لماذا "الجمهورية الثالثة ثابتة"؟
لماذا "الجمهورية الثالثة ثابتة"؟
اذا كانت جمهورية الجنرال ميشال عون الثالثة ثابتة، كما تقول الملصقات، فإن جمهورية الجنرال ميشال سليمان ستكون متأرجحة، كما تشي النيات، طبعاً نيات الذين كتبوا هذه الشعارات ورفعوها.
سيسارع حرّاس العونية الى اعتبار هذا الكلام بمثابة تحميل الأمر ما لا يحتمل، بمعنى القول ان التبشير بثبات الجمهورية الثالثة لا يعني تأرجح الرئيس سليمان ورئاسته، بل المقصود بدء قيام "الجمهورية الفاضلة" التي لا ينفك عون عن المناداة بها.
ولكن للمواطن في هذا البلد البائس عقلاً وذاكرة، بمعنى انه ليس هناك من لبناني لا يعرف مدى غرام الجنرال عون برئاسة الجمهورية، وهو ليس غراماً عذرياً، باعتبار ان عون سبق له ان صرح اكثر من مرة انه الأحقّ في أن يتولى رئاسة الجمهورية، وبأنه البطريرك السياسي للمسيحيين في لبنان وسائر المشرق، ويستشهد لتأكيد هذا بالاستقبال الذي نُظّم له في سوريا.
أكثر من هذا، لقد فهم الناس من مجمل التصريحات العونية التي سبقت انتخاب الرئيس ميشال سليمان وتلته، ان هناك من يرى ان الرئاسة سُحبت سحباً من فم الجنرال، لذلك فانه اختار الآن هذا الشعار الانتخابي الذي يبشر بأن الثالثة ثابتة وقريبة.
❒ ❒ ❒
الجمهورية الأولى طبعاً لم تكن ثابتة، باعتبار ان عون حكم كرئيس حكومة عسكرية اقامت في قصر رئاسة الجمهورية، وحولته بيتاً للشعب، ووجدت لنفسها المسوّغ الشرعي لتحكم وتعلن الحروب مع انها اقتصرت على ثلاثة من الضباط المسيحيين بعد استقالة الضباط المسلمين، في حين نزع عون الشرعية عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لمجرد خروج الوزراء الشيعة منها!
وانتهت الجمهورية الأولى، او بالأحرى انهارت احلامها لحسابات واخطاء فادحة لا سبيل الى تعدادها الآن، وخصوصاً بعدما قررت شن حرب تحرير لبنان من سوريا وهزّ مساميرها، تحديداً يوم كان الرئيس حافظ الأسد يشارك اميركا والتحالف الدولي في تحرير الكويت، ربما لان عون وجد يومها التوقيت ملائماً للوصول حتى الى صيدنايا ومعلولا!
والجمهورية الثانية سقط حلمها بعد اصطفاف عون مع جماعة 8 آذار التي لا تملك اكثرية كافية لإيصاله الى الرئاسة، وان تكن قد استعانت به لتعطيل الجمهورية في كل مؤسساتها تقريباً، وقد اعانها وبحماسة، والأمور هنا ليست خافية على أحد!
❒ ❒ ❒
الآن، عشية الانتخابات النيابية الحاسمة والمصيرية، كما يقول الجميع، نشطت احلام عون بالرئاسة وهذا من حقه طبعاً، الى درجة ان الشوارع والطرقات تغرق في غابة من الملصقات البرتقالية التي تقول: الجمهورية الثالثة ثابتة.
في بلد مثل لبنان تعلو فيه الوشوشات والنيات، من حق الناس ان يعملوا بهدي القول "ان سوء الظن من حسن الفطن"، بمعنى الافتراض ان حصول جماعة 8 آذار على الأكثرية في الانتخابات قد تدفع عون الى المطالبة "بعرش" الجمهورية الثالثة، على خلفية ان الرئيس ميشال سليمان لم يستقل من قيادة الجيش قبل انتخابه رئيساً، وهو امر قد يسحب عليه عون مسوّغات الدستور مطالباً بانتخاب مبكر لرئيس جديد للجمهورية!
ومما يزيد في الشكوك والتوجس لدى البعض انه عندما عدّد السيد حسن نصرالله قبل فترة مهمات المجلس النيابي، لإظهار اهمية الانتخابات، وقال ان المجلس ينتخب عادة رئيس الجمهورية، اجتهد البعض في القول ان المجلس الجديد سينتخب رئيس الجمهورية.
وهذا امر غير صحيح، لأن مدة المجلس اربع سنوات ومدة الرئيس ست سنوات وهذا يعني ان المجلس المقبل لا ينتخب الرئيس... هذا الاجتهاد ساعد في تغذية الشكوك حيال إمكان وجود نية مبيتة بأن تكون هناك رغبة في جعل "الجمهورية الثالثة الثابتة" عونية مباشرة بعد الانتخابات، اذا حصلت 8 آذار على الأكثرية، وخصوصاً في ظل الاجتهاد الذي يقول ان مجلس النواب سيد نفسه، وهو المرجع الاول لتفسير الدستور وقبل المجلس الدستوري!
هكذا اذاً تكون "الجمهورية الثالثة ثابتة"، اي ان تكون الجمهورية الأولى لسليمان متأرجحة او حتى منتهية!
طبعاً سيلقى هذا التفسير الواضح جداً نفياً سريعاً ولكنه قد لا يقنع احداً. والدليل ان البعض يصدق ان الجمهورية الثالثة طائرة على وشك الاقلاع فيحجز لنفسه فيها مقعداً عندما يرفع شعاراً يقول:
"على متن الجمهورية الثالثة"، فان راجعته ستكتشف ان المقصود هو منطقة المتن فحسب!
❒ ❒ ❒
يقول الفرنسيون عادة: كوني جميلة واخرسي "Sois Belle et Tais Toi"، لكن عون يرفع شعاراً مستعاراً ومحرّفاً فيقول: كوني جميلة وصوِّتي "Sois belle et vote"، وما دمنا في الشعارات الفرنسية يا طويل العمر، فمن حق الناس ان تصرخ:
“Sois Franc Et Annonce Tes Intentions” أي: كن صريحاً وأعلن نياتك. ولكن سيأتيك الجواب فوراً: "Tais Toi Et Vote” اي اخرس وصوّت!
اسم الكاتب(ة): راجح الخوري
البريد الإلكتروني: rajeh.khoury@annahar.com.lb
المصدر: النهار
القسم: السلطة الرابعة
الجمعة 8 آيار 2009, الساعة 5:22 بتوقيت بيروت