بداية ألقى الأستاذ كميل منسى كلمة قال فيها: "ذكرى مزدوجة تجمعنا الليلة: مرور مئتين وسبع وسبعين سنة على إنشاء أبرشية بيروت للروم الملكيين الكاثوليك، وخمسين سنة على رسامة كاهن بات الآن حبرا يرعاها هو سيادة المطران كيرللس بسترس.
أما الأبرشية، فتعود الى العام 1736 تاريخ الاعتراف بها رسميا، بعد سنتين من انقسام البطريركية الانطاكية كنيستين: أرثوذكسية وكاثوليكية، وهي مذ ذاك تنشط وتبذل نفسها في سبيل أبنائها على رغم الصعوبات التي واجهتها عبر تاريخها. ذلك انها إنتظرت أكثر من قرن أن يسمح لها الباب العالي عام 1849 ببناء أول معبد لها، وهو كاتدرائية مار الياس في ساحة النجمة التي باتت اليوم واحدة من كاتدرائيات ثلاث ذات قيمة تاريخية وأثرية في بيروت.
ولكن جاءت الحرب اللبنانية فشردت الأبرشية أكثر من مرة من دارها على طريق الشام، الى أن عادت اليها لتمضي في الاضطلاع بالدور التقليدي للطائفة في الدعوة الى الحوار واللقاء والعيش المشترك.
ومن أجدر من الأرشمندريت أنطوان نصر، أبي الهمم، الدائم النشاط والحركة، كاهن كنيسة المخلص وعضو هيئة المستشارين والمجلسين الكهنوتي والأبرشي، ليتحدث بإسم كهنة الأبرشية عن الذكريين".
تلاه الأرشمندريت أنطوان نصر الذي ألقى كلمة جاء: " باسم الاحبار الكرام وأخوتي الكهنة والرهبان نرفع إليك التهاني في هذا اليوبيل الذهبي، وكلنا ثقة بأنك الراعي والمعلم، وأننا معك نصنع التغيير ونجدد العزم، في خدمة كنيستنا وأبنائها، ونكتب معك تاريخا جديدا رؤية وحضارة وقداسة لأبرشيتنا. لأننا واثقون ومؤمنون اننا بدعواتك وبشفاعة امنا مريم العذراء المخلص يخلصنا ويقودنا الى كل عمل صالح.
فهنيئا لك اليوبيل ومبروك الوسام اللبناني، وهنيئا لنا جميعا العيد، ونحن واياك إلى حقل الرب نسير ونبني مملكة السعادة الرومية الملكية في أبرشية بيروت وجبيل العامرة".
ثم تحدث باسم الرابطة البولسية القاضي منيف بركات الذي قال: "خمسون سنة على خطى رب البشارة، والدعوة التي لبيتها يا صاحب السيادة بثبات وسخاء، فكنت الخادم الأمين، حيثما أرادتك المشيئة الربانية، أينما دعاك الواجب، باذلا في هذه التلبية والإستجابة ما وهبك الرب من قدرات وصبر وقوة، وجاهدا لا تتوانى في الخدمات والنشاطات الروحية، من وعظ وإرشاد وغوص في الحقائق الإيمانية وتصنيف المؤلفات اللاهوتية الجليلة".
ختاما كانت كلمة للمطران بسترس اعتبر فيها أن هدف وجود الكنائس في العالم بنوع عام هو نشر رسالة المحبة والسلام، وهذه هي أيضا رسالتنا في هذا الشرق المعذَّب الذي لا يزال يبحث عن مصيره. منذ توليتي متروبوليتا على أبرشية بيروت وجبيل وتوابعهما اتخذت لي شعارا قول الإنجيل المقدَّس: "إن السيد المسيح قد بذل حياته ليجمع في الوحدة أبناء الله المشتتين". وهذا العشاء الذي يضم ممثلين عن مختلف رعايا الأبرشية أضعه أيضا تحت هذا الشعار عينه: ليجمع في الوحدة أبناء الله المتفرقين. في السنوات الأخيرة كثر الكلام على الوحدة الوطنية. ولكن ما نراه في الواقع هو التفرقة الوطنية. فالجو الذي يحيط بنا في مختلف البلدان العربية هو، مع الأسف الشديد، من الخارج جو حرب وعنف وقتل، ومن الداخل جو بغض وكراهية وتفرقة. وبالرغم من هذا الجو لا بد لنا نحن تلاميذ السيد المسيح، رسول المحبة والسلام، أن نؤكد أن الله لم يخلق البشر ليتقاتلوا بل ليتحابوا ويتعاونوا ويبنوا في العالم حضارة المحبة".
واردف: "اجتماعنا هذا المساء هو اجتماع فرح حول يسوع المسيح راعي نفوسنا. فنحتفل معا كمواطنين أعضاء في وطن واحد، وكروم كاثوليك أبناء كنيسة لها دورها المميَّز في هذا الوطن، تريد أن تؤديه ولن تسمح لأحد بأن ينزعه منها. وقد أراد إخوتي الكهنة أن يكون احتفالنا هذا المساء بعيد الأبرشية في الوقت عينه احتفالا بيوبيلي الكهنوتي الخمسيني وبذكرى خمس وعشرين سنة على خدمتي كمطران: 16 سنة في بعلبك، و7 سنوات في أميركا، والآن سنتان في بيروت. وذلك ليس لأفتخر بما فعلته، فإني أضع دوما نصب عيني قول السيد المسيح: "مهما فعلتم، فقولوا إنا عبيد بطالون، لم نفعل إلا ما كان يتوجب علينا فعله"، بل لأشهد على محبة الله التي رافقتني طوال حياتي وقادت خطواتي قبل سيامتي الكهنوتية وبعدها. فعندما رسمت كاهنا في الجمعية البولسية في 29 حزيران سنة 1962 على يد المثلث الرحمة المطران فيلبس نبعة، لم أكن أتوقع أني سوف أخلفه يوما كمتروبوليت على أبرشية بيروت وجبيل وتوابعهما. كل ما قلته يومئذ هو صلاة الأب شارل دي فوكو: "أبت، إني أسلمك ذاتي فافعل بي ما تشاء، ومهما فعلت بي فأنا شاكر لك". وأشهد اليوم أن الله لم يفعل بي إلا الخير. وإليه يعود كل الفضل في كل ما قمت به من أعمال، إذ إنه هو الذي، كما يقول بولس الرسول، "يفعل فينا الإرادة والعمل".
وختم بسترس قائلا: "شكرا لله على مرافقته إياي في كل سنوات حياتي. وشكرا للكهنة الذين ربوني في الجمعية البولسية، وللكهنة وللعلمانيين الذين تعاونت معهم في بعلبك وأميركا والآن في بيروت. وشكرا للذين هيأوا هذا الاحتفال، وبنوع خاص للمجلس الأبرشي. وشكرا لكم جميعا على تلبيتكم دعوتنا لمشاركتنا فرحنا على كل ما أغدق الله به علينا من نعم"..
