مسيحيو العراق وغير العراق (بقلم المطران جورج خضر)

كتب المطران جورج خضر: من السهل جداً ان يقال ان هؤلاء تبيدهم او تهجّرهم الحرب الأهلية الدائرة في العراق. أفهم ان يموت المقاتلون من سنّة وشيعة. هذه قاعدة الحروب او أفهم أن يموت الذين يرفضون الاحتلال الأميركي. هذه قصة سلاح. لكن المسيحيين في الموصل وغير الموصل لم يشتركوا في الحرب الأهلية ولا في المقاومة. لأي سبب يساقون الى الموت او الى إجلائهم عن وطن أحبوه وأسهموا في حضارته منذ عهود سومر وبابل؟

ماذا حلّ في العراق الذي كان متعلّقًا جدًا بالعروبة ومن طليعة بلدان العرب في الذهنية المدنية؟ واذا كانت الحكومة حامية المواطنين جميعا بصرف النظر عن الدين او المذهب لماذا يكون تركيز القتل على هؤلاء ولماذا نتفرّج بهدوء على سفك هذه الدماء البريئة؟ "من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" (المائدة، 32) .

لست أطمئن الى تفسير كل إبادة للمسيحيين في العراق بالقاعدة او اية حركة احيائية وأصولية. فالقاعدة وما يشبهها تقتل المسلمين ايضًا، وهل أثير العداء الديني ولم نبقَ في إطار التأجج الحربي؟ لست أعلم، وعلى الحكم العراقي ان يفتش. ولكن من يسائل الحكم العراقي؟

ممنوع على المسيحي ان يثأر... هو تحديداً غافر لقاتليه. لكني لا أستطيع ان أقبل قتل عربي لعربي بسبب ديانته. هذا أولا ليس موجودا في الأصول. ولم تكن - على حد تحصيلي- قاعدة العداء بين الأكثرية والأقلية واردة في العراق قبل هذه الحرب. هناك قتل مجاني لا أستطيع فهمه الا إرادة في تشتيت المسيحيين في ذلك البلد العظيم.

من هو صاحب هذه الإرادة؟
أفهم أن الأميركيين ليسوا غيارى على المحافظة على الأقليات. لم يهتموا لها يوما. ونعرف اين تكمن مصالحهم. كنت أحسب أن الأقليات في عهدة الدولة. لا يبدو ان هذا تحقق في هذا البلد الشقيق او ان ثمة دليلا فيه لتحقيق ذلك. لست عالم نفس لكني أتمنى أن أعرف من علماء النفس ان كانت الحرب الأهلية تثير شعور بغض ضد الأقليات. هل المقتول دقائق قبل ذبحه يحس بأن القاتل أصبح حقا عدواً لشعوره الديني في نفسه؟ ليس عندي عن هذا جواب. لكن توضيح هذا الأمر أساسي لمعالجة مستقبل التعايش إن كان ثمة أمل في التعايش؟

أرفض على ضوء هذا أن يقول لي أحد: الدنيا قائمة قاعدة، وفي جو هذا التخبط العام يُقتَل (بضم الياء وفتح التاء) المسيحيون. هذه الحجة مردودة اذ لم يشترك المسيحيون في الحرب. وهذا تهرُّب عند أولي الفكر والإخلاص. هناك من التأثير على الدولة لتكون دولة. وقبل كلامهم مع أهل الحكم واجب كل العراقيين ان يصرخوا ويحتجّوا جهارا ليزكّوا ضمائرهم ويبنوا معا عند انتهاء الأحداث وطنا حضاريا.

لست مدمنا قراءة الصحف لأعرف ما اذا كان مسلم واحد في لبنان صرخ في وجه الجناة العراقيين. أهمية الأمر ان يشهد هذا المرء بأخوّته للمسيحيين في الموصل وبغداد وسواهما أو يشهد للمشاركة في العروبة. الصمت قتال. يشعرك انك غريب.

سألني غير مسيحي في لبنان: ماذا سيحل بنا بعد محاولة الإبادة لمسيحيي العراق؟ كنت أعزيه بقولي ان مسلمي لبنان ليس فقط يحبوننا ولكنهم يلحّون على أن بقاءنا معهم ضروري لهم كليا. كنت أقوله لإشاعة السلام في القلوب والإقناع بالتعاون مع المسلمين. لكني أريد ان يقوى اقتناعي بأن ليست هناك رغبة في فئات جهادية تكفيرية لكنها قوية في إجلاء المسيحيين عن طريق الخوف.

ما جرى في مصر، اعني قتل أقباط، من حيث الكيف او المعنى والبغض الذي هو المعنى الكبير ليس جديدا. هذا أمر ظهر منذ سنوات والحكم ايضا لا يتحرك كأنه يخشى الجماهير او بعض الكتل الأصولية. الا تذكرون ان الأقباط كانوا في طليعة من جبه الانكليز في ثورة 1919؟ ألستم تعلمون ان المنظّر الكبير لحزب الوفد كان مكرم عبيد المسيحي. ألم تقرأوا ان البابا شنودة رفض دائما ان يستعمل لفظة أقليات إزاء التحرش الأميركي الذي كان يريد دائما ان يثير هذه المسألة بناء على شرعة حقوق الإنسان؟ المسيحيون في فلسطين التاريخية أمسوا 2% من السكان. القدس التي كان القسم الكبير منها مسيحيا قبل احتلالها أضحى المسيحيون فيها لا يتجاوزون عدد السكان في قرية مسيحية كبيرة في لبنان او قريتين.

ما الفرق بين الجلاء والإجلاء؟ الجلاء شريط من حرير لا يقتل، والإجلاء شريط من حرير يخنق. الحل في ايدي المسلمين العاقلين الأطهار والأقوياء معا. كيف تصنع آلية للجم القتلة، لست أعلم. التأسف الكلامي لا يكفي. الاحتجاج الصارخ لا يكفي. الإسلام لا يأنف ان يستعمل القوة داخل الدولة او خارج الدولة. ان يباد مئات العراقيين مشكلة كبيرة. ان يُذبح عشرة اقباط او اكثر كل سنة في الصعيد مسألة مطروحة حول الكيان المصري وشرعية الحكم فيه. ازاء كل هذه الفظائع لا يستطيع الوجدان الإسلامي ان يبقى متفرجا خصوصا ان الألسنة والأقلام تتكلم من زمان طويل جدا على سماحة الإسلام. هل يبقى هذا في حدود الأُمنيات ام تصبح المجتمعات الإسلامية حقا مجتمعات حرة لكل مخلوق عاقل؟

نحن نريد ان نعيش مع المسلمين بالمعنى الاوروبي لكلمة حرية، ونريد سلام الله عليهم وازدهارهم الكامل على كل الصعد. هذا ما يقوله على الأقل أتقياء المسيحيين. لست أتحدث هنا عن لبنان حيث القلوب واحدة وفي رؤيتي انها موحدة في صدق كائنا ما كان شكل الحكم او تنظيمه. ولي الحق ان أتمنى صمود الإخوة المسلمين ضد الحركات المتعصبة التي تعمل ضدهم بالقوة نفسها التي تعمل بها ضدنا. لكن المثال اللبناني لا يقي من التحرك الذي قد يأتي من الخارج.

هذا التحرك يحتاج الى تنديد إسلامي من عندنا والى تحريك إسلامي لبناني لتعليم العرب الحرية لكل أجناس البشر أكانوا قريبين أم بعيدين بعضهم عن بعض في العقيدة. ليس المجال هنا لأشير الى ما يحدث في باكستان وأندونيسيا ضد المسيحيين. انا اؤمن ان المسلمين العرب هم معلّمو الإسلام السمح في العالم. لكن هذا يقتضي ايمانا حقيقيا بالحرية الكاملة. كيف يستخرج أئمتهم هذا من تراثهم، هذا شأنهم، وليس عندي صبر لأنتظر الى الأبد الاعتراف بحقي ان أبقى جسديا. هذا من شأنه ان يفيد كل الناس الذين يطلبون الله.
الإله الذي يعبده المسلمون طمأنينتي.



المصدر: النهار
القسم: محليات سياسية
السبت 6 آذار 2010, الساعة 13:31 بتوقيت بيروت
٤ عدد التعليقات
الاسم
 
البلد
البريد الالكتروني
   
Verification code
التعليق
 
 
الاسم
بوسى
البلد
Egypt
(172 Days Ago)
تحية طيبة للجميع وتحية وأحترام لسيادة المطران : جورج خضر هذا الرجل المثقف المحترم والمستنير الفكر ... فانا دائما معجبة بفكرة وكنت أتمنى أميلة الخاص لمراسلتة أو الموقع الرسمى لأتابع كل ما يكتبة لأنة ذو فكر متميز وهادف ..
الاسم
هاشم ابو شتال - الاردن
البلد
Jordan
(179 Days Ago)
غبطة المطران ، اسمح لي ان اهديك تحيات واحترام الاردنيين وبعد ، حال الشعب الاردني حول الارهاب والجماعات المتطرفة هو حال القيادة الاردنية وهو موثق برسالة عمان ، مشكلتنا في العالم العربي مسيحيين ومسلمين تكمن في ما يسمى بالقاعدة ومن يتبعها ، ولعلك تتفق معي انهم صنيعة المخابرات الامريكية في البداية واعدائها في النهاية ! هذة معضلة المسلمين من السنة المعتدلين عندما وقع المتطرف بن لادن ورقة التفاهم في افغانستان ونصب نفسة وكيلا على الاسلام !!! ولدينا مثل في الاردن يقول( مجنون بوقع حجر في بير ومليون عاقل لا يستطيعون اخراجة) هذا حالنا عندما وقع بن لادن ورقة تفاهم مع الامريكان لحمايتنا من الشيوعية !!! لم نكن بحاجة لمن يحمينا حتى توقع هذة الورقة فتعود علينا بالويلات ، حمى اللة اللبنانيين من مثل هذة الاوراق وشكرا
الاسم
dina
البلد
Lebanon
(179 Days Ago)
يا سيدنا كلامك على راسنا. مسألة الوجود المسيحي الحرّ في هذا الشرق تشكّل اشكاليةً بحدّ ذاتها في ظلّ أنظمة دينية اسلامية سواء كانت سنية ام شيعية. والأخطر هو وجود الأصوليات. حقنا أن نطلب من المسلمين المحافظة على المسحيين في هذا الشرق وفتح باب الإجتهاد في هذا الأمر. لكن الموضوع معقّد كما تعلم خاصةً وأن العالم الإسلامي يشهد انقساماً سياسياً حاداً. مما ينعكس تلقائياً على المسيحيين. والوضع في لبنان ليس أحسن حالاً. ونتكلم هنا عن الطائفة الشيعية الكريمة وتحديداً حزب الله الذي يحقّق من ضمن جدول اقليمي مصالح سوريا ولبنان. ويخوّن المسيحيين الذين يشتكون من سلاحه غير الشرعي. المسيحيون في الشرق كما هو معروف يستمدون قوتهم من مسيحيي لبنان. فلماذا لا يوجّه السؤال الى اللبنانيين الشيعة اولاً. هل يريدون بناء الدولة معنا ام البقاء خارجها؟! والى متى؟ أم هم بانتظار حدوث شيء ما ليعلنوا عندها ولاية الولي الفقيه؟ المطران بشارة الراعي طلب من خلال محاورة تلفزيونية عودة اللجنة التنسيقية بين حزب الله وبكركي. لكن الموضوع بقيّ معلقاً. لا بل زادت التهجمات على الصرح البطريركي. قلوبنا علي المسيحيين في هذا الشرق أينما وجدوا، وقوبنا على أيدينا نحن مسيحيي لبنان من الأخطار المحدقة بنا من كل صوب.
الاسم
jij
البلد
Lebanon
(180 Days Ago)
سيدنا انت في مقالك الصائب تتشكى من الاصولية والتعصب والبوشّية ! فمن هو الداعم الاساسي للافكار التعصبية الا ايران ؟ حيث تدعم حزب الله وحماس والاخوان وطالبان وابن لادن ... فالحزب يضعف لبنان باضعاف دوره التاريخي في حماية التفاهم المسيحي الاسلامي في الشرق ، والتعاون مع الغرب ، وبالتالي يضعف توازن وحماية المسيحية الحرة في الشرق ، ومن يغطي دور حزب الله ومن ورائه القاعدة والارهاب في لبنان ؟ غيرك يا عووون ! ، فنرجوا منك يا سيدنا مقالة ثانية او ثالثة ، والله اعلم كم ستحتاج ونحتاج ويحتاجون ، والله اكرم ، ولا تكرهوا شيئا ، ولا حول ...