الاختراق الثاني للشمولية !
قدّم العراقيون في انتخاباتهم التشريعية الاخيرة نموذجا ديموقراطيا هو الاقرب الى التجارب الانتخابية اللبنانية بعد حرب الـ15 عاما ولو مع فوارق كبيرة وجوهرية في كل من طبائع التركيبتين العراقية واللبنانية من جهة وظروف النفوذات الخارجية المتحكمة بكل منهما.
في الشكل الديموقراطي المباشر تتماثل التجربتان من حيث رؤية البلد العربي الثاني، بعد لبنان، ينهض من طوفان الدم والدمار عبر صناديق الاقتراع، وانتظام مواعيد الانتخابات وتحدي الارهاب المنظم للقاعدة باكبر نسبة اقتراع مما يرتسم معه خيار عراقي واضح وناضج بالمضي نحو "خيار الدولة"، ايا تكن كلفته المرتفعة المقبلة فوق الكلفة الخيالية المذهلة في دمويتها التي تكبدها العراقيون حتى الآن. هكذا فعل اللبنانيون من قبل، منذ عام 1992 تاريخ اول انتخابات اجريت عقب الحرب الاهلية و"حرب الآخرين" على لبنان وفيه، وهكذا استلزم ترسيخ خيار "العبور الى الدولة" 18 سنة حتى اليوم ولو انه لا يزال في طور المرور في صراعات مختلفة داخلية وخارجية حقبة اثر حقبة.
كذلك تنسحب المقارنة نفسها على انتخابات في ظل "احتلال اميركي" في العراق ووصاية مباشرة عسكرية ومخابراتية وسياسية سورية في لبنان حتى عام 2005، ولو اغضبت مقارنة احتلال اجنبي للعراق بـ"وجود" سوري شقيق و"موقت" ومشرع ومقونن في ذلك الزمن دمشق وحلفاء سوريا. لكن الواقع الناجم عن وجود جيش اميركي هناك وجيش سوري هنا، بتفاوت الزمن والظروف، سيقيد في تاريخ "النظام العربي" وتجاربه التاريخية الدموية منها والديموقراطية سواء بسواء، مهما انكره المتجاهلون او تشاطروا في تحوير وقائعه، لان هذا النوع من التجارب هو اكبر واقوى من كل المفاهيم والمعايير العربية التي تهرب غالبا من الحقائق حتى في بطون كتب التاريخ. ولا يمكن القفز في باب المقارنات هنا فوق نقطة تماثل اخرى بين التجربتين العراقية واللبنانية، لجهة المقاطعة السنية الواسعة في الانتخابات العراقية السابقة ومن ثم التخلي عنها في الدورة الانتخابية الاخيرة، تماما كما فعل المسيحيون اللبنانيون ومعهم فئات اخرى في انتخابات 1992 ليعودوا الى اقبال قياسي على الانتخابات في الدورات اللاحقة ولا سيما منها الاخيرة في حزيران 2009.
مفاد ذلك ان هاتين التجربتين تخترقان بقوة معنوية هائلة كل التكلس الذي يحكم على النظام العربي بالموت الديموقراطي، ولكن بكلفة دموية هائلة فالعراق يتكيف وسط المجازر اليومية مع خيار الشفاء الديموقراطي والمنهك بمتاعبه وتعقيداته في بيئة فيديرالية حقيقية تختلط فيها طموحات المجموعات الطائفية والعرقية مع نفوذات دولية واقليمية طاحنة اخصها النفوذ الاميركي والنفوذ الايراني والمصالح المتضاربة للمحيط العربي والخليجي والتركي. وهكذا حصل في لبنان ولا يزال يحصل، ولو من دون وتيرة دموية جماعية، منذ وضعت الحرب اوزارها لتستبدل انماط القتل الجماعي بالاغتيالات والاستهدافات الامنية الى جانب التهديدات الاقليمية الماثلة دوما مع شبح الاعتداءات الاسرائيلية وسيناريوات اجتياحاتها كما حصل في حرب 2006.
وتقدم التجربتان من هذه الزاوية معادلة ولا اغرب، وهي ان لا ديموقراطية تقوم في العالم العربي الا على شلالات الدماء والاثمان الباهظة في السيادة والاستقلال، والا فالبديل هو الاستسلام النهائي للنظام العربي الشمولي، نظام الديكتاتوريات القابعة ابدا على الانظمة والعروش منذ عقود مزمنة والى عقود مقبلة. بطبيعة الحال ليس ثمة اوهام في تغيير هذه المعادلة الشديدة القتامة والظلامية ضمن افق زمني "مرئي" على الاقل.
فحتى مصالح العالم الغربي نفسه تتعامل مع هذه البقعة بذروة الخبث والازدواجية بالاضافة الى ارتكاب الاخطاء والحماقات التاريخية.
لذا يستحق العراقيون، كما استحق اللبنانيون، انحناءة احترام كبير وتاريخي لكونهم يدفعون ثمن كونهم ضحايا الاستبداد الغابر والاحتلال الماثل والعبور المكلف الى الديموقراطية.
اسم الكاتب(ة): نبيل بومنصف
البريد الإلكتروني: nabil.boumounsef@annahar.com.lb
المصدر: النهار
القسم: السلطة الرابعة
الاربعاء 10 آذار 2010, الساعة 5:32 بتوقيت بيروت