من دمشق إلى غزة.. من غزة إلى دمشق

عقب أكثر من ثلاث سنوات على الثورة السورية، ما زال الشعب السوري مصمما على مقاومته لإجرام نظام الأسد وحواشيه وشبيحته، رغم براميل الموت والصواريخ والغازات السامة وجميع الأسلحة، ورغم الممارسات الإرهابية التي يمارسها هذا النظام مدعوما من قبل روسيا التي تضخ السلاح له بلا حساب، ويرابط أسطولها على الشواطئ السورية، ويشارك خبراؤها البالغ عددهم 35 ألفا مع عائلاتهم إدارة الصواريخ، كما يشاركون السلطة الإرهابية جميع ممارساتها ضد الشعب السوري، وتقف روسيا والصين بالمرصاد لأي قرار قد يصدر عن مجلس الأمن بإدانة ممارسات النظام السوري ضد المدنيين، في دعم مطلق لسلطة الإجرام في دمشق، غير عابئين بإظهار عدائهما للشعب السوري المظلوم.

من جهة أخرى، تشارك إيران بعصاباتها من الحرس الثوري الإيراني وأتباعها من “حزب الله” وفصائل عراقية وحوثيين وباكستانيين وأفغان في قتال الشعب السوري الذي خرج يطالب بحقوقه المسلوبة منه في الحرية والكرامة وحقوق الإنسان. وتضخ إيران المال والسلاح إلى النظام في دمشق في مشهد طائفي يسترجع وقائع تاريخية تحت شعارات فارغة تهدف إلى التحريض الطائفي البغيض، وتحويل مسار الثورة إلى حالة من حالات الصراع الطائفي، في الوقت الذي يوصف فيه المدافعون عن حقوقهم من الشعب السوري بالإرهابيين.

وفي المقابل، يقف العالم متفرجا على مسرح الجريمة في سوريا، وعلى مشهد براميل الموت تهطل كالمطر على المدن والقرى وتحصد المئات يوميا وعلى مدار الساعة ضحاياها من المدنيين، في مشهد لم ير التاريخ له مثيلا.

في السجون تجري تصفيات جماعية للمساجين المعتقلين بجميع وسائل الإجرام من قتل وتجويع واغتصاب للفتيات وحتى للشباب، وتنتشر جثث الشهداء في كل مكان، بحيث تكون ممرا لباقي المساجين يتخطونها في طريقهم إلى الحمامات.

تعجز الدول العربية والمجتمع الدولي عن اتخاذ أي إجراء لإنهاء معاناة الشعب السوري المظلوم، ويمنع عنه السلاح للدفاع عن نفسه بحجة وجود متطرفين، دون أن يلحظ أحد وجود متطرفين تابعين لعصابات “إيران الأسد”.

وفي غزة، يشن الكيان الصهيوني المحتل حربا تدميرية على شعب يدافع عن أرضه وعرضه، ولا يملك ما يملكه الصهاينة من ترسانة أسلحة ودعم دولي، وقد يكون بعضه عربيا.

توصف حماس والفصائل المقاومة بالإرهاب، ويتحرك المجتمع الدولي لحماية الكيان الإسرائيلي الذي اغتصب فلسطين عام 1948 بغطاء دولي، ولا يزال يحتلها حتى الآن برغم وجود سلطة فلسطينية، وبرغم المعاهدات التي أبرمتها هذه السلطة معه، وآخرها في أوسلو.

سبق لي أن بينت في أكثر من مداخلة أن وجود الكيان الصهيوني في فلسطين وجود ليس له أساس شرعي، وإن إنشاء هذا الكيان يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة في نقطتين أساسيتين؛ أولاهما أن منظمة الأمم المتحدة هي منظمة علمانية، وإنشاء كيان على أساس ديني يتعارض مع نظامها،

وثانيتهما: لا يمنح ميثاق هيئة الأمم المتحدة أي صلاحيات للهيئة الأممية لاقتطاع أرض شعب وإعطائها لآخرين.

لو سلمنا جدلا بصحة قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين الفلسطينيين واليهود، فإن الأراضي التي احتلها الكيان الصهيوني خارج خارطة التقسيم لعام 1948 تُعد أراضي محتلة بنظر القانون الدولي، والشعب الفلسطيني يملك الحق في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضه المحتلة بموجب معاهدات جنيف، ومع ذلك توصف مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال بالإرهاب.

تمارس دول عربية وغير عربية الضغط على الفصائل الفلسطينية التي تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني من أجل إلقاء سلاحها، بينما لا تمارس الضغوط في المقابل على الكيان الصهيوني لإلقاء ترسانته النووية على الأقل، وتأتي تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مزدوجة المعايير، فيطالب القيادة الإسرائيلية بضبط النفس، بينما يطالب القيادة الفلسطينية بالتزامها بالمواثيق والمعاهدات.

ومن هنا نستطيع أن نقارن بين ما يجري في سوريا وما يجري في غزة.

ففي غزة نظام عنصري يحتل القسم الأعظم من فلسطين بقوة السلاح، ودعم من المجتمع الدولي، بينما لا تملك الفصائل الفلسطينية غطاء سوى مشروعية المقاومة والدفاع عن النفس، وتوصف الفصائل الفلسطينية بالإرهاب مع أنها تملك مشروعية الدفاع عن النفس والأرض بموجب معاهدات جنيف ومبادئ القانون الدولي.

يمنع عن المقاومة الفلسطينية أهم مقومات الحياة، وكذلك السلاح الذي تدافع به عن نفسها.

وفي سوريا، يقف الشعب السوري الذي يملك الحق في تغيير السلطة الحاكمة وفي بناء دولته على الشكل الذي يراه، يقف هذا الشعب وحيدا عاجزا عن تحقيق ذاته.

يقاتل الشعب الفلسطيني عدوا قادما من وراء الحدود، بينما يقاتل الشعب السوري سلطة تحولت إلى عصابة يحمل أفرادها الهوية السورية بموجب قيود الأحوال المدنية، ويقود هذه العصابة شخص يسعى من خلال ممارسته الإجرام غير المسبوق إثبات أنه قادر على أن يمسك بزمام الأمور، بعد أن مات قبله أخوه باسل الذي أعده والده ليحكم سوريا، وأحاطت به الشائعات حول إمكانيته القيادية، وبشار الأسد يحاول أن يثبت الآن أنه ليس أقل من أخيه قيادة، فيطلق العنان لجنون جرائمه بلا حدود، وينفذها ضد الشعب السوري بمساعدة مجموعة من القتلة الحاقدين والمارقين.

لا يزال المشهد من دمشق إلى غزة ومن غزة إلى دمشق مشهد دمار وتدمير شامل، تختلف فيه الأيادي، بينما الهدف في كلتا الحالتين تركيع الشعب وإنهاء المقاومة.