صفقة أم وطن؟

 

لم يعد خافيًا على أحد أنّ الطّريقة التّصاعديّة التي تناول بواسطتها الثنائي المسيحي حلّ المعضلات قد أثبتت نجاحها، وهي في الحقيقة ما يحاربه اليوم من لا يريد لهذا الثّنائي الإستمرار على الإستقرار فيما وصل إليه. فالأزمة الحقيقيّة اليوم في لبنان لا تكمن في إنتاج قانون انتخاب أو حتّى في كيفيّة إنتاج هذا القانون. فمن سيطر على كلّ مقدّرات البلد طوال ربع قرن ونيّف، جلّ ما يهمّه الإنقضاض على ما قد ينتجه هذا القانون العتيد من “قدرة” لإعادة الحقّ إلى أصحابه وما قد ينتج عن هذه القدرة.

من هذا المنطلق، كلّ قانون لا ينتج ما هو مُنتَجٌ اليوم هو مرفوض بالنّسبة إليه مهما كان شكل هذا القانون، والحديث اليوم عن أنّ الأطراف التي أوليت على لبنان طوال هذا الرّبع قرن المنصرم ستسهّل عمليّة ولادة قانون الإنتخاب هو كلام باطل. حتّى طرحهم للنّسبيّة المطلقة إن سار به كلّ اللبنانيّون، فهم سيعودون ويرفضونه بحجّة ما بعدها مئة حجّة بغضّ النّظر عن كونهم طارحيه.

المرفوض الحقيقيّ اليوم ليس القانون بل مفاعيله ونتائجه. فالنّتائج التي كانت مضمونة قبل 18 كانون الثّاني 2016 لم تعد كذلك. بل الأكثر أنّها انقلبت رأسًا على عقب. من هنا، حتّى السّتين مرفوض، لذلك سمعنا بمقولة “صيغة معدّلة لقانون السّتين”. السّؤال معدّلة لحساب من؟

والحديث اليوم عن صفقة بين أطراف السّلطة لإعادة إنتاج نفسها بنفسها نتيجة الإنتهاء من الفراغ في رئاسة الجمهوريّة، وإعادة إنتاج حكومة جديدة ومنتجة، هو أيضًا كلام باطل لا صحّة له. ماذا وإلا لما بقينا سنتين ونصف في الفراغ لننتج “صفقة” مزعومة يتحدّثون عنها. فالصّدع الذي انطلق من معراب غيّر كلّ المفاهيم التي كانت سائدة طوال ربع قرن وقلب الأمور رأسًا على عقب.

إذًا، لا صفقة حول الوطن مقابل السّلطة. فنحن لسنا دعاة سلطة لمجرّد الدّخول في صلب معادلة الحكم لتقاسم الحصص، وإلا لكنّا قبلنا بما رفضناه طيلة هذا الرّبع قرن، ولم نتكبّد ما تكبّدناه من اعتقال واستشهاد في زمن سلمٍ مفروضٍ كزمنِ حربٍ مفروضٍ أيضًا. ولا يعتقدنّ أحد أنّ “القوّات اللبنانيّة” قد تساوم يومًا. ومن يعتقد حتّى هذه اللحظة أنّ وراء إنهاء أزمة رئاسة الجمهوريّة “صفقة” ما، فمشكلته مع نفسه وليس معنا، نحن دعاة الدّولة وبناة الجمهوريّة القادرة القويّة.

جلّ ما نريده بعودة الحجم الطّبيعيّ لكلّ الأفرقاء في لبنان، هو بناء” الوطن” الذي يريده كلّ اللبنانيّون. ولو أنّنا نريد بناء وطن لنا كمارونستان مثلًا، لكان أعلنها سمير جعجع منذ أكثر من عشرين عاماً، لكن القائد أراد للبنان أن يبقى لبنان، وقرّر الذّهاب بملء إرادته إلى المعتقل، بعد أن سلّم السلاح لمصلحة بناء هذا الوطن. فنحن لسنا دعاة صفقات إنّما بناة أوطان. هكذا كنّا، وهكذا سنبقى، إلى أبد الآبدين آمين.