مشهد لقوى 14 آذار لجهة ترتيب أوراقها وحسم خياراتها واحدةً موحّدة لناحية طرح إسم أو إسمين للرئيس المكلّف، ومشهد لقوى “8 آذار” بدا مشتّتاً حتى الآن سواءٌ في إعادة طرح إسم الرئيس نجيب ميقاتي مع شروطه التي أطلقها بُعَيد تقديم استقالته، أم لناحية التوافق على اسم شخصية أُخرى تحظى بإجماع هذا الفريق.
والمشهدان، على تناقضهما، ينتظران المشهد الثالث المتمثل بالقرار الذي سيتّخذه رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط عشيّة الاستشارات لناحية ترجيح كفّة أحد الفريقين في تسمية الرئيس المكلّف تأليف الحكومة الجديدة.
إلّا أنّ الاتصالات والمشاورات التي أجراها جنبلاط مباشرةً أثناء زيارته الأخيرة المملكة العربية السعودية، واستكملها لاحقاً موفده الوزير وائل ابو فاعور، أفضت وفقاً لمعلومات مؤكّدة، إلى أنّه لن يسير بأيّ إسم لرئاسة الحكومة لا يرضى عنه تيار “المستقبل” ورئيسه سعد الحريري (ما لم يطرأ أيّ أمر قبل الاستشارات يناقض ذلك طبعاً) وقد أبلغ هذا الموقف إلى المسؤولين السعوديين بعدما تنامى إلى مسمعه كلام مفاده ضرورة حسم موقفه في هذا الإطار وتحديد موقعه السياسي للمرحلة المقبلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: “هل آن أوان الانعطافة الجنبلاطية والعودة إلى صفوف قيادات “14 آذار” أم أنّ الوسطية أعجبته ويفضّل الاستمرار بها!؟
القراءة السياسية تبعاً للمعلومات الواردة تؤشّر إلى التالي:
أوّلاً: لا شكّ في أنّ جنبلاط “استذوق” الوسطية ويرغب ربّما البقاء فيها، غير أنّه بات عاجزاً عن المضيّ قدُماً في نهجها، في ظلّ المعطيات الواردة عن ضرورة حسم موقفه نهائيّاً على طريقة “إمّا معنا.. وإمّا ضدّنا” ما يعني عمَليّاً أنّ المرحلة المقبلة لم تعد تتحمّل الوسطية وبات عليه أن يقرّر أيّ مسار سياسيّ سيختار، مسار “14 آذار” أو 8 آذار!؟
ثانياً: يعلم القريبون من حركة جنبلاط والبعيدون عنها أنّه لم يفارق يوماً “14 آذار”، فقلبه كان دائماً معها، إن لم نقل إنّه كان قلبها الفعليّ النابض منذ انطلاقتها إثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 وحتى العام 2009 تاريخ انعطافته القسرية الأولى. كذلك يعلم الجميع في الداخل والخارج أنّ سبب الانعطافة الأولى نحو قوى “8 آذار” ثمّ إعادة تموضعه في “الوسط ” بعدها، لا يعود لاقتناعه بنهج هذه القوى، بمقدار اقتناعه بأحكام الضرورة وضغط السلاح الذي قال مراراً إنّه كان مصوّباً الى رأسه، وإنّه لم يكن في إمكانه اتّخاذ أيّ موقف مُغاير للّذي اتّخذه. فهل أزيل هذا السلاح من فوق رأسه نهائيّاً؟ أم أنّ هناك من ساهم وساعد في إبعاده عنه ليتّخذ قراره بحرّية!؟
هذه الأسئلة قد تظهر طلائعُ الأجوبة عليها في الأيام المقبلة.
ثالثاً: لم ينسَ اللبنانيّون عموماً، والمهتمّون بالشأن السياسي خصوصاً، جنبلاط يوم وضع زهرة على ضريح والده الشهيد كمال جنبلاط بُعيد الانسحاب السوري، وقال يومها كلمته الشهيرة إنّه أصبح حرّاً ومرتاحاً كما لم يشعر بذلك قبلاً، علماً أنّ ضغوط دمشق قد خفّت كثيراً بعد انسحاب جيشها من لبنان، فيما واقعُ ضغط “حزب الله” وسلاحه في الداخل لا يزال كما هو، إنْ لم نقل إنّه قد ازداد في الآونة الاخيرة. فماذا سيفعل جنبلاط؟ هل سيترك وسطيته ويعود إلى صفوف “14 آذار”؟ أم أنّه سيتمسّك بها ورزقه “على الله”؟
الخلاصة تفضي إلى أنّ الرجل أمام انعطافة خطيرة. فعاملُ الوقت لم يعُد يسمح له الانتظار طويلاً قرب حافّة النهر ينتظر جثة الخصم، مثلما ردّد مراراً في السابق، وعبوره إلى الضفّة الأخرى يحتاج إلى جسورٍ وضمانات يُعمَل على إنجازها وترتيبها كاملةً، علماً أنّ المعلومات تؤكّد أنّه لن يخالف الحريري في التسمية ولكن… بلا حكومة!