#dfp #adsense

“لعبة الأثلاث الخبيثة”

حجم الخط

أُقرَّت الإصلاحات الدستورية عام ۱۹۹۰ نتيجة إتفاق الطائف أي بعد ١٥ سنة من بدء الحرب اللبنانية، وسبقت الإتفاق أوراقٌ عدّة قدمها دُعاة إصلاح النظام السياسي اللبناني والمطالبين بقوّة بتعديل دستور سنة ١٩٤٣. أذكر من الأوراق التي قرأتُها أخيراً: أ – برنامج الحركة الوطنية اللبنانية الذي أعلنه الراحل كمال جنبلاط في ۱۸ آب ۱٩٧٥. ب – الوثيقة الدستورية التي أعلنها الرئيس الراحل سليمان فرنجية في 14/ 2/ 1976. ج – مذكرة دار الفتوى الإسلامية الصادرة سنة ١٩٧٧. د – ورقة عمل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى المُقرّة بتاريخ١۱-٥- ۱٩٧٧ والتي اُعيد طرحها بتاريخ ۳-١۰- ١٩۸۳. هـ – المذكرة التي قدّمها دولة الرئيس صائب سلام إلى هيئة الحوار الوطني في جنيف بتاريخ ۳١-١۰-١۹۸٣. و – نص المذكرة المقدمة إلى اللجنة العربية السداسية من دولة الرئيس صائب سلام في تونس بتاريخ ۲٧ آذار ١۹۸۹. ز – النص الرسمي لمشروع الإتفاق الثلاثي بتاريخ ۸ كانون الأول ١۹۸٥…

قارنت التعديلات المُدْخَلَة على الدستور اللبناني سنة ١۹٩۰وتلك الواردة في الأوراق الآنفة الذِكْر وبنتيجة الأمر ثَبُتَ التالي:

1 – إن اعتماد ” دستور الطائف ” نصابَ الثُلثَيْن لجلسات مجلس الوزراء (المادة ٦٥ فقرة ٥ من الدستور) لم يأتِ نتيجة مطالبة القوى الإسلامية أو الحركة الوطنية أو أي جهة لبنانية أخرى، بل ورد في الإتفاق الثلاثي للمرة الاولى.

2 – إن شرط حصول مواضيع معيّنة (المواضيع الأساسية) على أكثرية ثُلثي أعضاء الحكومة (المادة ٦٥ فقرة ٥) لم يَجْرِ أيضاً استجابةً لمطالبة القوى الإسلامية أو الحركة الوطنية أو أي جهة لبنانية أخرى.

3 – إن اعتبار الحكومة مستقيلة بمجرّد إستقالة أكثر من ثلث أعضائها (المادة 69 فقرة ١ نقطة ب من الدستور) لم يُعتَمَد استجابةً لمطالبة أي جهة لبنانية، بل ورد لأول مرة في الإتفاق الثلاثي بشكل “ألطف” حيث ان اعتبار الحكومة مستقيلة كان يستوجب إستقالة نصف أعضائها وليس الثلث زائداً واحداً.

4 – إن ربط إقالة وزيرمن قبل رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو الإثنين معا ًبحصول مرسوم الإقالة على موافقة ثُلثي أعضاء الحكومة كما ورد في المادة ٦۹ فقرة ۲ من الدستور، لم يعتمد تلبية ًلمطالبة أي جهة لبنانية بل ورد للمرة الاولى في الإتفاق الثلاثي ولو بآلية مختلفة.

وعليه يبرز السؤال التالي: من أَدخَلَ “لعبة الأثلاث” المبيّنة أعلاه إلى اتفاق الطائف وما الهدف منها؟ يُجيب أهل الطائف بأنه بعد اعتماد المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وخِشيةَ أن يجتمع مجلس الوزراء بنصاب النصف زائداً واحداً فقط ويَتّخِذ قرارات مهمة في غياب إحدى الطوائف جرى اعتماد نصاب الثلثين لكل الجلسات كما جرى اعتماد أكثريةٍ موصوفة (الثلثيْن) من أجل إقرار مواضيع وُصِفَت “بالأساسية”. (أن هذا التبرير قابل للنقاش إذ أنه على عكس المراسيم الصادرة في “المواضيع الأساسية”، فإن القوانين التي تصدر عن المجلس النيابي في عين المواضيع لا تحتاج في إقرارها إلى أكثرية الثلثيْن).

ولكن يَصعُبُ على أهل الطائف تبريرَ المبدأ الذي يعتبر الحكومة مستقيلة جراء استقالة ثُلُثِ أعضائِها، خاصةً وأن هذا المبدأ ورد للمرة الاولى في الاتفاق الثلاثي الذي كان ينص على اعتبار الحكومة مستقيلة نتيجة استقالة نصف أعضائها. أما مبدأ ربط إقالة الوزير من قبل رئيس الجمهورية بموافقة ثلثي زملاء هذا الوزير (المادة 69 فقرة 2 من الدستور)فهو إجراءٌ غريبٌ عجيب لا شبيه له في أي دستور من دساتير العالم. إنه أهمُ لغزٍ زَرَعَهُ السوري في دستور الطائف.

يمكننا القول أنه بعد دستور الطائف وجد اللبنانيون أنفسهم أمام عدة “أثلاث”، منها ما هو مبرر كربط نصاب جلسات مجلس الوزراء والقرارات الأساسية “بالثلثين”، ومنها ما هو “غريب” كجعلِ مصيرِ الحكومة معلَّقٌ باستقالة ثلث أعضائها زائداً واحداً، ومنها ما هو “خبيث” كالأورام السرطانية على شاكلة ربط إقالة الوزير بموافقة ثلثي زملائه.

إن في هذا الشرط الأخير الذي أصبح جزءاً من دستورنا تفخيخ للسلطة التنفيذية؟ إنه تدبيرٌ أضَافَهُ نظام الوصاية السوري سنة 1989 لكي يقبل بإمرار إتفاق الطائف.

نعم، إننا نفهم مدى تعلّق وريث النظام السوري في لبنان أي “حزب الله” بالثلث المعطل، الذي  يتيح لصاحبه المعارضةُ من داخل السلطة التنفيذية وتعطيل كل أعمالها كما يعطيه إمكانية تهديد حياة أية حكومة عبر اللجوء إلى استقالة ثلث وزرائها زائداً وحداً.

لذلك، وبانتظار نزع أخطر لغم وُضِع في دستور الطائف (موافقة ثلثي الوزراء من أجل إقالة زميل لهم) يكون من حق رئيس الجمهورية بل من واجبه (والرئيس المكلف)عدم إعطاء أي ثلث في الحكومة لأي فريق كان لأنه بذلك يكون قد وضع هو ورئيس الحكومة مصير السلطة التنفيذية في أيدي أقلية الثلث، المعطل، هذا الثلث الخبيث.

المصدر:
النهار

خبر عاجل