منذُ بداياتِ القرنِ التاسع عشر كانتِ الطوائفُ اللبنانية قد طوَّرَتْ نظامَ عيشٍ سياسياً قائماً على التوافقيَّة. وعندما أُسِّسَ لبنانُ الكبير استلهمَ أبُ الفكرة اللبنانية ميشال شيحا النظامين الطائفي التوافقي اللبناني والديموقراطي الغربي في وضعِهِ التصوُّرَ الأساسيَّ للنظام اللبنانيّ، فكانتِ الديموقراطيةُ التوافقيةُ التي ما زالت رغمَ مرورِ السنين والتقلباتِ والتعديلاتِ الدستوريةِ هي التي تَحكُمُ علاقاتِ العائلاتِ الروحيةِ اللبنانيةِ قانوناً.
إنَّ هذا النوعَ من الديموقراطيةِ اعتمدَتْهُ دولٌ تعدديةٌ غربيةٌ كثيرةٌ بغيةَ المحافظةِ على وحدتِها وتعدُّديَّتِها في آن، فَحَمَتِ الخُصوصيَّاتِ وأمَّنتِ الحُريَّات. أَي أنَّها حَدَّدَتْ علاقاتِ الجماعاتِ الإثنيةِ أو العائلاتِ الروحيَّةِ بموجبِ نظامٍ يَمنَعُ إِحداها من إلغاءِ حقوقِ أو مُكتسباتِ الأُخرَيَات، مع المحافظةِ على أَساسيَّاتِ النظامِ الديموقراطيِّ القائمِ على الحريةِ والمساواةِ في الحقوقِ والواجباتِ بين الأفراد.
لكنْ ما هو حاصلٌ حالياً في لبنانَ يُجَافي المنطقَ الذي بُنِيَ على أَساسِهِ النظامُ الديموقراطيُّ التوافقيّ. بمعنى أنَّ التوافقيَّة صارتْ هي الغَالِبةُ – تِبْعاً لمَزاجيَّة المُنَادِين بها أو لتوازناتِ القوى وليسَ التزاماً بأُسُسِ التركيبةِ اللبنانية – فنَسَينا أنَّنا نعيشُ بظلِّ نظامٍ ديموقراطيّ، له دستورُهُ وآلياتُ عملِهِ وعلى رأسِها أنظمةُ مجلسيِّ النوابِ والوزراءِ التي تُحدِّدُ أَنصبةَ الجلساتِ وكذلك القراراتِ العاديَّةِ والمَصيريَّة.
مما يعني أنَّ المساعيَ التوافقيَّةَ مقبولةٌ ومطلوبةٌ إنْ هي التزَمَتْ بالمواعيدِ وبالأَحكامِ الدستوريَّة، ولم تُعطِّلِ الحياةَ السياسيةَ ضاربةً عَرضَ الحائطِ بالبُعدِ الأكثريِّ للتركيبةِ التوافقيَّةِ اللبنانيَّة. والا نَكونُ انتقلْنا الى نظامٍ توافقيٍّ غير ديموقراطيٍّ يَرفُضُ الأكثريَّةَ ويبحثُ عن الإجماع، والإجماعُ غيرُ ممكنِ التحقيقِ حيثُما وُجِدَتِ الحُريَّة.
خلاصةُ القولِ إِنَّنا إنْ لم نذهبْ الى بَتِّ أُمُورِنَا الخِلافيَّةِ وعلى رأسِها قانونُ الانتخاباتِ النيابيةِ تحتَ قبةِ البرلمانِ وضمنَ الأُطُرِ القانونيَّة، فسَنَدفُنُ نظامَنا بأَيدينا فاتحينَ البابَ على المخاطرِ الكيانيَّة كلِّها.