#dfp #adsense

مُكرَهٌ لا بطل

حجم الخط

أمّا وقد بات محسوماً تكليف تمّام سلام تشكيل الحكومة الجديدة، فيصحّ وصف ما حصل بأنّه انقلاب على الإنقلاب ، ولكنْ بدون سلاح و” قمصان سود “، بل بالحقّ السياسي ، ونهوض الديمقراطيّة من عَثْرتها.

إنقلاب سياسي هادىء دَمِث، تماماً مثل الرئيس المكلّف، إبن البيت البيروتي اللبناني العربي العريق.

إختيار ” 14 آذار ” للرئيس سلام لم يكن ضربة سيف في الماء أو الهواء، بل رمية سياسيّة ناجحة في قلب الحدث اللبناني والسوري.

يكفي أنّ اختياره رسّخ ربيع ” 14 آذار ” بعد اهتزازها لفترة وجيزة ، بما يُمكن وصف الإهتزاز بالدواء المرّ من أجل الشفاء، أو بالمطهر الإلزامي للتكفير عن ذنوب الأخطاء التي نخرت أداء 8 سنوات.

ولا يخفّف القول بالحيويّة السعوديّة والإنكفاء الإيراني – السوري من وهج هذا النجاح، طالما أنّ القرار لبنانيّ حرّ في أساسه، ولم يكن استدراج عروض واستدعاءات مرشّحين واستعلاءات وإهانات وإذلالات، كما فعل  ” حزب الله ” بين عمر كرامي ونجيب ميقاتي وسواهما، لفرض حكومة ” القميص ” الواحد.

ولا تقتصر خطوة إختيار تمّام سلام على إيجابيّتها الذاتيّة في فريق ” ثورة الأرز ” ووليد جنبلاط ، بل تشمل الحالة السلبيّة لدى فريق ” 8 آذار “، والإرتباك الذي يعانيه بعد خسارته ” فرصته الذهبيّة ” في حكومة لن تتكرّر نماذجها وأرقامها وحصصها المنفوخة، خصوصاً لجهة فئويّتها واستيلاء فريق واحد على ثلثها.

النتيجة الأولى لارتباك ” حزب الله ” وحلفائه هي اضطرارهم  لتسمية سلام، المسمّى بدون منّتهم، كخيار لا بدّ منه ، طالما أنّ رغبتهم في تسمية آخر ساقطة سلفاً، أو مجرّد رغبة في الهواء، وحلم في حصرم حلب. وكان إذعان ميشال عون لقرار ” حزب الله ” نافراً، واستثناء سليمان فرنجيّة تثبيتاً للقاعدة.

وحالة الإنكسار هذه، لا يغطّيها تنويههم بـ ” وسطيّة ” سلام واعتداله، وبدعوته من ” بيت الوسط ” إلى التكامل مع القوى السياسيّة الأخرى. فهم لا تعنيهم لا الوسطيّة ولا الإعتدال، وقد ضاقوا ذرعاً بهما داخل حكومتهم نفسها ، مع من استخدموهم للوصول.

والآن، يصحّ فيهم القول المعروف ” مكرهٌ أخوكَ لا بطل ” !

ولا يخفى أنّهم يراهنون الآن على نسف جهود تشكيل حكومة جديدة ، تحت حجج وذرائع وشروط ، مثل الثلاثيّة البائدة ” شعب وجيش ومقاومة “، أو تحت شعار ” حكومة وحدة وطنيّة “، أو تحت ستار حجم هذه الكتلة وتلك ومسك دفتر الدكّان في الحصص الوزاريّة، بالفاصلة والأرباع والأعشار!

المهمّ أنّ لا شيء من البدع الدستوريّة والسياسيّة، مثل ” الثلث المعطّل ” وقدسيّة سلاح ” المقاومة ” والشراكة المفروضة وتمثيل الأحجام وسواها، سيبقى وارداً.

المعيار الأكيد هو المحافظة على التوازن السياسي والعيش المشترك والمناصفة في توزيع الحقائب السياديّة والخدماتيّة والعاديّة، ووزراء الدولة، في حال كانت حكومة فضفاضة كسابقاتها، وهو أمر غير أكيد.

حكومة انتخابات لا مرشّحون فيها. وزراؤها من النخب غير المنحازة سياسيّاً بشكل صريح وملتزم . تنكبّ على تدبير شؤون الناس، وتعمل مع مجلس النوّاب لقانون انتخابات يكون الأكثر قرباً إلى التوافق والتمثيل الصحيح والعادل.

تشكيلة عاقلة مهمّتها غير مستحيلة . يتّفق السياسيّون حولها ولا يتناحرون داخلها .

لقد جرّبنا كلّ النماذج، من الوحدة الوطنيّة المفخّخة إلى اللون الواحد الإنقلابي، وجميعها فُشّلت أو فَشِلت.

فآن لنا أن نشكّل حكومة قيمتها في ذاتها وسياستها، وليس في سواها وسياسيّيها.

لعلّ العِبْرة ممّا حصل تكون كافية لإقناع أهل الغَلَبة وهواة الإنقلابات، بأنّ انقلاب سنتيْن، وقبله انقلابات حرب تمّوز 2006  وكانون الثاني 2007 وأيّار 2008، لا تحقّق مشروعاً غير لبناني . فكلّ ما هو وافد من خارج الحدود ينحسر إلى أصله ومصدره، ولا تبقى في النهاية إلاّ الحقيقة اللبنانيّة .

ولعلّهم يسيرون على هدي من سبقهم إلى حقيقة ” لبنان أوّلاً “، بعد طول معاناة واختبارات وشهادات.

زَبَد الإنقلابات يذهب جفاءً، أمّا ” لبنان أوّلاً ” فيمكث في الأرض.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل