غير أن ما بين هذين التاريخين، وعلى الرغم من أن مبادرة الرئيس بري لم تلق الصدى الإيجابي المقبول، على ما قال هو نفسه، فإن انشغال اللبنانيين بمتابعة ما يتم رسمه بالنسبة لسوريا نتيجة الخطأ القاتل الذي ارتكبه رئيس نظامها بشار الأسد باستخدام السلاح الكيميائي، جمّد ليس مبادرة بري فحسب، بل حتى مشاورات الرئيس المكلّف تمام سلام واتصالات رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وانضمت جميع المبادرات والنيات الحسنة، إلى ما سبقها من محاولات حثيثة لاستيلاد الحكومة العتيدة، ورقدت في الأدراج.
لكن ربّ ضارة نافعة. فبعد الإعلان عن تأجيل الضربة الأميركية المزمعة ضد النظام السوري، عاد الزخم إلى الحياة السياسية، فتحيّن بري المناسبة وأعلن أمس إعادة تفعيل المبادرة وتشكيل وفد نيابي ليقنع المعنيين بالشأن الحكومي بها.
وتنص المبادرة على أن يدعو الرئيس سليمان إلى طاولة حوار يتم خلالها مناقشة شكل وبيان الحكومة الجديدة، منح الجيش، بالاضافة لحقه بتطويع خمسة آلاف جندي التفويض الوطني الكامل لرفع السلاح المصوب الى رأس طرابلس وانقاذ البقاع وكامل منطقة الحدود الشمالية مع سورية من فوضى السلاح والمسلحين وشبكات التفجير وعصابات الاتجار بالموت وبكل شيء، وسائل اخراج التداخلات اللبنانية في المسألة السورية، خارطة طريق للخروج من الازمة الاقتصادية الاجتماعية، إعادة تفعيل الحوار حول قانون الانتخابات، و”دائما” الاستراتيجية الوطنية للدفاع.
ويقول عضو كتلة “المستقبل” النائب أحمد فتفت إن مبادرة الرئيس بري تنطوي في المضمون “على محاولة لإعادة تشكيل النظام السياسي في لبنان، لذلك فهي مرفوضة”.
ويضيف “إن الدستور أناط برئيس الجمهورية والرئيس المكلّف تشكيل الحكومة وإصدار مراسيم تشكيلها، والرئيس بري يريد هنا أن يعهد إلى طاولة الحوار مهمة وضع شكل الحكومة والاتفاق على صيغة بيانها الوزاري، وهذا تعدٍ فاضح على صلاحيات الرئيسين معاً. أما بالنسبة لموضوع تطويع جنود لصالح الجيش اللبناني، فهذه مسألة منوطة بمجلس الوزارء مجتمعاً الذي له وحده الحق في إصدار مرسوم الدعوة للتطويع لصالح القوى العسكرية، وهذا تعدٍ جديد على الصلاحيات”.
ويعتبر فتفت أن النقطة الإيجابية الوحيدة التي تسجّل لمبادرة الرئيس بري، هي “حديثه المبطّن عن الانسحاب من سوريا” في إشارة إلى تورّط “حزب الله” في القتال إلى جانب النظام السوري ضد شعبه، أما من حيث قانون الانتخابات، فالموضوع هو بعهدة “مجلس النواب من دون سواه والذي له أن يصدر قانون الانتخابات الجديد، فلماذا مناقشة هذه المسألة على طاولة الحوار”.
وعن الحوار بحد ذاته، لا يبدي فتفت أي اعتراض على المشاركة في الحوار إذ “هذه هي سياسة تيار المستقبل الواضحة والعلنية، لكن ماذا عن قرارات الحوار السابقة؟ هل سنعود لنتفق ومن ثم نلحس إمضاءنا على الاتفاقات كما فعل حزب الله بالنسبة لإعلان بعبدا؟”.
هذه الأسئلة ليست برسم الرئيس بري من دون سواه. فإعلان بعبدا الذي أصبح اليوم مدار أخذ ورد إعلامي، آخره البيان الرئاسي الصادر عن رئاسة الجمهورية أمس يوضح فيه حقيقة ما جرى في الجلسة الأخيرة للحوار الوطني التي أفضت إلى صدور الإعلان الذي ينأى بلبنان عن الأحداث الإقليمية والدولية وخاصة في ما يتعلق بالأزمة السورية، هذا الإعلان أصبح ميتاً بالنسبة لـ”حزب الله” وغالب الظن بالنسبة لباقي مكونات فريق “8 آذار” المشاركة في طاولة الحوار، وعليه أصبح من الصعوبة بمكان إقناع المتحاورين بالاجتماع خوفاً من الانقضاض على أي اتفاق يتم التوصل إليه.
وعلى المقلب الوسطي، يرحّب مصدر “اشتراكي” بمبادرة الرئيس بري، ويعتبر أنها تشكّل الخطوة الأولى على طريق “الألف ميل التي يجب أن نجتازها لكي نعبر ببلدنا إلى بر الأمان”.
غير أن المصدر يعتقد أن المبادرات التي بدأت “تتساقط كحبات البرد في الطقس الملبد بالغيوم، محكومة جميعها اليوم بالجمود لأنه سواء قبلنا أم لم نقبل، الموضوع كلّه رهن بتطورات الوضع في سوريا، وهذا مؤسف لأننا كلبنانيين قادرين على أن نجتمع ونقرر مصيرنا بيدنا، لكن هناك من لا يقرأ التاريخ جيداً ويصرّ على تفويت الفرصة تلو الأخرى، وبالتالي وضع البلد على كف عفريت”.
وبغض النظر عما تم الاتفاق عليه في جلسات الحوار السابقة، ولأن التاريخ يشهد على أن الرئيس بري شخصياً كان أول من دعا إلى جلسات الحوار في العام 2006، فإن غياب الثقة الواضح بين مكونات طاولة الحوار الوطني، يجعل من الرهان على مبادرة من هنا أو مبادرة من هناك، مثل “الضرب في الرمل” إذ لا أحد يدري ما ستكون عليه المواقف في اليوم التالي لجلسة الحوار إذا خرجت باتفاق حول نقطة أو بند معين. وإعلان بعبدا، الذي لفت البيان الرئاسي إلى أنه “إضافة إلى اعتماده أممياً وعربياً، فإنه يشكّل وثيقة رسمية مهمة وإطاراً سياسياً جامعاً ومنطلقاً للنقاش في الإستراتيجية الدفاعية”.
ويؤكد البيان أن إعلان بعبدا “لم يتضمن أي نص متعلق بالمقاومة وسلاحها، ولم يتطرق إلى كيفية الاستفادة من المقاومة وسلاحها، بل أتى في التصور الذي اقترحه الرئيس سليمان للاستراتيجية الدفاعية الذي اعتبرته هيئة الحوار منطلقاً للحوار في موضوع الإستراتيجية”.
وفي رأي النائب فتفت، أن بند الاستراتيجية الدفاعية “هو البند الوحيد المتبقي من بنود جلسات طاولة الحوار، وعليه فإن الخلاف الذي انفضّت عليه اجتماعات لجنة الحوار لا يزال هو نفسه، والعودة إلى الطاولة يفترض تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً، وفي مقدمه إعلان بعبدا، قبل أن يتم مناقشة الموضوع الأهم وهو الاستراتيجية الدفاعية”.
وانطلاقاً من هذه المواقف، يبدو أن مبادرة الرئيس بري لن تعدو كونها محاولة إضافية إلى المحاولات الأخرى السابقة وربما اللاحقة، لكي يجتمع شمل المتحاورين إلى طاولة الحوار، لكن بالأساس، لا يمكن أن تشكّل طاولة الحوار بديلاً عن مؤسسات الدولة الرسمية التنفيذية منها والتشريعية، ولا يمكن أن تتطاول على صلاحيات نص عليها الدستور اللبناني وأولها فصل السلطات.