14 شباط و”العذارى الحكيمات”

في حياة البشرية عبر التاريخ لحظة أو Momentum قد تصنعها حوادث تعطي زخماً ما، فإما تتلقف الشعوب هذه اللحظة فتكون مفصلية وإما تذهب سداً. وكذلك الامر في مسيرة المناضلين الذين قد تنتهي اعمارهم قبل أن تتحق اهدافهم، فيراكمون سنوات النضال على رجاء تلك اللحظة وإن لم يكن هناك أي بصيص في الافق، فيعملون لها من دون اي يعلمون بها.

14 شباط 2005 هو تلك اللحظة التي صنعها إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتي لم تكن في حسبان لا السياسيين ولا المناضلين بل فقط في اجندة العقل الاجرامي المخطط، فحتى يد الشر المنفذة قد لا تدرك أحياناً حقيقة المهمة المولجة تنفيذها.

صحيح أن ذاك الرابع عشر من شباط شكّل زلزالاً لإستهدافه رجل تخطى الاحجام العادية في الحياة السياسية المحلية، فكان لاعباً سياسياً إقليماً بأبعاد عالمية. ولكنّ الاصح أن كان في لبنان مناضلون اشبه بـ “العذارى الحكيمات” تلك اللوتي أعطاهن مثلاً الرب يسوع بحسب ما ورد في إنجيل القديس متى الفصل 25 حيث أَخذْن زيتاً في آنيتهنَّ مع مصابيحهنَّ وهن ينتظرن العريس فيما جاهلات أخذنَ مصابيحهنّ ولم يأْخذن معهنّ زيتاً، فأتى العريس غفلة وكانت الحكيمات مستعدات لتلك اللحظة.

لقد راهن نظام الاسد على ان إغتيال الحريري سيمر كما إغتيال الزعيم كمال جنبلاط والرئيس الشهيد بشير الجميل والمفتي حسن خالد وغيرهم كثر، وأن ثلاثين سنة من الامعان في الاحتلال وزرع الشقاق بين اللبنانيين وتقديم أورق اعتماده كضابط إيقاع الى اللاعبين الدوليين كفيلة بتحصينه، كما ان “عدّة الشغل” من فريق “8 آذار” و”خلية حمد” وشبيحة “البوريفاج” و”الاميركان” وعنجر كفيلة بتظهير إنقسام الساحة اللبنانية الى العالم وبث الذعر في نفوس اللبنانيين.

لكنّ “العذارى الحكيمات” في التيار السيادي كنّ يتحينّ تلك اللحظة. فمنذ الانقلاب على “الطائف” في مطلع التسعينات، لما يتعب المناضلون رغم شدة الاضطهاد وسوداوية الافق. رفض سمير جعجع التسليم بميزان القوى، ضرب “القوات اللبنانية”، وإدخل المعتقل فقارع السجن الانفرادي 4114 يوماً ولم ييأس أو يضعف. كذلك واجه العونيون باسلوبهم نفي عمادهم، ومثلهم فعل كتائبيو أمين الجميل. وبقي حزب “الاحرار” صوت مرتفع بوجه المحتل وشرّع ابواب بيته في السوديكو لنبض الاستقلال. وكان التيار السيادي…

كان الحديث عن “إحباط المسيحيين” والترويج ان جعجع “رح يتختخ تحت تالت ارض” و”عون راجع.. ع القبر”… وكان الاعتقال والاغتيال من فوزي الراسي في اقبية وزارة الدفاع الى رمزي عيراني في الحمرا قلب بيروت…

كان التسويق لمنطق “حلف الاقليات” في المنطقة وفبركة زعامات كرتونية تدين للمحتل بالعبودية، تحاول شراء الضمائر بالخدمات وتبث النفس الانهزامي… وكان البطريرك السيادي مار نصرالله بطرس صفير ونداء ايلول التاريخي للمطارنة الموارنة، والمصالحة التاريخية في الجبل والانفتاح الجنبلاطي وحديث الاخير عن ضرورة إعادة التموضع السوري… كانت “قرنة شهوان”، وحراك “اللوبي” اللبناني بين عواصم القرار وقانون “محاسبة سوريا” والقرار 1559… وكان لقاء “البريستول” بنسختيه وإنضمام “مشفّر” للرئيس الحريري عبر إيفاد عضوي كتلته غطاس خوري وباسل فليحان…

فأتت لحظة الرابع عشر من شباط 2005 و”التيار السيادي” في جهوزية محلياً وإستنفار عالمياً. تقاطعت مع ظروف دولية وحصدت ثلاثين عاماً من المقاومة العسكرية والنضال السياسي بوجه المحتل السوري، وكان إندحار جيش الاسد في ذاك السادس والعشرين من نيسان…

واليوم يسأل بعضهم أين 14 شباط و 14 آذار واين مفاعيل تلك اللحظة التاريخية؟! وفاتهم ان هذه اللحظة الخالدة في الوجدان أعطت مفاعيلها العملية واطاحت بمنظومة الاحتلال العسكري الاسدي، فالنضال تراكمي وكل اللحظات التاريخية في تاريخ البشر مهما عظمت تبقى محدودة في الزمان والمكان وإن تركت بصمات لا تمحى وإرتدادات لا تنتهي…