خريطة الانتشار المسلح لـ"حزب الله" في قرى جزين ووثيقة لمديرية المخابرات تؤكد حادثة صنين

خريطة الانتشار المسلح لـ"حزب الله" في قرى جزين ووثيقة لمديرية المخابرات تؤكد حادثة صنين
نقلا عن "نهار الشباب": أثارت حادثة اعتداء عناصر مسلحة من "حزب الله" على مواطنين وتوقيفهم والتحقيق معهم في منطقة صنين في 22 حزيران الماضي هلعا في نفوس الكثيرين. "حزب الله" نفى متأخرا بعد أسبوع وقوع الحادثة. فما هي حقيقة ما حصل في صنين؟ وما حقيقة تمركز "حزب الله" في عدد كبير من المناطق والقرى المسيحية خصوصاً في منطقة جزين؟ وهل صحيح أن عناصره ينتشرون ونقاطه تتوزع في سفوح الجبال وصولا الى عيون السيمان وجرود جبيل؟ في هذا التحقيق إجابات عن بعض هذه الأسئلة...
في 23 حزيران الماضي أثار رئيس حزب الكتائب اللبنانية الرئيس أمين الجميل قضية اعتداء عناصر مسلحة من "حزب الله" على 5 شباب في منطقة صنين. عناصر "حزب الله" أقدموا على إطلاق النار على الشباب بهدف توقيفهم. ثم حققوا معهم قبل أن يتم إطلاق سراحهم، مع العلم أنهم من أبناء المنطقة، وبسكنتا تحديدا.
أسئلة عدة طرحت بعد الحادثة، ومنها: لمَ ينتشر "حزب الله" عسكريا في مناطق مسيحية بامتياز، وتبعد كثيراً عن أي خطوط مواجهة محتملة مع الإسرائيليين؟ وإذا كانت حجة المسلحين أنهم يتخوفون من عملية إنزال اسرائيلية في المنطقة، فكيف يمكن أن تتم عملية الإنزال في منطقة بعيدة جداً ولماذا؟ وهل يمكن لـ"حزب الله" أن يغطي عسكريا كل المنطقة الجردية وسفوح الجبال لمنع أي إنزال إسرائيلي؟ وإذا كانت هذه الحجة ذريعة واهية فما هي الأسباب الحقيقية لهذا الانتشار؟ وهل من خطة غير معلنة تأتي في سياق متابعة الانتشار العسكري المسلح الذي بدأه "حزب الله" منذ 7 أيار الماضي انطلاقا من بيروت والجبل وصولا الى بقية المناطق؟
ردّ "حزب الله" على هذه الحادثة التي أثيرت إعلاميا مع الرئيس الجميل، واستكملها رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع وعرضتها وسائل الاعلام، جاء متأخرا جدا وتحديدا بعد مرور أسبوع كامل مما أثار الريبة. فالحزب لا يتأخر عادة في إصدار بيانات توضيحية لأي حادثة تحصل. وباستثناء موضوعين اثنين تمثلا في شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب التي تجاهل الرد عليها أشهرا طويلة وموضوع توقيف المسؤول الاشتراكي الفرنسي الذي تأخر بالرد عليه أياما، فإن الحزب كان يسارع وفي غضون ساعات الى الرد أو التعليق على أي موضوع يثار ويتعلق به.
وثيقة رسمية
وبغض النظر عن روايات الشهود من الشباب الذين تعرضوا للحادثة والتي نشرها الموقع الالكتروني الرسمي لحزب الكتائب ونقلتها الصحف ووسائل الاعلام، فإن "نهار الشباب" تمكن من الحصول على وثيقة رسمية تعود الى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني صادرة بتاريخ يوم الحادثة في 22 حزيران 2008 عند الساعة 5,33 عصراً وتروي تفاصيل الحادثة كالآتي:
"أثناء قيام نجيب نقولا طبشراني، يقود سيارة جيب لاند روفر وبرفقته روكز بولس الخوري حنا (رئيس قسم كتائب بسكنتا) وسليم فؤاد أبو حيدر، يقود جيب مرسيدس لون أبيض وبرفقته جو عقل (رئيس مصلحة الانضباط في حزب الكتائب) وميشال فؤاد أبي هيلا بجولة في صنين محلة مطيوحان سهلات غنيمة (على بعد حوالى الساعة سيرا بالسيارة من مطاعم صنين)، أقدم 8 أشخاص مجهولين ملثمين بحوزتهم أسلحة حربية وجيب تويوتا لون أبيض مموّه، على إطلاق النار بالقرب منهم بغية توقيفهم، فترجّل من السيارة الأولى الخوري حنا للاستفسار عن الموضوع، وتم توقيف السيارة الثانية بمن فيها، فيما استطاع الطبشراني الافلات منهم. ادعى المسلحون أنهم في عداد "حزب الله" وأنهم متواجدون في المكان كنقطة مراقبة لمنع أي إنزال اسرائيلي. وتم إخلاء سبيل الجميع الساعة 14,00 بعد إجراء أحدهم اتصالا هاتفيا ومن دون التعرض لهم بأي أذى. وتبيّن لدى المذكورين أنه يوجد في المكان وعلى بعد نحو 10 كلم مخيم لحزب الله".
هذه الوثيقة الرسمية والصادرة عن مديرية المخابرات في الجيش اللبناني (رقم الوارد 7231/ ف. م. ج. ل.) ورقم الصادر 24276 تؤكد بما لا يقبل الشك صحة ما حصل في منطقة صنين، وعدم صحة نفي "حزب الله". لا بل إن مصادر أمنية مطلعة على سير القضية أكدت لـ"نهار الشباب" أن مديرية المخابرات في الجيش اللبناني تمكنت من الإحاطة بالموضوع كاملا ومتابعته مع الحادثة التي جرت في منطقة فاريا- عيون السيمان، بحيث بات مؤكدا وجود نقاط لـ "حزب الله" تمتد في مناطق مختلفة من سفوح السلسلة الغربية لجبال لبنان من منطقة جزين مرورا بالباروك وصنين وصولا الى عيون السيمان وجرود جبيل حيث تكثر نقاط المراقبة والكمائن في المنحدرات الجبلية إضافة الى تمديدات تتم في عدد من المناطق لشبكات وأنفاق تحت الأرض.
الانتشار في قرى جزين
المصادر الأمنية كشفت لـ"نهار الشباب" بالتفاصيل والخرائط عملية الانتشار وبناء المواقع التي قام بها "حزب الله" في منطقة جزين، وخصوصا في القرى المسيحية، والتي باتت تشكل ما يعتبره "حزب الله" خط الدفاع الثاني شمال نهر الليطاني.
وهذا الانتشار يقوم على خطين متوازيين:
- الخط الأول أقيم في مشاعات وخراج وأحراج وأودية جنسنايا صعودا في اتجاه الشرق، مرورا بالمنحدر بين الحسانية ووادي الليمون، تلة برتي، السفنتي (بين قريتي سنيّا وبصليّا) وصولا الى مزرعة كفرا جنوب بلدة زحلتي.
- الخط الثاني ينطلق من جنوب الطريق الممتدة من الصوان - الرمانة - جبل طورا - الرادار، مرورا باللويزة - سجد - مزرعة الزغرين - العيشية - القطراني - السريرة - بركة جبور وصولا الى ميدون ومشغرة في البقاع الغربي. (لمزيد من التفصيل راجع الخريطة المرفقة التي تظهر أسماء القرى التي ينتشر في خراجها ووديانها وتلالها مسلحو "حزب الله" ومراكزهم العسكرية المستحدثة).
ويتخوّف أهالي المنطقة من عملية تهجير منهجية من قرى قضاء جزين بفعل الانتشار العسكري في المنطقة، وخصوصا في ظل منع مسلحي الحزب الاهالي من إصلاح أراضيهم والقيام بعمليات البناء، والمكوث أحيانا لأكثر من ساعة واحدة في أرضهم، إضافة الى حظر تواجدهم نهائيا في بعض ممتلكاتهم.
ويروي الأهالي حادثة حصلت مع مواطن من بلدة الرمانة حاول بناء منزل في بلدته فطلب منه مسلحو "حزب الله" الحصول على اذن بناء من مسؤول الحزب الأمني في بلدة جباع. ففعل ذلك ووافق المسؤول الأمني على منحه الاذن، ولكن تم منعه لاحقا من المباشرة بالبناء بحجة أن الوضع الأمني لا يسمح!
كما أن ثمة استياء عارما لدى الأهالي والمسؤولين المحليين من واقع أن الأراضي باتت مباحة لإنشاء التحصينات العسكرية المتطورة، ويتم استقدام كميات هائلة من الحديد والاسمنت لبناء التحصينات.
وتؤكد المصادر الأمنية المطلعة لـ"نهار الشباب" أن "شركة كورية تنفذ عمليات بناء التحصينات والمواقع العسكرية في إشراف ضباط من الحرس الثوري الإيراني".
وتشير المصادر الى أن البقعة الجغرافية المشار إليها والتي تضم مرابض للصواريخ تبعد نحو 30 كلم عن الحدود الجنوبية، مما يعني حكما أن مدى هذه الصواريخ يفوق الـ 100 كلم حتى تتمكن من إصابة العمق الإسرائيلي. كما تعد هذه المصادر التجمّع في الرمانة - جبل طورا الأكثر أهمية لدى "حزب الله" من حيث كثافة النيران بعد معسكر جنتا في البقاع الغربي.
وتتحدث المصادر عن عمليات تفجير ومناورات بالذخيرة الحية يقوم بها "حزب الله" في المنطقة، مما أدى على سبيل المثال اخيراً الى وفاة 5 عناصر من النبي شيت من آل شكر والموسوي والمولى خلال تجهيزهم عبوات ناسفة.
إزاء كل ما تقدم يتضح أن ما يقوم به "حزب الله" يتخطى إطار الذرائع المعروفة والحديث عن مواجهة إسرائيل، وخصوصا في مناطق تبعد كل البعد عن خطوط المواجهة، إضافة الى توقيت تسير فيه قدما المفاوضات السورية- الاسرائيلية غير المباشرة بوساطة تركية، مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مخططات "حزب الله". فهل سيكتفي الحزب بإصدار نفي جديد بعد أسبوع أم سيواجه الرأي العام بحقيقة تغلغله العسكري وانتشاره الذي بات يصح فيه القول إنه تمادى فعلا؟!

اسم الكاتب(ة): طوني أبي نجم
المصدر: النهار
القسم: تحقيقات
الخميس 10 تموز 2008, الساعة 9:25 بتوقيت بيروت