أي قانون انتخابي لتثبيت عقد اجتماعي بذوره الطائف

في ظل معركة صيغة قانون الانتخابات النيابية العتيد، وارتفاع الاصوات والطروحات وتطاحن الافكار والصيغ بين الفرقاء السياسيين على الساحة اللبنانية، لابد من القاء الضؤ على توجهات اساسية نراها اساسات لاي تشريع برلماني واعد.

اولاً: ان نص وثيقة الطائف التي اسست للجمهورية الثانية لا يقبل ولا يحتمل اي مساومة لو اردنا بالفعل تطبيق الطائف. فالوثيقة التي تتكلم عن المحافظة اساساً على الدوائر الانتخابية  بعد اعادة النظر في التقسيم الاداري في اطار وحدة الارض والشعب والمؤسسات رسمت الحد الاقصى الذي يجب ان ياتي اي تشريع انتخابي من ضمن سقوفه، بحيث لا يعقل اللجؤ الى ما هو اصغر او اقل تمثيلاً جغرافياً وديمغرافياً.

كما ان الوثيقة هدفت الى مراعاة القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين، فعندما نتكلم عن العيش المشترك انما نتكلم ليس عن قانون انتخابات بل عن ثقافة عيش مشترك لا تلغي ان يشعر كل مكون لبناني طائفي او مناطقي او مذهبي بانه ممثل في ادارة دفة الحكم، على اساس العقد الاجتماعي الذي اوجده الطائف. فما يجب ان يفهمه اللبنانيون ان العيش المشترك لا يتوقف على قانون انتخابي مهما حاول مراعاة كافة الهواجس والمتطلبات بل ان العيش المشترك يبنى كما يقول “هوبز” على الارادة الحرة للجماعة المحكومة انطلاقاً من قاعدة توافق وتعاقد فلا يمكن تأمين الارادة الحرة للجماعات اذا بقيت بعضها رهينة البعض الاخر او مختصرة لدى البعض الاخر او مشتتة على قوى اخرى غالبة مناطقياً او مذهبياً او فئوياً.

فنشأة الدولة على حد قول الفلاسفة السياسيين وعلى رأسهم  روسو ولوك وهوبز تتطلب صياغة عقد اجتماعي يكفل انتقال الافراد من حياة الفطرة (التعصب – الانتماء الفئوي – التبعية العمياء لزعامات – العائلة والعشيرة…) الى حياة الجماعة، وحياة الجماعة بالتالي لا تتوافق مع استمرار الابتلاع والخضوع والاستيعاب الفئوي.

ثانياً: عندما تنص وثيقة الطائف على تأمين صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل، فانه لا يعود من مجال لاي احد ان يتكلم عن غبن في التمثيل ولا عن احتواء فريق لفريق آخر في التمثيل، لان صحة التمثيل وفعاليته يفترضان على حد قول “لوك” الارادة والاتفاق بين افراد المجتمع في ابرامهم عقداً بين بعضهم بعضاً، على تنازلهم عن جزء من حقوقهم وليس كلها بالقدر اللازم والضروري لحماية حقوقهم المحتفظين بها.

وبالتالي النص الوفاقي الذي يتكلم عن صحة تمثيل، انما يعني  صحة تمثيل كل فريق يحق له التمثيل والتمثل في الحكم لانه جزء من المجتمع ومكون من مكوناته لا فضل لفريق على آخر ولا فضل لفريق على حساب أخر في الحكم بغض النظر عن حجمه وقوته المعنوية والفاعلة في حياة الجماعة، ولذلك لا صحة تمثيل الا بالصيغة التي تظهر حقيقة وجود كل مكون وحجم تواجده في المعاجلة الداخلية.

ثالثاً: إن اي قانون انتخابي عتيد يجب ان يكرس مبادىء السيادة الشعبية، فالالتزام الاجتماعي والخضوع للسلطة لا يمكن ان يكون اساسهما القوة او حق الفتح او الغزو او الاخضاع، بل ان الالتزام الاجتماعي والخضوع لسلطة جامعة لا يمكن ان يقوما الا على اساس الاتفاق الحر بين الافراد والمكونات، وهذا الاتفاق هو الذي ينقلهم الى حياة الجماعة في بعديها السوسيولوجي والثقافي الانتمائي.

فالسيادة الشعبية اذاً، وليدة الارادة الحرة للافراد والجماعة كما يقول “جان جاك روسو” واي قانون انتخابي عتيد يجب ان يبنى على عنصرين:

العنصر الاول: اعتبار الافراد والجماعات المتعاقدين مستقلين ومنعزلين كل منهم عن الاخر وقائمين بذاتهم كيانات ثقافية، سوسيولوجية منفصلة،  فلا ابتلاع لاحد من احد ولا اختصار او اختزال لاحد في احد.

العنصر الثاني: اعتبار الاعضاء افراداً وجماعات متحدين يتبدى في مجموعهم الشخص الجماعي المستقل.

رابعاً: ان اتفاق الطائف كوثيقة دستورية ملزمة لجميع اللبنانيين،  فلا يمكن ولا يجوز ولا يحق ولا شرعية لاي قانون انتخابي لا يضمن الحدود التي رسمها النص الدستوري، الميثاقي. فالعيش المشترك (التنازل عن جزء من الحقوق في سبيل الكيان الحاكم جماعياً) وصحة التمثيل وفعاليته لشتى فئات الشعب (وليس لفرقاء على حساب فرقاء اخرين) وإعادة النظر في التقسيم الاداري (بما يجعل المحافظة المعدلة اساسا لتقسيم الدوائر)  مضافاً اليه استحداث مجلس للشيوخ، تُلقى على عاتقه مهام التمثيل الطائفي وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية وتلغي الطائفية التمثيلية من مجلس النواب، كلها توجهات واسس يجب ان تبنى عليها تركيبة البرلمان العتيد، وخصوصاً ضماناً لحق كل لبناني فرداً كان اومجموعة بان يتمثل تبعاً لحجمه ودوره وقوته وفعاليته.