#adsense

كتاب “البصمات الدولية لحزب الله” يكشف شبكات تهريب وتبييض في أوروبا وأميركا (3 من 3)

حجم الخط

“حزب الله” يتّخذ من قبرص قاعدة انطلاق لعملياته الأوروبية                      

ترجمة: صلاح تقي الدين

في الحلقة الثالثة الأخيرة من كتاب “البصمات الدولية لحزب الله” وقائع جديدة من التحقيقات الأميركية التي تكشف “انواعاً أخرى من النشاطات الإجرامية لـ “حزب الله” على علاقة بأوروبا. ومع تحقيقه نجاحات كبيرة لغاية اليوم في عمليات جمع التبرعات، أصبح “حزب الله” بحاجة لوسائل فعالة أكثر لنقل ما يجنيه من مؤسساته الاجرامية إلى لبنان. وغالباً، كان الناشطون يرسلون أموالاً إلى لبنان مع أصدقائهم، أقاربهم أو آخرين من الجالية اللبنانية الذين كانوا سيسافرون إلى لبنان. وبعض هؤلاء كانوا ناقلين بالصدفة، يشعرون بالرضا لمساعدة صديق بنقل أمواله إلى وطنه، وعلى الأرجح من دون أن يدركوا أن الأموال ستعود إلى “حزب الله”. وآخرون، كانوا ينقلون ويعرفون طبيعة ما يقدمون عليه، وكانوا ينقلون الأموال إلى “حزب الله” في لبنان بكل طيبة خاطر وإرادة منهم، إما انطلاقاً من قواعد أيديولوجية، أو لقاء مقابل. غير أن “حزب الله” لا “يضع جميع بيضه في سلة واحدة” بل كان يلجأ إلى منظّمي “الحوالات” (أنظمة نقل الأموال المبنية على الثقة) أو من خلال شركات نقل الأموال مثل “الوسترن يونيون” أو الجمعيات الخيرية وغيرها من الوسائل التقليدية القديمة للتهريب ونقل الأموال إلى لبنان. وفي بعض الحالات، كانت الوسائل التي يلجأ إليها ناشطو “حزب الله” لنقل أموالهم بطريقة فعالة بكل بساطة، وهي تبييضها.

ومهما كان حجم الأموال التي جمعها في الولايات المتحدة، كان محمود يوسف كوراني الذي دخل إلى أميركا خلسة من المكسيك في العام 2001 (40)، متأكداً أنه قادر على إيصالها إلى “حزب الله”. في إحدى المرات، قال كوراني لمخبر من مكتب التحقيقات الفدرالي إنه أرسل منذ فترة قريبة ما مجموعه 40 ألف دولار إلى “حزب الله” عن طريق حوالات مالية ونقداً، وأنه قادر على إرسال أي مبلغ يريده إلى لبنان لأن لديه صديقاً في مطار بيروت يساعده على تهريب الأموال إلى لبنان. (41) وتعرّف تسعة مخبرين مختلفين يعملون لصالح مكتب التحقيقات الفدرالي على كوراني وأنه يعمل لصالح “حزب الله” ووصفوه بأنه جامع تبرعات لصالح الحزب الذي هو عضو فيه ومقاتل. (42)

كما كان أنصار “حزب الله” في الولايات المتحدة قادرين على التواصل مع أحد موظفي المطارات القريبين من منازلهم. ومنذ العام 1999، وبعد ثلاث سنوات على هجرته إلى الولايات المتحدة من لبنان، وإلى حين اعتقاله في العام 2007، عمل رياض سكاف كمنسق خدمات أرضية في شركة “أير فرانس” في مطار أوهاري الدولي في شيكاغو. ولأنه يحمل بطاقة أمنية رفيعة تخوّله التنقل في مختلف أرجاء المطار، تمتع سكاف بإمكانية الدخول إلى جميع المناطق الأمنية المحظورة في المطار. وماقبل تعريفة معينة، كان سكاف يهرّب كميات من الأموال النقدية على متن الطائرات متجاوزاً التفتيش الأمني. وفي إحدى المرات، قال سكاف لعميل متخف قدّم نفسه على أنه يرغب في تهريب 25 ألف دولار نقداً إلى لبنان “أنا مسؤول عن كل شيء في الطائرة .. الأمر خطير إذا ضبطوني، سوف يقودوني إلى السجن …” لكن سكاف هرّب كمية من الأموال النقدية على متن طائرة اير فرانس متجهة إلى باريس، مشيراً إلى العميل المتخفي أن ملايين الدولارات تمرّ عبر باريس يومياً إلى لبنان. ولاحقاً، هرّب سكاف مبلغ 100 ألف دولار وآلة تشويش على الأجهزة الخلوية على طائرة أخرى متجهة إلى باريس لصالح العميل المتخفي. وبعد شهر، عاد وهرّب رزمة تحتوي على أربعة مناظير رؤية ليلية لبنادق، ومنظارين ليليين على متن طائرة متجهة إلى العاصمة الفرنسية. (43)

وفي مضبطة الحكم الذي صدر بحق سكاف لاحقاً بعد اعترافه بجميع التهم الموجهة إليه، وضع المحققون تصرفات سكاف الجرمية في إطار دعم نشاطات “حزب الله”. وجاء في المضبطة إن تصرفات سكاف “كانت في الأصل عبارة عن مرتزق يسهّل تهريب كميات كبيرة من الأموال ومواد دفاعية خطيرة مقابل رسم مالي”. ولاحظ المدعي العام أن سكاف كان على علم كامل بأن هذه المواد متوجهة إلى لبنان “الدولة التي مزّقتها الحرب والمطوقة بتنظيم مقاوم هو حزب الله”. (44) ولم يوجه الادعاء العام إلى سكاف أي اتهام على أنه من أنصار “حزب الله”، بل فقط تهمة “مجرم سعيد بتسهيل حاجات أنصار حزب الله لقاء رسم مالي”. (45)

حسام يعقوب في قبرص

وكشفت هذه التحقيقات عن شبكة إجرامية دولية، تضم شبكات كبيرة، قديمة وراسخة في أوروبا. وأحدث الأمثلة على قدرة “حزب الله” على العمل بحرية في أوروبا يأتي من خلال قضية حسام يعقوب الذي فتحت محاكمته وإدانته في قبرص، نافذة على الأنماط الأخرى من النشاطات التي تورّط فيها “حزب الله” في أوروبا. وبمقابل مؤامرات “حزب الله” الأخيرة في بلغاريا في كانون الثاني وتموز 2012، والتي حفّزت قيام تحقيقات استخبارية مكثفة لم يتم مشاركتها بصورة علنية، فإن كنزاً من المعلومات تكشّف من خلال محاكمة حسام يعقوب في قبرص، وهو اللبناني السويدي الجنسية والذي اعترف طوعاً بأنه عنصر في “حزب الله” وقد تم اعتقاله في قبرص قبل أيام قليلة من تفجيرات مطار بورغاس في بلغاريا.

لقد اعتقل يعقوب قبل يومين من الهجوم الدموي في بلغاريا حيث قتل خمسة إسرائيليين وسائق باص بلغاري عندما تم تفجير الباص وهو يغادر مطار بورغاس بعد عملية مراقبة دقيقة تمت على مطار قبرص. لم يكن يعقوب يساهم في التخطيط لعمليات مشابهة في قبرص، بل في الواقع كان اعد في الماضي على تنفيذ “مهمات” أخرى في أوروبا. ولأنه يحمل جنسيتين، فقد كان يستخدم جواز سفره السويدي القانوني ليقوم بتنفيذ مهمات نقل كثير لصالح “حزب الله” في أوروبا. في أول مهمة، في العام 2008، قام يتسليم مغلّف كبير ورفيع إلى شخص في مدينة أنطاليا في تركيا، ثم في العام 2009، سافر إلى مدينة ليون في فرنسا حيث استلم حقيبة من شخص استخدم لغة إشارات وكلمات سر ثم سلّمه الى شخص آخر من خلال الطريقة نفسها. وفي المهمة الثانية، توجه إلى أمستردام حيث تسلّم جهاز هاتف خلوي وبطاقتين خلويتين وغرضاً ملفوفاً بأوراق صحيفة لم يعرف ما هو وعاد بها إلى لبنان.

وأرسل يعقوب في مهمة إلى قبرص في العام 2009 على وجه السرعة، استناداً لأقواله، بناء على تعليمات أبلغه إياها مشغّله من “حزب الله” الذي طلب إليه “تلفيق قصة يرويها عن سبب سفره إلى الأشخاص الذين يعرفهم لكي يحتفظ بإمكانية إعطاء تبريرات لزياراته من دون إثارة الشكوك والهواجس”. وسافر إلى قبرص عبر دبي لتعزيز غطائه وأمضى اسبوعاً وهو يسوح في مدينة “أيا نابا” على حساب “حزب الله”. وعندما عاد إلى قبرص بعد سنتين لاحقاً، تمكن من القول إن فكرة استيراد بضائع قبرصية راودته اثناء زيارته السياحية إلى هنا في العام 2009. (46)

ثم في كانون الأول 2011، ومرة أخرى في كانون الثاني 2012، أرسل أيمن يعقوب مجدداً إلى قبرص “لتلفيق غطاء” وتقديم نفسه على أنه تاجر مهتم باستيراد أنواع من العصير من شركة محلية قبرصية إلى لبنان. وكان قد كلّف بجمع معلومات عن استئجار مستودع في قبرص. وقال “قمت بكل هذه الأشياء بعد أن تلقيت تعليمات واضحة من حزب الله/ لكي تصبح قبرص قاعدة لنا ولكي نتمكن من خدمة الحزب”. وأصر يعقوب أنه لا يعرف لماذا اراد “حزب الله” إنشاء هذه القاعدة للعمليات لكنه تكهّن “ربما أرادوا ارتكاب عمل جرمي أو تخزين أسلحة ومتفجرات”. (47)

واعترف يعقوب للشرطة بأنه في كانون الأول 2011 تضمنت زيارته الى قبرص في الواقع عدة مهمات منفصلة. أولاً، طلب مشغّل يعقوب من “حزب الله” تحديد نطاق باحة موقف للسيارات خلف المستشفى القديم في ليماسول وبالقرب من دائرتي الشرطة والسير. وأراد من يعقوب التقاط صور وأن يتمكن من وضع رسم تخطيطي للمنطقة لدى عودته. وكان على يعقوب أن يبحث تحديداً عن مواقع كاميرات المراقبة، وإذا كان يتوجب دفع رسم دخول، وإذا كانت مفاتيح السيارات تترك مع عامل الموقف، وإذا كان هناك حارس أمني إلى ملاحظات أخرى يمكنه مراقبتها. كما طلب من يعقوب تحديد مقاهي الانترنت في ليماسول ونيقوسيا، وهو دوّن مواقعها على الخريطة، وشراء ثلاث بطاقات هاتف خلوي من بائعين مختلفين وفي أيام مختلفة، وهو ما قام به. كما تمكن من تحديد أماكن جيدة للقاءات، مثل حديقة الحيوانات في ليماسول، وخارج قلعة في لارنكا. وفي حال توجب عقد لقاء، كان يعقوب يتسلّم رسالة نصية عبر الهاتف الخلوي. وكان النص المتعلق بالطقس يعني أن على يعقوب العودة في اليوم التالي عند الساعة الثانية بعد الظهر، ثم مرة أخرى في اليوم التالي عند الساعة العاشرة والنصف قبل الظهر. كما أراد أيمن من يعقوب “تحديد مطاعم إسرائيلية في ليماسول حيث يتناول اليهود الكوشر” غير أن بحثاً على الانترنت أظهر أنه لا توجد مثل هذه المطاعم في المدينة. ولاحقاً في كانون الثاني 2012، أعطيت إلى يعقوب تعليمات لتفقّد فندق “غولدن أركس” في ليماسول وجمع المنشورات عنه واستطلاع المنطقة (قام فعلاً باستطلاع المنطقة غير أن الفندق كان يخضع لعملية ترميم). (48)

وقال يعقوب للشرطة “حزب الله يعرف قبرص جيداً” مضيفاً أنه اعتقد أن مهماته كانت بهدف تحديث معلومات الحزب “وإنشاء قاعدة بيانات”. لقد أصر على أنه ليس منخرطاً في أي مؤامرة “لضرب أي هدف في قبرص بواسطة الأسلحة أو المتفجرات” مضيفاً أنه كان يملك حق رفض المهمة لو طلب منه القيام بمثل هذه المهمة. (49) وعبّر يعقوب عن دعمه “للصراع المسلّح لتحرير لبنان من إسرائيل” لكنه “يعارض الهجمات

الارهابية ضد الناس الأبرياء”. (50)

ثم أضاف “لا أعتقد أن المهمات التي نفّذتها في قبرص كانت متصلة بالتحضير لهجوم إرهابي في قبرص. كانت فقط بهدف جمع المعلومات عن اليهود، وهذا ما تقوم به منظمتي في جميع أنحاء العالم”. (51)

وفي 21 آذار، أدانت محكمة قبرصية يعقوب بتهمة المساعدة على التخطيط لهجمات ضد سياح إسرائيليين على الجزيرة في تموز الماضي. وفي خلاصة الحكم المؤلف من 80 صفحة، رفض القضاة دفاع يعقوب بأنه جمع معلومات لصالح “حزب الله” لكنه لم يكن يعلم ما هي الغاية التي ستستخدم من أجلها. وقالت المحكمة إنه لا يمكن أن يكون هناك “تفسير بريء” لتصرفات يعقوب، مضيفة أنه “كان عليه أن يعرف منطقياً” بأن عمليات المراقبة التي كان يقوم بها كانت عملاً جرمياً. (52)

خلاصة

مرة أخرى، يبدو “حزب الله” ناشطاً للغاية في أوروبا، غير أن نشاطاته لم تعد تقتصر على جمع التبرعات أو الأعمال اللوجيستية كما كان يفعل لسنوات طويلة. وقال مسؤول حكومي أميركي في آب الماضي، بعد أسابيع قليلة على مؤامرات قبرص وبلغاريا “نعتقد أن حزب الله قادر على تنفيذ هجوم في أوروبا أو أي مكان آخر في العالم في أي وقت يشاء ومن دون أي انذار”. (53) وفي التقرير الحديث عن الإرهاب الذي تصدره وزارة الخارجية الأميركية، اعتبرت أن العام 2012 أظهر “عودة جديدة للرعاية الإيرانية الرسمية للارهاب، من خلال فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، ومن خلال وزارة الاستخبارات والأمن، وحليف طهران حزب الله”. (54) وأوروبا ليست استثناء، وفيما يستمر النقاش حول ما إذا كان يجب تصنيف “حزب الله كمجوعة إرهابية، يجب الانتباه إلى أنه وفقاً للموقف المشترك للاتحاد الأوروبي رقم 931، فإن “التصنيف يخوّل تجميد جميع الأموال وغيرها من الأصول المالية والموارد الاقتصادية التي تخص الأشخاص والمجموعات المعنية” وهي “عرضة لتدابير مشددة متعلقة بالتعاون البوليسي والقضائي في المسائل الجنائية”. (55) ونظراً لشبكة “حزب الله” الإجرامية المكثّفة، فمن الواضح أن مثل هذا التصنيف سيكون دواءً سياسياً قوياً، وإلى أن يتخذ الاتحاد الأوروبي مثل هذه الخطوة، فإن نشاطات “حزب الله” الارهابية والإجرامية ستبقى على مستويات عالية”.

هوامش

(40) اللجنة الوطنية حول الهجمات الارهابية على الولايات المتحدة الأميركية، تقرير لجنة 11/9 الصادر في 22 تموز 2004 الصفحة 240. الولايات المتحدة ضد محمود يوسف كوراني محكمة مقاطعة ميشيغان الشرفية 19 تشرين الثاني 2003

(41) الولايات المتحدة ضد قضية مختومة، شهادة عميل الأف بي آي تيموثي ت. واترز محكمة المقاطعة الشرقية مقاطعة شرق ميشيغان القسم الجنوبي 15 نيسان 2004

(42)الولايات المتحدة ضد محمود يوسف كوراني، وثيقة الحكومة المكتوبة لدعم تمديد الاحتجاز قبل المحاكمة الجريمة 81030-03 محكمة مقاطعة شرق ميشيغان القسم الجنوبي 20 كانون الثاني 2004

(43) الولايات المتحدة ضد رياض سكاف، مذكرة حكم الحكومة رقم 0041CR07 محكمة الولايات المتحدة مقاطعة إيلينوي القسم الشرقي 27 أيار 2008

(44) الولايات المتحدة ضد رياض سكاف مذكرة حكم الحكومة الولايات المتحدة ضد رياض سكاف شهادة العميل الخاص ماثيو دبلن 29 كانون الثاني 2007

(45) الولايات المتحدة ضد رياض سكاف شهادة العقيد كيفن ماكدونال 24 نيسان 2008

(46) اعترافات حسام طالب يعقوب الرقم الجنائي 12/860 الملف صفحة 110 من قبل الشرطي المستجوب الرقيب مايكل كوستاس في 14 تموز 2012

(47) المصدر نفسه

(48) اعترافات حسام طالب يعقوب الرقم الجنائي 12/860 الملف صفحة 110 من قبل الشرطي المستجوب الرقيب مايكل كوستاس في 16 تموز 2012

(49) المصدر نفسه

(50) اعترافات حسام طالب يعقوب الرقم الجنائي 12/860 الملف صفحة 110 من قبل الشرطي المستجوب الرقيب مايكل كوستاس في 22 تموز 2012

(51) المصدر نفسه

(52) مينيلاوس حاجيكوستيس “محكمة قبرصية تدين عضواً في حزب الله” أسوشيتد برس 21 آذار 2013

(53) نيكولاس كوليش “على الرغم الانذار الأميركي، أوروبا تسمح لحزب الله بالعمل بحرية” نيويورك تايمس 15 آب 2012

(54) وزارةالخارجية الأميركية “تقارير الدول عن الارهاب 2012” مكتب مكافحة الارهاب أيار 2013

(55) الاتحاد الأوروبي، “النشرة: لائحة الأشخاص والمجموعات الخاضعة لتدابير خاصة لمحاربة الارهاب” 6 شباط 2008

كتاب “البصمات الدولية لحزب الله” يكشف شبكات تهريب وتبييض في أوروبا وأميركا (1)

كتاب “البصمات الدولية لحزب الله”: “الأنصار” يسرقون المصارف في أميركا ويحوّلون الأموال الى إيران (2 من 3)

المصدر:
المستقبل

2 responses to “كتاب “البصمات الدولية لحزب الله” يكشف شبكات تهريب وتبييض في أوروبا وأميركا (3 من 3)”

خبر عاجل