التصويتُ في مجلس الوزراء و"الظرف السياسي".. واختبارُ الموازنة

الحريري "خبطَ على الطاولة" وبرّي أيّد وسليمان رجّح و"حزب الله" لم يعترض
التصويتُ في مجلس الوزراء و"الظرف السياسي".. واختبارُ الموازنة


الأسبوع الماضي، حصل أول تصويت داخل مجلس الوزراء، ما سمح بإقرار عدد من تعيينات الفئة الأولى. ولم يكن هذا التصويت الأول من نوعه في حكومة الرئيس سعد الحريري فقط، لكنه كان الأول منذ ما بعد "إتفاق الدوحة" وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي تشكّلت على أساسه.

بمعنى آخر، ومنذ العام 2008 وتشكيل "حكومة الوحدة الوطنية" آنذاك، فرض على سلطة القرار عدم التصويت بـ"حجّة" التوافق. فُرض أمرٌ واقع مفادُه التوافق.. وعدم التصويت. عُلّق الدستور الذي يقول بالتصويت في حال عدم التوافق. وإذا كانت الحكومة السابقة استطاعت طيلة عام ورغم قيد عدم التصويت تحقيق بعض الإنجازات، فإن الحكومة الحالية استمرت أسيرة القيد المذكور لنحو ثلاثة أشهر.
.. الى أن كان الأسبوع الفائت. فما هي العوامل التي جعلت اللجوء الى التصويت داخل مجلس الوزراء ممكناً؟

الحريري والتحدّي في وجه "حكومة الوحدة"

في تحديد تلك العوامل، يتبيّن أنها أربعة رئيسية.
لا شك أن "مبادرة" رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الى "الخبط على الطاولة" كما يُقال تمثّل العامل الأول. فبعد أن صبر طويلاً حيال تعطيل إنتاجية الحكومة، وبعد أن أعطى فرصةً مديدة لتمكين العجلة الحكومية من الانطلاق، حذّر الحريري داخل مجلس الوزراء من خلاصة سياسية "يوشك" أن يتوصّل إليها، وهي أن "حكومة الوحدة الوطنية" ترادفُ الشلل الحكومي. أي أن الحريري الذي بكّر في اعتبار حكومة الوحدة إستثناء لا قاعدة، ذهب في تحذيره الى ما هو أبعد. فحكومة الوحدة ليس فقط استثناء، لكنها الاستثناء الذي يثبت القاعدة. وتلك "الخبطة على الطاولة" التي تركت صدى إيجابياً في العديد من الأوساط، لعلّها دفعت قوى مشاركة في الحكومة الى التساؤل عن الجدوى من تعطيل إنتاجيّتها إذا كان ذلك سيقود الى الاستنتاج الذي توصّل إليه الحريري، والذي يطرح على "المعنيين" تحدّي إثبات العكس، بل هو الإستنتاج يشكّل تحدياً لـ"بنية" سياسية ثقافية "غزت" البلد وواجهت منطق الميثاق والدستور خلال السنوات الماضية.

بري "يثبّت" التصويت

غير أنه يقتضي الاعتراف بأن موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، مثّل العامل الثاني.
في تصريح له قبل "جلسة التصويت"، قال الرئيس بري إن "ثمة عراقيل منظورة وأخرى غير منظورة تعطّل عمل الحكومة من داخلها". وإذ رأى أنه "من غير المعقول إستمرار الواقع الراهن"، أكد بري أنه "مع السعي الدؤوب للوصول الى تفاهم في مجلس الوزراء ولا بد أن تخضع كل الأمور لهذه القاعدة بالدرجة الأولى". لكنه توصّل الى أنه "إذا تعذّر تحقيق التفاهم فأنا أقول بصراحة إنني أؤيّد اعتماد خيار التصويت لأنه من غير الجائز بقاء هذا الاستنزاف للوضع الحكومي وشؤون الناس".

وبعد "جلسة التصويت"، دافع بري في حديث صحافي عن سير وزرائه بالتصويت بالقول "ما فعلته كان ضرورياً للحفاظ على مبدأ حكومة الوحدة الوطنية وإثبات قدرتها على الإنتاج لأننا لا نريد أن تصبح حكومات الوحدة مرادفة للشلل".
إذاً "ثبّت" بري اللجوء الى التصويت في حال تعذّر "التفاهم" أو "التوافق".

سليمان يدعم الحريري

الى العاملَين الآنفَين، يضاف عامل ثالث يتعلّق برئيس الجمهورية ميشال سليمان.
وفي هذا المجال، يعرب متابعون عن اعتقادهم أن الرئيس، الذي يعتبر أن الموضوع الخلافيّ الأساسي سواء سُمّي "الاستراتيجية الدفاعية" أو "سلاح حزب الله"، أو سُمّي "قرار السلم والحرب" إلخ.. محالٌ الى "هيئة الحوار الوطني"، إنما يرى أي الرئيس أن هذا الموضوع لن يكون مطروحاً على التصويت في مجلس الوزراء. وهذا ما يعني بالنسبة إليه، في نظر المتابعين أن المسألة الرئيسية بالنسبة الى الحكومة، هي "إدارة الشأن العام".. وقضايا الناس.

وبهذا المعنى، يبدو للمتابعين أن رئيس الجمهورية إتّخذ قراراً بـ"توزيع" الصوت المرجّح الذي يملكه في مجلس الوزراء، أي كتلته الوزارية، بحيث تدعم هذه الكتلة "خطّ التصويت" من ناحية وتدعم الرئيس الحريري في شؤون الدولة ومشاريعها من ناحية ثانية.

"حزب الله" لا يعترض



أما العامل الرابع الذي لا مفرّ من ملاحظته، فهو عدم إعتراض "حزب الله" على اعتماد التصويت، وهو أوعز الى وزيريه بالتصويت إمتناعاً في "جلسة التصويت" تلك. ويميلُ التحليل الى إعتبار أن "حزب الله" الذي يضع يده فعلياً وعملياً على أهم القرارات السيادية للدولة، يمكنه ألاّ يعترض على التصويت حول قضايا تدخل في باب إدارة أمور الناس أو إدارة الدولة، لا سيما أن له أولويات في التعيينات.. بمعنى أن بعضها يهمّه أكثر من بعضها الآخر.

الظروف والتسويات

إن القراءة المتمعّنة في العوامل التي جعلت التصويت ممكناً في مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، تقود الى استنتاج أنها عوامل سياسية بامتياز. أي أن التصويت كان ممكناً على تقاطع مواقف وظروف سياسية.

والمقصود قوله هو إن العوامل السالفة الذكر ليست ثوابت نهائية وراسخة. ليس ثابتاً راسخاً مثلاً أن الرئيس نبيه بري سيُشهر الموقف نفسه في "مناسبة" أخرى. وليس ثابتاً نهائياً أن "حزب الله" لن يعترض بعد اليوم على التصويت. وليس ثابتاً أن كتلة رئيس الجمهورية ستدعم الحسم بالتصويت "على طول الخط".
أي إن ما يقتضي لفت النظر إليه هو أن ليس بناءً على التصويت الماضي ثمة "إستفاقة دستورية" أو "صحوة دستورية".

صحيحٌ ما قالته "المصادر الوزارية" بعد "جلسة التصويت" من أن طرح الرئيس الحريري لدفعة التعيينات على التصويت "إنما أتى تكريساً للمبدأ الدستوري بعدما تعذّر التوافق". وصحيحٌ ما قالته أيضاً لجهة أن "التصويت هو أفضل طريقة لإظهار الطرف المسبّب للعرقلة والفشل إستناداً الى النصّ الدستوري الواضح". غير أن الصحيح أيضاً، هو أن لا إمكانية "الآن" للحديث عن "تكريس المبدأ الدستوري". فالصحيح فعلاً، هو أن إعمال النصّ الدستوري إرتبط، وسيرتبط الى أن يخلق الله أمراً كان مفعولاً بـ"تسويات" أو "صفقات" سياسية معيّنة "تمرّ" بالتصويت، تماماً كما سيتعرّض إعتماد التصويت للتعويق لإعتبارات سياسية داخلية.. وإقليمية.

إمتحان الموازنة

وكما أنه لا إمكان "الآن" للحديث عن "تكريس المبدأ الدستوري" فلا إمكان كذلك لقراءة توزّع التصويت بين وزراء 8 آذار، بين تأييد وزراء "أمل" وامتناع وزيرَي "حزب الله" واعتراض وزراء "التغيير والإصلاح"، على أنه "خلط أوراق" داخل صفوف هذا الفريق.. حتى في قضايا الناس والشأن العام. هذا مع العلم أن "التصويت السابق" قُرئ من جانب بعض المراقبين على أنه ذو دلالة مهمة على خطّ العلاقات بين سليمان والحريري، وسليمان و"حزب الله" وبرّي والحريري.

على أي حال، إن غداً لناظره قريب.. والموازنة على الأبواب وهي المحكّ الأهم. هل سيتمّ اللجوء الى التصويت؟ وهل تحصل تسويات معيّنة تتيح التصويت لبتّ الموازنة؟



اسم الكاتب(ة): نصير الاسعد
المصدر: المستقبل
القسم: السلطة الرابعة
الخميس 11 آذار 2010, الساعة 5:48 بتوقيت بيروت
٠ عدد التعليقات
الاسم
 
البلد
البريد الالكتروني
   
Verification code
التعليق