صنعها". و عندما بدأت الآراء الخبيرة تربط بين هذا النوع من التقنية التفجيرية و بين الجرائم الكثيرة المرتكبة سابقاً، من قبل جهات معروفة في مناطق عدة في لبنان (و هو ما تكرر لاحقاً في أكثر من مكان و جريمة)، ذكرت إحدى الصحف يوم الجمعة في 4 آذار، "إن المصادر الأمنية و القضائية حائرة بين أن تكون هذه القذائف تركت لتضليل التحقيق و لتحويله في الاتجاه الخاطئ، أم إنها فعلاً لم تنفجر". في اليوم نفسه كان المدعي العام التمييزي القاضي منيف عويدات يعلن أن "التحقيق توصل إلى بعض العناصر".

أين أصبحت تلك القذائف؟ هل تم التأكد من مصدرها و من الجهة التي استوردتها أو كانت في حوزتها؟ هل قورنت بمثلها مما استعمل في جرائم عدة، من البلمند حتى صيدا و ما بين الاثنين؟ سرّ ثان غاب.

المسألة الثالثة التي تناولتها المعلومات و التسريبات تركزت حول طريقة وضع العبوة و أسلوب التنفيذ. في اليوم التالي للجريمة ذكرت إحدى الصحف أن "شهوداً لاحظوا قبل أربعة أيام من وقوع الانفجار، تحركات استثنائية خارج الكنيسة و داخلها. كما أن الكنيسة تعرضت أكثر من مرة للسرقة". و أضافت الصحيفة نقلاً عن مسربين رسميين، إن بين الموقوفين "ابن المسؤولة عن التنظيفات في الكنيسة الياس م." شخص آخر لم يرد أي ذكر له لاحقاً، و لم يسأل أحد عن الجهة الرسمية التي سربت روايته. صحيفة أخرى ذكرت، و دائماً نقلاً عن مصادر التحقيق، إن زوار الكنيسة المعتادين، تذكروا بعد الانفجار "امرأة غريبة اسمها دعد، كانت بمثابة حارسة الكنيسة، تأتيها منذ الصباح الباكر و لا تتركها إلا مع إقفال الأبواب. بعد الانفجار بيوم أو اثنين، جاء رجل في سيارة رينو ، كلمها بنبرة حادة، و منذ ذلك الحين توارت و لم يرها أحد بعدها". سرّ آخر أضيف إلى لجة الغموض… ومع ذلك، القاضي نصري لحود يؤكد في 3 آذار أن "هناك تقدما في التحقيق و النتائج تظهر خلال أسبوع".

في هذا الوقت بدأت المعركة الثالثة و الأخطر، حرب الإشاعات والعبوات: في 10 آذار – تاريخ ضرب الحصار على مقر قيادة القوات اللبنانية في غدراس – خبر رسمي عن تفكيك عبوة في غدير أمام المركز الثقافي الفرنسي. و مصدر أمني يقول: "العبوة وضعها شابان ألقي القبض عليهما و تبين أنهما من بشري. كانا في جوار المركز في سيارة "ب.أم." و في حوزتهما خرائط لمنطقة جونيه". لتعود مصادر السلطة نفسها فتؤكد مساء أن الموقوفين لا علاقة لهما بالمتفجرة.

في 17 آذار: إعلان من السلطة أيضاً عن تفكيك عبوة مفخخة أمام إحدى المدارس الكاثوليكية في منطقة الدورة. ليتبين لاحقاً أن موضوع الخبر قذيفة قديمة من مخلفات الحروب، مرمية منذ زمن و غير معدة للتفجير.
و كرت حرب الإشاعات الرسمية: قنبلة يدوية في الأشرفية… لم تنفجر. قذيفة اينرغا على سطح بناية… ليسيطر على المواطنين جو من الذعر والهلع، يسكت العقل، يمنع التدقيق و التفكير، و لا يترك المجال إلا للكفر بكل شيء. الكفر وحده يمهد الطريق لحضور نفسي و ذهني عام لدى المواطنين، متقبل لأي تدبير أو إجراء أو خطوة، شرط أن يوحي اليهم بأنه اتخذ لينقذهم، ليخلصهم، ليعيد الأمور إلى نصابها السيئ، الأفضل من الأسوأ الراهن… لأجل ذلك بات أي شيء مقبولاً.

في الرابع من آذار كتب صحافي بارز: "يجب عدم اللجوء إلى الباس التهمة جهة أو فريقاً أو أشخاصاً لا علاقة لهم بها، لمجرد إرضاء الناس. فالظلم لا يفيد و لا يدوم و لا بد أن ينكشف، و ساعتها لا ينفع الندم".

جاء هذا القول في مستهل تلميحات وتسريبات راحت تطال القوات اللبنانية، زاعمة تورطها في الانفجار. و بينما اعتبر مصدر قواتي "إن الانتقادات لموقفنا تمهيد لحملة يرتقب أن تتعرض لها القوات سياسياً وأمنياً"، عين القاضي جوزف فريحة محققاً عدلياً في القضية في 5 آذار، و كان في حينه مستشاراً ملحقاً بوزير العدل، بعيداً عن أي وظيفة قضائية فعلية، و هو الموقع الذي عاد إليه فريحه بعد إنجازه القرار الظني في 16 حزيران ليظل فيه حتى إحالته إلى التقاعد. يذكر أن المصادر الصحافية كانت رددت قبل فترة ورود اسم القاضي فريحه في ملف عالق أمام هيئة التفتيش القضائي و لا يزال عالقاً حتى اليوم.

في 8 آذار أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون إنزال عقوبة الإعدام للقاتل قصداً أو عمداً، و في اليوم نفسه أوردت إحدى الصحف خبراً مفاده أن "الجيش يجري مناورات عسكرية بالذخيرة الحية بين أدما و غدراس، بعد المؤتمر الصحافي الأخير للدكتور سمير جعجع". في حين أعلنت القوات اللبنانية أن "منازل مناصرين لها دوهمت واعتقل عدد منهم، تدفيعاً للقوات ثمن موقفها من متفجرة الكنيسة".

لم يطل الانتظار. فنهار الخميس في 10 آذار 1994، كانت قوة من الجيش تنفذ اجراءات عسكرية في منطقة غدراس، وتحديداً على الطرق المؤدية الى مقر إقامة الدكتور جعجع.

خطف الخبر الأضواء، و توالت التصريحات المتناقضة والمعلومات المبلبلة. مصدر عسكري يقول: "التدابير تندرج في اطار خطلة عملانية تهدف الى تعزيز الوضع الامني". مصادر رسمية و أمنية تعلن: "الدكتور جعجع ليس مستهدفاً، بل أشخاص مشبوهون يرجح أنهم لجأوا الى غدراس". قائد القوات اللبنانية بعد اتصالات بالرئيسين الهراوي و الحريري و الوزراء دلول و مرهج و سماحه، يقول: "مقر اقامتي مطوق، و المسؤولون السياسيون لا يملكون أي أجوبة. العملية ضغط على القوات. لن نخضع، لن نغير مواقفنا". هذه المواقف أعلنها قائد القوات اللبنانية في مؤتمر صحافي عقده مساء في غدراس، حيث وصل الصحافيون "من دون آلات تصوير أو تسجيل. بعض الصور التقط بواسطة كاميرا كانت موجودة عند الدكتور جعجع. الفيلم أخرج بطريقة خفية، وأحد المصورين انتقل الى غدراس سيراً على القدمين عبر الأحراج"، كما ذكرت وسائل الاعلام.

في اليوم نفسه نقلت احدى الصحف عن "مصادر أمنية"، أن "سوريا هي المستهدفة مما يحصل في لبنان، و أن هناك محاولة اختراق أمني اسرائيلي باستغلال الساحة المسيحية، منفذاً لمخطط يربك الجميع".

و انتهى ذلك النهار بحفل افطار حاشد أقامه الرئيس الهراوي في قصر بعبدا، و بخبر لقوى الأمن الداخلي عن "امرأة وجدت جثة هامدة في منطقة بحمدون بين الخرائب، تبين أنها قضت جوعا و صقيعا"…

ضرب الحصار على غدراس، برِّر بعد أشهر بأنه بدأ في هذا النهار بالذات، في 10 آذار، لأنه كان تاريخ بداية توافر المعلومات لدى السلطة لنسج رواية القرار الظني حول الجريمة. وهي الرواية نفسها التي تبناها لاحقاً المجلس العدلي. غير أن المفاجأة كانت مع صدور القرار الظني نفسه، الذي كشف أن الخيط الفعلي الأول لتلك الرواية، و هو الموقوف جرجس الخوري، لم يصر في حوزة الأجهزة المعنية الا في 15 آذار، أي بعد خمسة أيام على بدء الحصار الذي برِّر بالرواية التي كان جرجس بدايتها…اللاحقة!

قبل اعتقال الخوري أوقف شقيقه أنور مع عدد من "اخوته" في رهبانية رسل الانجيل. أمضوا في الاعتقال مدداً تراوحت بين عشرين يوما وأربعة أشهر، من دون اتهام، من دون ادعاء، ومن دون محاكمات. بعد اطلاق سراحهم سكتوا أعواماً، قبل أن يتحدثوا الى الصحافة، عارضين دقائق اعتقالهم والتحقيق معهم، مما لا يفيد كشف حقيقة الجريمة بأي شيء، لا بل يلقي علامات استفهام ثقيلة أخرى حول الحقائق المعمية والمغيبة والمجهّلة في القضية. بدا واضحاً في الروايات أن توجيه الاتهام نحو القوات اللبنانية لم يكن نتيجة التوقيفات و التحقيقات، لا بل على العكس تماماً، أوقف من أوقف و اعتقل من اعتقل، و كتب ما كتب في التحقيق،لأن المطلوب اتهام من اتهم. حتى أكد بعض المعنيين في قاعة المحكمة: "قالوا لي: ما بدنا منك شي، نريد رأس سمير جعجع".

في هذا الوقت كان مسؤول قضائي بارز و معني مباشرة بالملف و المحاكمة، ينهي قضية استملاكات عقارية عالقة منذ أعوام طويلة، بين الدولة و بينه، لتصدر القرارات الرسمية لصالحه، محررة لأمره المعاملات اللازمة لتقاضيه مئات ملايين الليرات، تسوية لعقاراته المستملكة منذ عقود في احدى البلدات في جبل لبنان.

بعد أقل من 48 ساعة على حصار غدراس، بدأت الامور تتضح أكثر فأكثر. "مصدر أمني رفيع: لن نسمح لجعجع بتحضير نفسه مجدداً للانقضاض على الدولة. بعض المطلوبين للتحقيق موجودون في غدراس. منع التصوير هناك تجنباً لالتقاط صور للحواجز العسكرية. وتم ابلاغ جعجع عن وجود أشخاص مطلوبين". و رغم تأكيد قائد القوات اللبنانية "أن القوات تحت القانون، و أبوابنا مفتوحة لأي دركي حسب الأصول"، ظل الغموض مسيطراً، لكن خوفاً كبيراً خالطه، خصوصاً بعدما حملت الصحف الصادرة صباح ذلك اليوم عنوان "قرار كبير ينفذ حالياً"، و "مصدر أمني رفيع يذكر أن وزارة الداخلية قد تعمد الى مطالعة قانونية تحل بموجبها حزب القوات لمخالفته مضمون العلم و الخبر الذي أنشىء بموجبه". كل ذلك قبل توقيف الشخص المفتاح في الرواية اللاحقة للسلطة عن حلها لغز جريمة الكنيسة.

و بينما تحدثت المصادر الرسمية في اليوم نفسه عن تنفيذ ليل أمني في بعض المناطق، أوقف في خلاله "أربعة و عشرون قواتياً"، كانت مدينة بعلبك تحتفل بيوم القدس "وسط عرض عسكري حاشد لحزب الله، ظهر فيه مئات المسلحين"، كما ذكرت الصحف.

و فيما البطريرك صفير يعلن عن "استيائه من الحملة الحاصلة"، و الفاتيكان يؤكد عبر دبلوماسي رفيع أن "انفجار الكنيسة قصد به الاحتجاج على العلاقة الدبلوماسية بين الكرسي الرسولي و دولة اسرائيل، و أن روما كانت تلقت في كانون الأول 1993 اشارات الى قرب وقوع اعتداء على هدف مسيحي في الشرق الاوسط"، خرجت "المراجع الأمنية المسؤولة" عن تحفظها، وأجرت حواراً سابقة مع "الوكالة الوطنية للأنباء" الرسمية، أكدت فيه أن "المقيم في غدراس مخلّ بأمن البلاد"، و أن "ارهاب الاعلام المسموم في المحطات اللامسؤولة أسوأ من ارهاب السلاح والاغتيالات. لأن الخلل الامني يتخطى العمل الأمني الى العملين السياسي و الاعلامي". واذ ذكرت أن "القسوة في التحقيقات الحاصلة عملية مدروسة"، أعلنت أن "جريمتي الصيفي و كنيسة الذوق صارتا مكشوفتين أمنياً". فبدا واضحاً، أن المطلوب رأس "المقيم في غدراس"، وفي الطريق سيتم اسكات الاعلام، ولتحقيق ذلك أي "قسوة" في أي اجراء، مسموحة و مغطاة.

و تلاحقت المواقف الموضحة للمخطط:"مرجع مسؤول في وزارة الداخلية: في شأن غدراس، كل الاحتملات واردة". الحريري يقول: "قانون العفو لا يمنع الأجهزة الأمنية من التحقيق في أي جريمة سابقة".

واذ أعلن البطريرك صفير أنه "لا يجوز التنكيل بهؤلاء والقاء الحبل على الغارب لأولئك"، صدر تقرير وزارة الخارجية الاميركية عن حقوق الانسان في العالم، و فيه عن لبنان الكثير من أخبار الانتهاكات التي كانت قد تحولت ثابتة في الأعوام الماضية و التالية.

في 16 آذار صار واضحاً أن الجداول الزمنية لمواعيد "القرار الكبير"، وضعت نهائيا و باتت وشيكة. و انعكس ذلك في ارتفاع حدة التصاريح و التسريبات، و في تشنج لهجة المسؤولين المعنيين. كل ذلك في تزامن مع استمرار مسلسل الذعر: اعتداء على الارشمندريت الياس الهبر في منطقة السيوفي. "الفاعلون يفرون في سيارة مرسيدس بيضاء، تبين من لوحتها أنها غير مسجلة في بيروت و يرجح أن تكون مسجلة في طرابلس". بعد يومين، يصدر بيان عن السلطة يعلن "توقيف ثلاثة أشخاص قاموا بالاعتداء المذكور". بعد الظهر يصدر ملحق جديد للبيان: "اثنان من الموقوفين الثلاثة من أعضاء القوات اللبنانية". بعد تسعة أعوام على الحادثة و البيانين، لا وجود للموقوفين القواتيين و لا اتهام و لا محاكمة و لا حقيقة.

17 آذار: مجلس الوزراء يبحث في تصريحات "المراجع الامنية". "الحريري يتهم و يسمي الجهات و الأشخاص المعنيين". الوزير البعثي عبدالله الأمني يحمل أجهزة الاعلام المسؤولية عن الوضع. علماً أن موضوع الشكوى حديث "مرجع أمني" الى وكالة أنباء رسمية. لكن ذلك لم يمنع الوزير الأمين من دعوة السلطة الى "وضع اليد على وسائل الاعلام و اغلاقها". و في المعلومات الرسمية عن الجلسة: "أكد مجلس الوزراء تكليف الأجهزة الأمنية كل المعالجات الأمنية للحالات الطارئة و التي تستهدف الأمن و الاستقرار و بسط سلطة الدولة".

و في اليوم التالي أعلن المحقق العدلي القاضي فريحه أنه تسلم التحقيقات الأولية من وزارة الدفاع مع الموقوفين لديها، علما أن مكان التوقيف المقصود ليس سجناً رسمياً، و القائمين بالتحقيقات ليسوا من عداد الضابطة العدلية وفق القانون. و مع ذلك أعن فريحه تسلمه الموقوفين، الذين ظلوا موقوفين في اليرزه، بعدما أصدر في حقهم مذكرات التوقيف اللازمة وجاهياً و غيابياُ. و بينما نقل زوار رئيس الجمهورية الياس الهراوي عنه، "أن لا نية لضرب الدكتور جعجع"، و أن السلطة "تتجه الى معالجة قضية الطوق حول غدراس"، كانت قوة من فوج "المكافحة" في الجيش تدهم مقر القوات اللبنانية في ذوق مكايل لمدة ساعات. تبين لاحقاً أنها كانت الزيارة الاولى لجرجس الخوري اليه.

في الساعات التالية نقل مدير المخابرات في الجيش، العقيد ميشال الرحباني، نتائج تحقيقات مديريته الى بكركي، بينما أعلن مصدر وزاري أن "وضع اليد على جريمة الكنيسة سينجم عنه الامساك بخيوط أساسية لجرائم أخرى نفذت في أوقات سابقة".

الاحد في 20 آذار، الجيش يدهم مقر القوات في الذوق مجدداً، ليبقى فيه بواسطة قطعة قتالية غير "المكافحة" التي داهمت في المرة الاولى. في اليوم نفسه قوة أخرى من الجيش تدهم نادي بيت قنوبين في طبرجا، "حيث دلت التحقيقات الاولية على استعماله كمقر و كتغطية لبعض النشاطات". الأمر الذي لم تلحظه تفاصيل الرواية الرسمية لاحقاً.

في 20 آذار أيضاً، نقلت احدى الصحف عن أحد الرؤساء الثلاثة، أن "شبكة التفجير مشكلة من ثمانية أشخاص، أوقف ستة و فرّ اثنان. و بين الموقوفين ثلاثة أساسيون والآخرون سهلوا الدخول الى الكنيسة".

بعد صدور القرار الظني تبين أن الصيغة التي اعتمدت لتخريج الرواية، لا علاقة لها بمعلومات "الرئيس" المقصود. الموقوف واحد، ليس أساسيا، أو حتى لا علاقة له بالتفجير.

غير أن الوقائع المغايرة كليا للدعاية الرسمية لم تمنع "المصادر الأمنية" من التأكيد مجددا أن "الموقوفين سيمثلون الجريمة في كنيسة سيدة النجاة في الساعات الأربع و العشرين المقبلة". الأمر الذي لم يحصل قط.

الاثنين في 21 آذار، أعلن "مصدر قضائي" لاحدى الصحف أن "التحقيق انتهى، المنفذون ستة. أربعة منهم موقوفون". بعد أيام تبين أن هذه الرواية خاطئة أيضاً. وبعد أعوام لم يسأل أحد الصحيفة عن "مصدرها القضائي" و لا عن روايتها و الخطأ.

في اليوم نفسه احدى الصحف المعروفة "باطلاعها الامني القضائي"، راحت تفند الموقوفين وتعطي أسماءهم الأولى، نقلاً عن "مصادر موثوق بها". صحيفة أخرى تحدثت عن "اعترافات في أثناء التحقيق عن خطة لتفجير المراكز الدينية و الكنائس في أثناء أحدي الشعانين و عيد الفصح"، مع استرسال في عرض التفاصيل حول "المعلومات الأكيدة"، التي بات ثابتاً بعد أعوام أن الأكيد الوحيد فيها، كان الجهة التي سربتها و دافعها و الهدف.

في 22 آذار أعلن قائد القوات اللبنانية "أن ما يحصل اليوم مجزرة سياسية أكبر من مجزرة كنيسة سيدة النجاة. انها أكبر عملية تزوير عرفها لبنان".

في اليوم التالي، وسط انتشار كثيف لوحدات من الجيش، أمضى المواطنون يوماً طويلاً، بدأ بتوقيف الرائد المتقاعد فؤاد مالك، و انتهى مساء بقرار مجلس الوزراء منع وسائل الاعلام الخاصة من "بث الاخبار و البرامج و النشاطات السياسية المباشرة وغير المباشرة"، و باصداره المرسوم 4908، القاضي بحل "حزب القوات البنانية"، بناء على قانون الجمعيات العثماني، تاريخ 30 آب 1909، "لا سيما المادة 3 منه"، و التي تنص على أنه "لا يجوز تأليف جمعيات مستندة الى أساس غير مشروع، مخالف لأحكام القوانين والآداب العمومية، أو على قصد الاخلال براحة المملكة و بكمال ملكية الدولة، أو تغيير شكل الحكومة الحاضرة أو التفريق سياسةً بين العناصر العثمانية المختلفة. و يرفض اعطاء العلم والخبر بها و تحل بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء".

و بين التوقيف و الحل أصدر القاضي فريحة أربع مذكرات توقيف غيابية و خمساً وجاهية في حق كل من جرجس توفيق الخوري، أنطوانيت يوسف شاهين، سيمون ادمون خرياطي، مكرم مرسي علي و جولان يوسف ضيا.

بعد صدور القرار الظني في حزيران، لم تطلب المحاكمة الا للموقوف الأول، فيما زجت أنطوانيت شاهين في قضية أخرى اعتقلت بذريعتها خمسة أعوام، قبل تبرئتها بعد حملة دولية منددة باعتقالها. و زج سيمون خرياطي في قضية اغتيال الشهيد داني شمعون وعائلته. أما علي و ضيا فكانا معنيين بالمعلومات عن تحضير جهات أصولية لتفجير الكنيسة، و أطلق سراحهما لاحقاً لتغيب حقائقهما عن الملف…

——————

منذ صباح الخميس في 24 آذار 1994، تغيرّ أداء سمير جعجع. صار كأنه ثلاثة أشخاص في رجل. قبل الظهر وبعده، هو رمز ضحية الاضطهاد والقهر وقمع الحريات وقتل الديمقراطية. يستقرئ القضية في خطوطها العريضة. يستعيد محطاتها الكبرى: "ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة. في كل مرة كانوا يضربون الحصار حول روح شعبنا، كانوا يعتقدون أنها ستكون الضربة القاضية. لكننا كنا دائماً ننكفئ ونعود أقوى". وفي تلك الفترات من النهار، قلّ من لم يسمع من زواره، رفاقاً أو صحافيين أو متضامنين، عبارته الشهيرة: "الضربة اللي ما بتقتل، بتعلّم و بتقوِّي".

و في المساء يعود سمير جعجع قائداً للقوات، يمسك الملف كاملاً، من البحث عن محام يتوكل عن رفيق معتقل، الى أخبار رفيق آخر و أحوال عائلته و ظروف أهله و ضرورة المساعدة… يتابع تطورات المداهمات و المصادرات، عقله يعمل بذهنية الحد من الاضرار، و قلبه يجهد لتجنيب أي ضرر عن كل رفيق: "لازم نخلّص اللي بيتخلص، بالبشر و الحجر، و ننطر بكرا".

و بعد منتصف الليل يصير سمير جعجع "المسؤول عن مجموعة غدراس". يسأل يومياً عن تعداد عناصره: "ما لازم حدا يغلط و لا حدا يخاف … كل يوم الصبح لازم حدا يبرم ع الشباب واحد واحد و يحكين". و قبل طلوع الفجر يكون صوته على سماعة الهاتف الداخلي: "عملتو الجولة ع الكلّ؟".

الذين قدر لهم مراقبته في مراحل يومه الثلاث، كانوا يذهلون. لا ينسى أي تفصيل، أي اسم، أي معلومة. أحياناً كثيرة غابت المفكرة و اضطرب عمل أمانة سره. صار عقله الأوراق و المدوّنات و أمين سره و الكومبيوتر و الأرشيف في آن… كان تركيزه كله على الآخرين كلهم، الا على نفسه. في الايام القليلة التالية جاء من يبلغه أن القوى المتقدمة فوق منزله من جهة بلدة الكفور مجهزة بآلات لقياس المسافات عن بعد. يبتسم و يرد: "موت ما في!". لكن الحذر يظل واجباً. اقترح البعض اقامة حاجب بصري على الساحة حيث يمشي، لم يهتم. قالوا يمكننا الاتيان بكميات من القصب ورصفها ساتراً. في اليوم التالي لم تتغير مشيته في الساحة قرب الورود. لم ينتبه أنه صار في مأمن أكبر!

آخر آذار استدعى بعض الرفاق على عجل: "قد أضطر الى القيام بتدبير جديد يقضي بالاقامة نهاراً هنا و الخروج ليلاً للمبيت في مكان آخر. فكروا في الامر و أعدوا ترتيباته". وقبل انجازها يأمر باسقاط الفكرة: "قد يتخذون من الأمر ذريعة للقيام بخطوات متقدمة أكثر، يدفع ثمنها الشباب هنا".

و منذ مطلع نيسان صار القلق جليس الوجوه الزائرة في مكتبه. أما هو فلم يتغير. يسألونه عن التطمينات والاتصالات السياسية و مصيره الشخصي. فيجيب سائلاً عن مزاج الناس و آراء المواطنين غير المعنيين. عند المسايا كان الرفاق يطردون قلقهم بنسج سيناريوهات لخروجه من غدراس. أما هو فلا يشارك. ظل على استقراره. كأنهم قلقون على شخص آخر.

لم تكن الاخبار المتواصلة لتغيّر الحقيقة التي أدركها. في 11 نيسان 1994، صدر عن حاضرة الفاتيكان بيان رسمي يشير الى أنه "بعدما أعرب الأب الأقدس عن نيته زيارة لبنان في أواخر هذا الربيع، جرى في البلد بعض الأحداث الخطيرة و غير المنتظرة، والتي عكرت الأجواء، بحيث أخرجت الزيارة عن صبغتها الراعوية". بيان الغاء الزيارة البابوية، معطوفاً على بيان الكرسي الرسولي حول العلاقة بين جريمة الكنيسة و الاتفاق الدبلوماسي بين الفاتيكان و دولة اسرائيل، كانا يستندان الى وقائع عدة، يعيها تماماً سمير جعجع. فاتفاق تبادل العلاقات بين الدولتين لم يكن قد مضى على توقيعه الا بضعة أشهر، في 30 كانون الأول 1993. في اليوم التالي كان هجوم عنيف عليه في بيان أصدره "حزب الله" في بيروت، لم يكتف بالجانب الدولي للقضية، بل ألمح صراحة "الى الذين يرون في الفاتيكان مرجعية لهم، يمكن ان ينظروا الى الخطوة على أنها مثال للاحتذاء"، مضيفا استنكار التنظيم "هذه الخطيئة التاريخية التي ترتكب ضد المسيح والانسانية جمعاء"، حسب قوله.

بعد أربعة أيام كان بيان آخر، ضمن سلسلة طويلة متواصلة، صادر عن "تجمع العلماء المسلمين"، وصف "الاتفاق بالخطأ التاريخي"، و اعتبر أن "زيارة البابا لبنان أمر لا فائدة منه اطلاقاً". و دعا "جميع القوى و الشخصيات الشريفة في البلد الى مقاطعة الزيارة تعبيراً عن رفض هذا الاتفاق". الأمين العام السابق لتنظيم "حزب الله" نفسه، الشيخ صبحي الطفيلي، ذهب أبعد في 9 كانون الثاني 1994، فاعتبر أنه "بعد الاعتراف تصبح زيارة البابا الى لبنان تأسيساً للشر و لعمل لا يصب في مصلحة اللبنانين". فيما كانت "المنظمة الثورية الاسلامية لتحرير القدس" قبل أسبوع، تحذر في شكل صريح من حصول الزيارة.

غير أن هذه القراءة الاسترجاعية و سواها من المعطيات، لم تكن لتبدل الواقع الذي بات يدركه سمير جعجع: "يريدون رأسي، لكنني لن أسمح لهم بضرب الروح".

يوم السبت في 16 نيسان تسللت أول تقطيبة الى جبينه. فبعد ساعات على اعتقال أحد الرفاق، جاءه من أسر اليه بأن رفيقين آخرين كانا أخفيا منذ أعوام أسلحة فردية في المبنى المجاور لمنزله. اكتفى بايماءة استياء، وسارع الى استدعاء أحد المحامين من المترددين على مسؤول أمني. طلب منه الذهاب اليه فوراً وابلاغه الأمر و استعداد قائد القوات اللبنانية تسليم الأسلحة الفردية المخبأة فوراً. بعد الظهر عاد المحامي حاملاً الجواب: "غير مهتمين". ففهم الحكيم الرسالة: ضبط مخبأ للأسلحة قرب مقر سمير جعجع بات خطوة هامشية و صغيرة، قياساً الى ما هو مخطط و الى ما سيلي.

يوم الأحد كانت سيارتان دبلوماسيتان تركنان عند باب المقر. نزل منهما ثلاثة رجال و دخلوا سريعاً مكتب قائد القوات الذي كان ينتظرهم. أحدهم كان المستشار السياسي يومها في السفارة الأميركية في عوكر، فنسنت باتل. استمر اللقاء ساعة و ربعاً. في المساء سأله أحدهم عن نتيجته، رد باسهاب متوقفا عند الضمانات التي ذكروها له…بعد دقائق استدعى رفيقين و طلب منهما الاهتمام باخراج بعض أغراضه الخاصة من منزله!

نهار الاثنين أمضاه سمير جعجع متابعاً أخبار التحقيقات مع رفاقه المعتقلين و أصداء التناقضات في الاتهامات و التسريبات: "كل هذه الأقاويل ستنهار. علّموا عَ كلامي".

في المساء كانت حلقة الرفاق أضيق و الحديث واحد: يجب أن تغادر البلاد. بعد منتصف الليل يقف الحكيم على الباب قرب المكتبة مودعاً أصحاب المحاولة المتكررة. يده الجريحة تطبق على أكف المغادرين، و وجهه الباسم يردد: "حضّروا حالكن يا شباب ع الحبوس …"

سقطت طروحات الحرصاء. الطريق الى خارج غدراس مفتوحة. لكنه لن يمشيها. حاولوا اقناعه باثارة ذاكرته الشمالية، و مفهوم "الطافر" في وجه السلطة الظالمة، و عنفوانيته بالنسبة الى بيئته الأولى، علهم يشجعونه على قبول الفكرة… من دون جدوى. حاول آخرون السعي الى اقامة لجنة ثلاثية تتولى مهام قيادة القوات اللبنانية، لمحاولة تقطيعها المأزق "بالتغييرات المطلوبة"…من دون جدوى أيضاً.

بعد منتصف ذلك الاثنين استدعى رفيقين الى مكتبه الخاص قرب منزله في الطابق السفلي. بعد "جولة تفتيش المجموعة"، لفظ سمير جعجع للمرة الأولى، عبارة الذعر التي سكنت رفاقه طيلة 38 يوماً مضت: "اذا أخدوني، بدي منكن …"

ثوان قليلة مرت كدهور في صدمة السامعين، لتعود نبرة الصوت المطمئن نفسه: "عليكم اخراج ستريدا من هنا بأي ثمن، بأي وسيلة. و لو اقتضى الأمر افتعال اصابتها بوعكة أو ما شابه. يجب أن تصل الى بكركي للمطالبة بأمرين بواسطة البطريرك: ألاّ يكون مكان توقيفي في وزارة الدفاع، وأن يكون التحقيق معي في العدلية، وفي حضور نقيب المحامين".

في اليومين التاليين كان البحث جارياً عن كاتب عدل يستطيع بلوغ غدراس لتنظيم وكالات جديدة، فتعذر الامر.

صباح الخميس في 21 نيسان ظل الحكيم في منزله حتى الظهر. لم يصعد الى مكتبه. تلاحقت الاشارات: عند العاشرة بث "تلفزيون لبنان" خبر صدور مذكرة توقيف في حق قائد القوات البنانية، لم يلبث أن تم تكذيبها بعد ساعة، كانت كافية لجس النبض.

قرابة الثانية تناول غداءه الأخير مع زوجته و شقيقها و المحامي اميل رحمه. بعدها استأذنه رحمه للنزول لارتباطه بموعد، مع الوعد "رح ارجع نام عندك"، وللمرة الأولى لم يمانع الفكرة.

بعد الظهر لم يخرج من منزله. قرابة الثامنة مساءً استدعى أحد الرفاق: "في جيب للمكافحة جايي لعندي بعد شوي. أوعا حدا يغلط من الشباب!". بعد دقائق كانت الآلية العسكرية السوداء التي تقل العقيد جان سلوم تتوقف أمام المدخل. لم يكن الحكيم في مكتبه. صعد اليه من غرفة منزله مباشرة. التقاه ثلاثة أرباع الساعة. بعد دقائق كانت سيارتا رانج روفر، واحدة بيضاء اللون والأخرى كحلية ، تنضمان الى الموكب. ستريدا توضب حقيبة صغيرة. اميل رحمه على الهاتف: "عندي هون العقيد سلوم. منير حنين ناطرنا بالوزارة. لحقني لهونيك".

بعد التاسعة بقليل، وضع المسبحة حول عنقه و خرج الى الساحة حاملاً حقيبته. مسح بعينيه الباسمتين آخر دموع الحاضرين. تقدم من باب الرانج الكحلي، هم بالصعود الى السيارة، توقف لثانية أخيرة: "شوف وجكن بخير"، وأقفل الباب.

—————-

لم تكن شمس النهار تشرق على ذلك الرواق الرمادي. لكن الواقفين هناك، ملاصقين لجدرانه، كانوا يكتفون بتعداد بزوغها مع أرغفة الظهيرة اليابسة. كان الوقت قبل رغيف 23 نيسان بقليل، حين فتح الباب الكبير المجاور لغرفة الأمانات. دخلت رائحة سيكار فاخر، ترافقها أقدام كثيرة. مشى الدخان الكوبي بين الأغلال و العصبات المتكدسة، حتى باب الزنزانة السادسة في آخر السرداب. خرج مصطفى ليجيب على أسئلة الزائر الكبير: "كيفوا اليوم؟ كيف صارت معدتو؟ شرب العصير؟ …"

قبل تلك الحظة لم يدركوا أنه هناك. معهم، كما كان منذ أعوام طويلة، كما نذروا مدى العمر. قبل 45 يوماً كان وزيراً سابقاً، قائداً، و رفيقاً. بعدها صار لهم و لغيرهم رمز انسان.

في أيام السجن الأولى لم يسمع أحد صوته. صاروا يطمئنون اليه والى صحته من حوارات نزيل زنزانته، مصطفى، مع آمر السجن، رمضان. بعد أيام صار يزورهم تباعاً في غرفة التحقيق. يقف الى جانبهم، كما دوماً. "بتعرفوا لفلان؟" ليجيب الصوت نفسه، صوت القطارة و الدير و المجلس و الغد…"أكيد بعرفو". كان يرفع الظلام عن عيونهم المعصوبة. يحرر الدماء في عروق أيديهم المقيدة. يحمل عذاباتهم و قهرهم و الصلبان. ليخرج تاركاً أمرين من القائد: "ارموا كل شي عليي، و عملوا متل مابيقولولكن"… كان مهجوسا بصورة فوزي الراسي. قبل أيام من اعتقاله، قضى فوزي هنا، حيث المئات من رفاقه الآن.

بعد أيام صارت تنظم زيارات رفاقه الى زنزانته. يفتح الباب و ترفع العصبة السوداء عن عيني الزائر. ثوان و تنتهي "المقابلة" الآحادية الجانب بتعنيف الزائر و كلام حاد.

لم يفهم ما كان يحصل. ظل يتساءل حول سر تلك الزيارات الصامتة، و الأصوات التي غالبا ما كانت تعقبها. حتى التقى أحد هؤلاء الزوار لدى قاضي التحقيق. بعيدا عن الرقيب، أسر أليه الرفيق أنه شاهده في زنزانته أكثر من مرة. "كان هذا أنت؟ لماذا أتوا بك الي؟". "طلبوا مني أن أشتمك فلم أقدر…" لترتسم تلك الأمارة على وجهه الضامر، بين شفتيه و العينين، بين الاستياء و الحنو: "أوعا بعد تعيدا! اذا رجعو عملوها معك سبني قد ما بدن. أفضل مليون مرة تسبني و أنا واقف قبالك ، من أنك تتعذب لحظة و انت وحدك بعيد!".

عند استحقاق أول حمام له، مشى من أول الرواق، مرّ أمام غرفة التحقيق وقاعة طعام الحراس، و وصل الى أول الرواق الثاني الموازي، مردداُ بصوت مسموع: "هيدي منّا نهاية كل شي، هيدي بداية شي تاني بعد ما منعرفو…"

تلك الليلة سمع من زنزانته صفير هادئ يردد لحن الصلاة "سلام لك يا مريم".

———————

وانتقل سمير جعجع الى السجن، لتنفتح علامة السؤال المقلق: ماذا بعد؟ و ليأتي الجواب سريعا، باهرا منذ اطلالته الأولى مع بدء المحاكمات في 19 تشرين الثاني 1994. صمد هو، حتى اذهال سجانيه، فصمد معه أهله و رفاقه و الناس. و مضى يبني رهانه المثلث: على حقه أولا، و على رأي عام مفطور على التضامن مع ضحايا القهر ثانيا. و ثالثا على عجز سلطة تتوسل القمع نهج حكم، عن تقديم ما يؤمن خير الناس و مصالحهم العامة.

و نجح الرهان. صار سمير جعجع رمزا لجماعة كاملة، و صارت القوات اللبنانية محصلة عاملين اثنين: الانتصار لمعتقل مظلوم، و الرفض لواقع مأزوم، لا يزيد من أزمته غير التعنت في الظلم و القهر. و من هذه القوات الجديدة أشرق جيل سمير جعجع، راح ينمو مع أيام اعتقاله، يتضاعف مع أحكام قهره، و يملأ ساحات الوطن. و كان سمير جعجع مدركا ذلك، هو من طالما ردد أن الطبيعة لا تعرف الفراغ و لا تقبله. فحيث حاولت السلطة تصحير المجتمع السياسي و وأد حياته و دينامية بناه، كان المجال الأرحب ليناع مجتمع مدني ضاج فاعل رافض و ثائر. و لأن سمير جعجع كان عنوان المجتمع السياسي المحظور، صار هو نفسه رمز حركية المجتمع المدني الحي. هكذا أضحى اسمه في ساحات المدارس والجامعات و استحقاقات النقابات، على مدرجات الملاعب و النوادي، و فوق صفحات المثقفين الأحرار…شعارا للتعبير عن حالة وطن، مصطلحا لشرح واقع شعب، اختصارا لتفسير "جمهورية الرعب"، و رمزا للتطلع نحو حرية راسخة في نسغ انسان هذه الأرض. سقطت نظريات التقية و التذاكي و التخلي و الانكار و النوم و عبور الصحراء…و انتصر الحق العاقل الصادق الواقعي الهادئ.

و بهذا الانتصار تحول سمير جعجع نواة معارضة على مساحة الوطن. يلتقون حول حقه، يجتمعون حول وطأة ظلمه، و يجمعون على مشروعية قضيته و أولويتها. حتى أطلق اعتقاله جدلية نشوء المعارضة الوطنية و تطورها.

تسعة أعوام شكّلت للوطن وأهله مساحة مسارين متناقضين: من جهة السلطة: مسار الأحكام القضائية المتتالية وخطوات تهريب الاستحقاقات، من مرسوم التجنيس الى الانتخابات النيابية و قوانينها و التعديلات الدستورية و عواقبها و الاتفاقات الخارجية و تبعاتها، و استباحة المؤسسات الدستورية و العامة و انهيار الاقتصاد الوطني…

و مسار المعارضة: اجماع على الخطاب السياسي و بلورة للاطار النضالي و تحديد للأولويات، وفي مقدمها قضية سمير جعجع.

في الجهة الأولى طبقة سياسية متراكبة في سلطة. و في الطرف الثاني شعب ملتزم و متراص حول مرجعية وطن. هكذا صارت بكركي، صخرة الخلاص و مستقر الحقيقة و مستودع الايمان المناضل، اطاراً جامعاً لهؤلاء، من كل طوائفهم و مناطقهم. منذ أعلت صوتها في اللحظة التالية للجريمة، في 28 شباط 1994، الى صرختها مع آباء الكنيسة الجامعة، عبر ندائهم الأخير في ختام السينودس الخاص بلبنان في تشرين الثاني 1995، والمطالبة الدولية الأولى و الكنسية الجامعة "بتحرير المعتقلين السياسيين"، الى البيان الشهري لمجلس مطارنتها في 3 تموز 1996، قبل عشرة أيام على صدور الحكم القضائي في ملف انفجار الكنيسة، و اعلانه براءة المعتقلين "مما ينسب اليهم زورا لأغراض معروفة"، الى ورقتها المكتوبة الى الحكومة اللبنانية في آذار 1998، و الرافعة مطلب العودة عن حظر القوات اللبنانية و اطلاق سراح قائدها، وصولاً الى نداءات مجلس المطارنة المتتالية في الأعوام 2000 و 2001 و 2002، و مواقفه المعروفة من كل شأن داخلي أو خارجي، مما بات المرجعية الضميرية و الوطنية لسمير جعجع و رفاقه.

و يعود 21 نيسان، حاملا بداية العام العاشر للاعتقال. عقد كامل من "الزوال التدريجي للوطن"، كما وصفته بكركي، في ظل تطورات دولية و اقليمية حافلة و خطيرة، يطرح على بساطها مصير شعوب و كيانات دول و نظام عالم و سلام الأرض. حتى اعتقد البعض أن هذا الوطن، ليس في لحظة خطر الوجود و حسب، بل بات النموذج الضرورة، لنفسه و شعبه و محيطه و حتى للعالم. و كيف لمثل هذا النموذج أن يستعاد و يحيا، من دون هذا التدرج الطبيعي لمنطق الأمور: فلا وطن من دون سيادة. و لا سيادة ناجزة لهذا الوطن بالذات، من دون وفاق جميع أبنائه على مفهومها و أطرها و أسسها. و لا وفاق من دون اردات حرة لدى المعنيين بتحقيقه و تكريسه. و لا وجود لتلك الارادات أو احتمال لها، فيما شريحة من أبناء هذا الوطن معتقلة التطلع و الحقوق، مع اعتقال سمير جعجع. هكذا تبدو حريته بابا لحريتهم، و حريتهم دربا صوب الوفاق و المصالحة و "تطهر الذاكرة"، و الوفاق أساسا لوطن أقوى من المخاطر و التحديات، يحمل رسالة القيم و التسامح و التعددية و قبول الآخر و الحقيقة و الحرية، فعل عيش و نهج حياة و جوهر وجود.

"سمير جعجع الآن"، لم تعد مقولة فرد أو مطالبة بشخص. صارت مسلمة جماعة و وطن و رسالة، أو هكذا يريدها هو و نؤمن بها نحن. وبيننا و بينه علاقة صلاة و عمل، رجاء حق و رهان على الحقيقة.