بيان خطاب القسم

عامان ونصف العام حتّى أفرج “حزب الله” عن رئاسة الجمهوريّة. ورفض بعدها الإعتراف بالدّيناميّة المسيحيّة – اللبنانيّة التي أنتجها اتّفاق معراب. واليوم بعد رضوخه لضرورة ترجمة خيارات فخامة رئيس الجمهوريّة في التّشكيلة الحكوميّة، يشيّع مجدّدًا بأنّ التّشكيلة الوزاريّة التي تمّ التّوصّل إليها، إنّما تمّت بفضله هو وحليفه الرّئيس نبيه برّي. لكن لماذا هذه الحرب الضّروس على “القوّات اللبنانيّة”؟ ولماذا لا يريدون شراكتها في الحكم؟ أو بأقلّ تعديل، لماذا يريدون فرض شروطهم على العهد قبل انطلاقه؟

المعادلة بسيطة جدًّا، يكفي العودة إلى تاريخ “القوّات اللبنانيّة” المشرّف في مأسسة المنطقة الشّرقيّة ما بين 1987 و1990، وكيف أدارت “القوّات” هذه المنطقة وجعلت منها قبلة أنظار كلّ المناطق اللبنانيّة التي كانت تحكمها الإقطاعيّة والتّزلّم للإحتلال. وما إن لاح نجم “القوّات اللبنانيّة” في أفق الحكم حتّى صرّح رئيس الحزب، ومن دون مواربة، بأنّه  سيقطع يد أي قوّاتيّ سيعمل في الحقل العام قد تسوّله نفسه بمدّ يده على المال العام. أوليس هذا ما أخافهم وهم أسياد الفساد؟

من هذا المنظار نفهم الحرب على “القوّات اللبنانيّة”، لأنّ سلاح الإستقامة والنّزاهة الذي تملكه أعتى من كلّ صواريخهم ورعودهم. يتحدّثون عن قدراتهم على إدارة الشّأن العام ، وقد رأينا كيف تحولت هذه القدرات إلى مقدّرات خاصّة أنفقوها على أزلامهم، وعلى حملاتهم الإنتخابيّة. من هنا، نفهم رفضهم لمشاركة “القوّات اللبنانيّة” في الحكم. فهي، أي القوّات، ستكون مع فخامة رئيس الجمهوريّة كتلةً متراصّةً في مكافحة كلّ الفاسدين والمفسدين. فكيف سيقبلون بشراكة “القوّات اللبنانيّة” وهم في الأساس فاوضوا على قاعدة ما لنا هو لنا وحدنا، وما هو لكم إنّما هو لنا ولكم؟

هذه المعادلة صارت من الماضي. فما فرضته ورفضته “القوّات اللبنانيّة” في مرحلة التّشكيل خير دليل على مصداقيّتها في تعاطيها الشّأن العام. نتشارك في صناعة كلّ قرارات الدّولة، ولكن لا نقبل بأن نتشارك في حقّنا في الوجود الحرّ في صلب هذه الدّولة. من غير المسموح بعد اليوم الرّضوخ لمنطق فائض القوّة الموجود عند “حزب الله” نتيجة سلاحه ومشاريعه الإقليميّة. ومن يريد أن يخضع ويستجدي، فليخضع وحده وليستجدِ وحده، من دون أن يمنّن أحداً على ما حصل عليه. لأنّ من يعطي هو من يأمر. فـ”القوّات اللبنانيّة” لم تُعطَ بل انتزعت حقّها من فم الأسد. فلا يجرؤنّ أحد على محاولة المسّ بهذه الحقوق المقدّسة لمجتمعنا.

يخطئ من يظنّ أنّ المشروع الإيراني ربح في المنطقة، وبالتّالي أتت الإنتخابات الرّئاسيّة  والتّشكيلة الوزاريّة كنتيجة. لا وألف لا. إنّ ما حصل في لبنان سيكون من أهمّ أسباب سقوط المشروع الإيراني في لبنان والمنطقة. فكلّما توسّعت دائرة الحرّيّة والدّيمقراطيّة، كلّما ضاقت دائرة العقائد التوتاليتاريّة والتيوقراطيّة والدّيكتارتوريّة – لو المبطّنة – وهذه هي المعادلة التي ستحكم المنطقة. ولا يمكن لحاكم يسير بعكس منطق التّاريخ أن ينتصر ويستمرّ، لئن انتصر في جولة فهو سيسقط حتماً أمام اختبار التّاريخ. ومن لم يتّعظ من تجارب التّاريخ فلن يرحمه هذا التّاريخ. وسيذكر في كتاب التّاريخ كما يذكر نيرون وهتلر وموسوليني ولينين.

من هذا المنطلق، ستنطلق الحكومة وستكون أداة تنفيذيّة فاعلة، مهما زادت الضّغوطات عليها. ولعلّ خطاب القسم الذي شكّل خارطة طريق العهد الجديد سيكون وحده البيان المنتظر الذي سيحدّد النّهج الذي ستُسيِّر هذه الحكومة البلد على أساسه. وكلّ المعادلات الخشبيّة التي كانت سائدة ستتحوّل إلى ساقطة بحكم التّاريخ. وكلّ من ستسوّله نفسه بليّ ذراع العهد ستكسر ذراعاه. لأنّ المواجهة ستكون مع كلّ من تجرّأ ووقف في قلعة معراب والمختارة وبيت الوسط وبيوت كلّ الشّرفاء.