في كل مرة يحتدم فيها الصراع السياسي بين فريقي الثامن والرابع عشر من آذار، تبدأ الانتقادات تنهال على رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط الذي يبدو في المرحلة الحالية يشكل إزعاجاَ غير مسبوق لحلفاء دمشق- طهران، وهو تعرّض في اليومين الأخيرين لهجوم من مفوّهي هذا المحور وصل إلى حد الشتيمة المباشرة.
عندما قرر جنبلاط الانفتاح على ما كان يعرف آنذاك باسم لقاء “قرنة شهوان” استكمالاً لمنهج المصالحة الذي أرساه في الجبل مع البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، لم يكن خافياً على أحد انتفاضته على النظام الأمني السوري- اللبناني الذي كان آنذاك متحكماً بجميع مفاصل البلاد، فبدأت حملات الانتقاد والتخوين توجه إليه عبر وسائل الإعلام الموالية لدمشق في محاولة للي ذراع الزعيم الدرزي الذي “تجرأ” على إعادة تصويب المسار التاريخي وتعزيز التفاهم الدرزي- الماروني في جبل لبنان.
وعقب محاولة اغتيال النائب والوزير مروان حمادة في تشرين الأول 2004، وتدخل العناية الإلهية لنجاته من الموت المحتوم، فهم جنبلاط والرئيس الشهيد رفيق الحريري الرسالة، لكنه لم يستكن بل زاد من اندفاعته ضد النظام السوري وأدواته المحلية، إلى أن وقعت الخطيئة الكبرى وارتكبت جريمة العصر باستهداف الحريري الذي كان نقل لجنبلاط مخاوفه الأمنية قبل أسابيع قليلة وقال له “سيقتلون أحدنا”.
ووصلت ذروة معارضة جنبلاط لسوريا مع قيادته لـ “ثورة الأرز” في 14 آذار 2005 تشكيله رأس حربة الفريق المطالب بالسيادة والحرية والاستقلال والتحرر من نظام الوصاية السوري على لبنان، فكان من الطبيعي أن تشن على جنبلاط الحملات الإعلامية المنظّمة ضده من قبل الفريق “الممانع” وعلى رأسه كان النائب والوزير السابق “المتهم” ميشال سماحة، والنائب السابق ناصر قنديل، والنائب البعثي عاصم قانصوه ناهيك عن الوزير السابق وئام وهاب الذي “تجرأ” في هجومه على زعيم المختارة بأكثر مما كان يفعله الآخرون، دون إغفال الحملات المنظمة للتيار “البرتقالي” ورئيسه النائب ميشال عون ونوابه ووزرائه.
لكن الحق يقال أنه في تلك المرحلة التي استمرت حتى شهر آب 2009 تاريخ الانعطافة “الوسطية” الشهيرة لجنبلاط، كانت حملات فريق “8 آذار” الموالي لدمشق ضد فريق “14 آذار” بالإجمال وخصوصاً ضد وليد جنبلاط، مفهومة ومبررة إلى حد ما، إذ أن الانقسام السياسي الحاد في البلاد أباح لكلا الفريقين التهجّم على الفريق الآخر لمواقفه من القضايا السياسية التي تراوحت بين الخلاف على “سلاح المقاومة” أو دفع لبنان باتجاه “تحالفات إقليمية” أو “تنفيذ سياسات” غربية، ألخ…
لكن مع تموضع جنبلاط في “الوسط” للتخفيف من الاحتقان القائم بين الفريقين السياسيين، ومع انضمامه إلى فريق “الانقلاب” على حكومة الرئيس سعد الحريري، كان من المتوقع أن يتغيّر مصدر الانتقادات ليكون من فريق “14 آذار” باتجاه جنبلاط، على أن يشعر الأخير على الأقل بفترة من الهدوء الإعلامي يمارسها فريق “8 آذار” تجاهه، خصوصاً بعد أن استكمل انعطافته بزيارة قام بها إلى سوريا ولقائه رئيس النظام الدمشقي بشار الأسد.
غير أن العكس تماماً هو ما حصل. فقد “هادن” فريق السيادة والاستقلال جنبلاط ولم يتعرّض له، لا بل يمكن القول أنه “هادنه” و”تفهّمه” في العديد من المواقف التي اتخذها، والتي برهنت أن جنبلاط لم يغادر “14 آذار” لينضم إلى فريق “8 آذار” بل لكي يشكّل حاجزاً بينهما يمنعهما من الاصطدام المباشر ويحافظ على الحد الأدنى من السلم الأهلي والعيش المشترك.
وهنا بيت القصيد. لم يستسغ محور الممانعة هذا الموقف “الوسطي” للزعيم الدرزي، فراح يحاول ابتزازه في كل لحظة ويتهمه بمحاولة توسيع دائرة الوسطية التي شكّلها مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي، وهذا ما يعتبره عائقاً أمام استكمال انقلابه ليس على الرئيس سعد الحريري فحسب، بل على البلاد بأكملها، من خلال هدف الاستيلاء على السلطة التشريعية بعد تمكّنه من السلطة التنفيذية، ومحاولة “مد يده” على السلطتين القضائية والأمنية.
لم يخف فريق “8 آذار” عدم قبوله بوسطية جنبلاط وانضمامه إلى حكومة نجيب ميقاتي، فعديدة هي الطلات الإعلامية التي ظهر فيها اللواء المتقاعد جميل السيد على شاشات التلفزة، ينتقد فيها جنبلاط وهاجمه متسائلاً عن “الحجم الحقيقي لهذا المتقلّب الذي لا يؤتمن” ورافضاً أن يشكّل “بيضة قبان” يميل ميزانه وفقاً “لمصالحه الضيقة”.
غير أن طلّة السيد بعد استقالة الحكومة الميقاتية أمس الأول والانتقادات “الممجوجة” التي وجهها لجنبلاط، كشفت عن حقيقة الموقف الذي تنتهجه دمشق عبر “الناطقين باسمها” في بيروت، وليس “حزب الله” الذي أثبت السيد أنه لا يمثّله لا من قريب ولا من بعيد وخصوصاً أن علاقة “حزب الله” بجنبلاط لها خصوصيتها التي لا يمكن أن تصل إلى حد قطع شعرة معاوية بينهما، وهو ما فعله السيد.
وقال السيد أمس في حديث لقناة “المنار” “ليأخذ وليد جنبلاط بيضة القبان الى منزله، اذا اراد ان يعطينا البيضة بشروط لا نريدها، هو يتسلى وقيمته 3 نواب فقط والصراخ الاعلامي، ليس له دور على الارض. من هو جنبلاط ليقصي احداً او ان يفرض شروطاً على عون؟”
إذا كان جنبلاط بحجم 3 نواب، لماذا يتضايق السيد منه ومن “بيضته” إلى هذا الحد؟، وإذا ليس لجنبلاط دور على الأرض، لماذا “يستقتل” السيد في هجومه عليه؟ ولماذا هذه الغيرة المستفيضة على عون؟
يبدو واضحاً أن السيد ومن يمثّل الذين هاجموا سياسة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش “أنت معنا أو ضدنا”، لكنهم يتصّرفون بفجاجة ويمارسون المنطق نفسه. يعتبون على جنبلاط لتموضعه الوسطي الذي لم يلغ احتمال وقوع الفتنة، إنما بالتأكيد ساهم في تأجيلها، ويريدونه أن يكون كما قال يوماً ميشال عون “جندياً في جيش الأسد” و”يأمنون شرّه” عندما يطلقون عنان الفتنة.
وليس غريباً أن يتزامن هجوم السيد مع طلّة بعد طول غياب للوزير السابق ماريو عون الذي ساق التهم نفسها ضد جنبلاط والذي قالها بصراحة “لن نسمح لجنبلاط الاحتفاظ بميزة بيضة القبان بعد اليوم”. فعون الوزير نطق بما يضمره عون النائب، ومشروع “اللقاء الارثوذكسي” الذي يتمسّك به رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” بأسنانه هو السبيل للوصول إلى هذه الغاية، وربما يقدّمها على مقولة حسن التمثيل التي ينادي بها، وهذا ما يبرّر تأييده لاقتراح اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة مع النسبية، فهي بالتأكيد لا توفّر للمسيحيين وعون صحة التمثيل.
لجنبلاط كما لغيره من السياسيين الحق المشروع في الدفاع عن مصالحهم الانتخابية والسياسية، وإذا كان قد شكّل “بيضة القبان” التي تقضّ مضجع جميل السيد وميشال عون، فهو سيستمر على هذا الواقع شاء من شاء وأبى من أبى إذ أن الهدف الأساس والأول بالنسبة لجنبلاط هو منع انزلاق لبنان الى فتنة سنية شيعية لن تنجو منها باقي الطوائف، وطالما أنه يحافظ على هذا الموقع فهو، انطلاقاً مما قاله بنفسه “لن ينحاز لفريق 14 آذار ضد 8 آذار أو العكس” سيبقى يشكل حاجز الأمان الذي يقي لبنان “شرور” السيد و”هوس” عون.