الحوار على الهويّة أم على إدارة الجمهوريّة؟

لطالما ثبُتَتِ “القوّات اللبنانيّة” على مبادئها ومواقفها. والتّاريخ يشهد، وشهادتنا مجروحة في هذا المجال. وبشهادة الأعداء والخصوم، تُوصف “القوّات” على انها “محاور شريف”. واليوم كما بالأمس القريب والبعيد، لا تُسأل “القوّات” عن موقفها من الحوار، لكن الإشكاليّة المطروحة هي: مع من تتحاور “القوّات”؟ وما هو موضوع هذا الحوار ؟

لم تضع “القوّات اللبنانيّة” يومًا أيّ فيتو على أحد. فهي مستعدّة للتّحاور مع كلّ الأفرقاء لمصلحة لبنان. والسّؤال الوحيد الذي تطرحه “القوّات” مع الجهة التي ستتحاور معها، هو حول أيّ لبنان تريد؟ فلبناننا واضح المعالم، منذ مار يوحنّا مارون وحتّى مار بشارة بطرس الرّاعي. لم تحِدِ “القوّات اللبنانيّة” يومًا عن الهويّة اللبنانيّة التي أرستها مقاومة بلغت من العمر أكثر  من 1400 عامًا.

الحوار اليوم ليس على الهويّة اللبنانيّة، بل عن كيفيّة النّهوض بهذا الكيان وبهذه الدّولة ليكونا على قدر الطّموحات التي استشهد لأجلها أسلافنا. مفهومنا لهويّتنا تثبّت أكثر في اتّفاق الطّائف الذي دفعت “القوّات اللبنانيّة” أغلى ثمن للوصول إليه. والمفارقة أنّ فاتورة عدم تطبيق الطّائف دفعتها “القوّات اللبنانيّة” أيضًا اضطهاداتٍ وتنكيلاً واعتقالاً بلغ 4114 يومًا وأكثر.

أمّا بعد اقتناع أغلب مكوّنات الموزاييك اللبناني بضرورة هذا الإتّفاق لإعادة ضخّ الحياة من جديد في شرايين الوطن، فقد بات ملحًّا تطبيق كلّ بنوده، لا سيّما المتعلّقة بقرارات الدّولة الإستراتيجيّة، بغرض تثبيت ما هو صالح أكثر، وتعديل ما وضعه الإحتلال السوّري عن عمدٍ، وما كان غير صالحٍ ومنصفٍ بحقّ أيّ مكوّنٍ من مكوّنات الهويّة اللبنانيّة.

اليوم الكلّ متّفقٌ على أنّ قانون الإنتخاب هو الأولويّة لإعادة إنتاج سلطة تشريعيّة تصوّب كلّ اعوجاجٍ تشريعيٍّ في الدّولة اللبنانيّة، ولحفظ حقّ كلّ مكوّنٍ في تمثيلٍ عادلٍ وصحيح. وما رفضه المسيحيّون بحقّهم طوال أكثر من ربع قرن وجاهدوا لتغييره، لن يقبلوه بحقّ غيرهم اليوم. إمّا أن تكون حقوق كلّ المكوّنات مصانة وإمّا لن نقبل بتغليب مكوّنٍ على آخر مهما بلغ فائض قوّته.

يبدأ الحوار الحقيقيّ في المجلس النّيابيّ الجديد، وكلّ الحوارات الثنائيّة اليوم إنّما يجب أن تكون لخدمة الحوار الكبير المنتظر تحت قبّة البرلمان، لأن لا شرعيّة لأيّ طاولة خارج إطار المؤسّسات التي أرسى قواعدها الدّستور اللبناني. يدخل الكلّ إلى النّدوة البرلمانيّة بتساوٍ وعندها يكون الحوار الحقيقي. فلا يسألنّ أحدٌ بعد اليوم إذا ما كانت “القوّات اللبنانيّة” تتحاور مع أيّ مكوّنٍ من مكوّنات الوطن. هناك اختلاف طبعًا، لكن لا عداوة مع أحد. فنحن لم نطوِ صفحة خلافٍ مع فريق لتُفتح أخرى مع فريقٍ غيره. إمّا أن ننطلق في حوارنا من بعد مسألة الهويّة أو لن يكون هناك حوار. فلا حوار حول هويّة الوطن ومن يطمح الى تغيير هذه الحقيقة فليغيّر وطناً أسهل بكثير له.

الحوار مع “القوّات اللبنانيّة” ينطلق من ثوابت الهويّة اللبنانيّة والكيان والدّولة. وبعد هذه العناوين يُبحث في تفاصيل إدارة هذه الدّولة نحو حياة أفضل لكلّ أبنائها. إمّا أن يعترف الكلّ بوجود هذه الدّولة وبشرعيّتها وإمّا لن نصل إلى ما نصبو إليه. أهدافنا لم تكن يومًا غير معلنة. اليوم ومع رئيس جمهورية قوي وصل بقوة اتحاد ابناء الوطن،  نستطيع أن نبني وطناً يداً بيد.