صراع الموارنة التاريخي

غريب أمر الموارنة وهذا الصراع التاريخي الذي لم يفارقهم يوماً… ليس الصراع في ما بينهم كما يتبجح بعض الساسة، فهو ليس بتاريخي وحب السلطة من طبع بعض البشر على إختلاف طوائفهم واعراقهم وألوانهم، كما أن كبوات الموارنة الداخلية وإن كانت دموية أحياناً إلا أنها محدودة، إذا ما قورنت بمسيرة جماعة على مدى الألف وأربعمئة سنة وكنيسة لم تنقسم على ذاتها…

في الاساس، ذاك المارون العظيم بزهده، الجبار بإيمانه والمكلل بالنسك كان فاتحاً لحياة المئات من أبناء جيله، فغزا قلوبهم بنمط عيشه المسيح وعقولهم بكلمة الحيلة المتجسدة، ولم يبنِ كنيسة بل تتلمذ على يده أخوة إمتشقوا الحياة الرهبانية درباً نحو السماء وتكوكب حوله مؤمنون شكلوا عائلات ناصرة، فكان هذا المزيج جماعة بيت مارون التي اضحت كنيسة رهبانية وعلمانيين يجاورون الأديار…

كان الموارنة عشاق شهادة في سبيل الإيمان وحق الحرية للانسان، قاوموا الذمية وتحالفوا مع المغاور والوديان، وكان لهم ذاك الحلم، ذاك الامل، ذاك اللبنان المثقل بالوجدان والايمان…

كل ماروني منذ الطفولة تتفتح عيناه على أمه العذراء أرزة لبنان، على الارزة ترتفع، على المذابح مع أثواب الكهنة وتصدح في الترانيم والصلوات وعلى بطريركية أعطي لها مجد لبنان… وكل ماروني يعيش ذاك الصراع التاريخي بين حسابات أهل الزمان، وشربل ورفقا والحرديني وروحية الأجداد وشغف الايمان…

صراع بين منطق الحسابات الديمغرافية والواقعية السياسية والخوف على الهوية، إغراءات العيش في اصقاع الارض بسلام وأمان وحرية وبين التمسك بالارض مهما كانت المخاطر والرهان على حسبات السماء والايمان بأن الله خلقهم ليشهدوا لمحبته في هذه الشرق…

صراع يعيشه كل منا حين ينظر الى أطفاله والمستقبل الذي يتربّص بهم في بحر الفوضى الذي تعيشه منطقتنا أو ينتظرهم خلف البحار…

صراع سيبقى فيه موارنة على مرّ الزمان يحسمون الدفّة لعيش الايمان في لبنان…