تتسارع الحوادث في المنطقة وكلّها تدخل في رّبع الساعة الأخير، وهو الذي يفرض أمورا لم تكن مقبولة قبل الوصول إلى هذه المرحلة. فسوريا في هذه المرحلة لم تعد كما كانت سابقاً. كلّ موقع تخسره القوّات النّظاميّة، عسكريا على الأرض، بات من الصعب لا بل من المستحيل استرجاعه. وفي المحافل العربيّة سقطت سوريا النّظام والكلّ اعترف بالمعارضة كسلطة تمثّل الشّعب السّوري، الا لبنان بقي وحده نائياً عن نفسه بهذا الإعتراف، لأنّ وزير خارجيّته يردّ ديونه لمن تبقى من أسياده في الشّام. لكن الاشكاليّة المطروحة هنا، هل سيتمكّن لبنان من تلقّف الفرصة الأخيرة في رّبع الساعة الأخير هذا؟
نظام الاسد يتهاوى والنّهاية اقتربت وهذه ليست أضغاث أحلام إنّما هي حقيقة من الميدان الذي غيّر وجه سوريا. التّحالف الاسرائيلي التّركي عاد إلى التطبيق بعد قطيعة سببها حوادث غزّة ظاهريّا، أمّا في الحقيقة فالخلاف على النّفوذ الاستراتيجي للحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط لا سيّما بعد اكتشاف الحقول النّفطيّة فيه. ولعلّ هذا السّبب هو ما سرّع هذه المصالحة وذلك لفتح الطّريق للغاز الاسرائيلي عبر خليج إيلات للعبور إلى قطر المستفيد الأوّل. من هنا ضرورة استمرار اشتعال سوريا خدمة لأغراض الغرب وإسرائيل في تسويق غازها الطّبيعي عبر أقلّ كلفة استجرار إلى أقرب دولة جغرافيّا تستطيع استخدامه وهي قطر.
فالحرب على سوريا من أبرز مسبّباتها ليس القضاء على نظام آل الأسد الذي عاث فسادا ودمارا في شعبه وصحبه إنّما هو السّيطرة على الثروة الطبيعيّة الجديدة في المنطقة وتسليط الغرب بواسطة إسرائيل على هذه الثّروات. وهذا ما أوقع جزيرة قبرص في الفخّ الاقتصادي الذي وإن قامت منه قبرص تكون قد استنفذت كلّ طاقاتها لسداد ديونها، تماما كالمشروع المعدّ للبنان الذي في حال نجح في استخدام هذه الثّروة الطبيعيّة لن تكفيه لاسكات الحيتان البيضاء اللاهثة وراء الالتزامات التي يعمل على توزيعها وزير الطّاقة وفريقه السياسي. وسوريا قابعة تحت نير حرب لا تعرف متى وكيف ستنتهي. وتبقى اسرائيل المستفيد الأوّل من هذا الوضع في المنطقة.
نعم هي حرب ربع الساعة الأخير بعد اكتشاف هذه الثروة النّفطيّة في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط، أمّا في لبنان الذي استفاق على كلّ شيء في هذا الرّبع ساعة الأخير، من النّأي بالنّفس إلى الأمن وسياسة الأمن تارة بالقبضة الحديديّة وطورا بالتراضي وصولاً إلى قانون للإنتخابات ومن ثمّ حديث عن تمديد بدأ يلوح في الأفق، إعادة رصف صفوف القوى المتناحرة، كلّ فئة بفئة، إعادة تكوين سلطة تنفيذيّة بعد تعذّر تقويمها، كلّ هذه التطوّرات حدثت في هذا الرّبع ساعة الأخير، لماذا لم يستفيقوا على شيء قبل الوصول إلى هذا الرّبع ساعة؟ أربع سنوات لم يتمكّنوا من إيجاد قانون للإنتتخابات، ألا تعتبر هذه مفارقة صارخة في كون القانون موجود لتأمين المناصفة والشراكة الحقيقيّة في الوطن الا أنّ فئة واسعة من الوطن لم تفسح الطريق أمام هكذا قانون، ألا يعني هذا أنّ من يعرقل بطريقة أو بأخرى لا يريد أيّ انتخابات ولو حتّى في رّبع الساعة الأخير؟ هو نفسه “حزب الله” لم يعطِ حليفه البرتقالي الحريّة في القانون الأرثوذكسي الا بعد تأكّده من أنّ هذا القانون ليس قانون ربع الساعة الأخير بل هنالك قانون آخر أعدّه الحزب، إمّا أن يؤمّن تطبيقه وإمّا أن لا تكون انتخابات؟ كيف يريد إجراء انتخابات قد تفقده السلطة وهو يملكها بكل مفاصلها؟
تبقى العبرة لمن اعتبر لأنّ المنطقة بأسرها تعيش ربع الساعة الأخير، وكلّ ما سينتج سيكون عن التطوّرات التي ستقع في هذا الرّبع الأخير، فهل يدرك اللبنانيّون عامّة والمسيحيّون خاصّة أنّ هذا الرّبع ساعة قد يثبّت وجودهم أكثر في هذه الأرض أو قد يبقيه مرهونًا لأبد الآبدين؟ هل يعلم اللبنانيّون أنّ المرحلة المقبلة لن تكون كما كانت خلال السنوات الخمسين المنصرمة من عمر المنطقة؟ ومن كان يعلم أنّ أساس الحرب في سوريا، استراتيجيّة جديدة للسيطرة على الثروات النفطيّة الجديدة قبل أن تكون حرباً على ديكتاتور قد يستفرد بهذه الثروة العامّة ويجعلها خاصّة؟ كلّ المراحل انتهت وتبقى مرحلة رّبع الساعة الأخير. اتّعظوا!