#dfp #adsense

جنرال.. الانكسار

حجم الخط

لم يشأ رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون أن يفوته قطار الحكومة العتيدة، وأن ترذله المكاسب وتتجنّبه الغنائم وإن اقترنت بالانكسارات المتتالية التي لم يعترف بها عون وكان آخرها أنه انكسر لحكومة ما كان بيده حيلة لتبديل مسار “سلام” فيها. فقبل ساعتين تقريباً من موعد نواب التكتل العشرين في القصر الجمهوري، أطلّ الجنرال من على منبر الرابيه، قارئاً لعبارات “اقترضها” من الدستور “توافق، وحدة وطنية، استقرار، مكونات الوطن..” عبارات لم يتذكرها الجنرال حين سار بحكومة مسلّحة، ولا حين شكّل مع حلفاء السلاح حكومة متحدياًً الوحدة الوطنية “بيقبلوا ولا عمرُن ما يقبلوا”، أغرته حينها رائحة تفوح من قطعة الجبن الكبيرة. الشعور ذاته يراوده اليوم فيكرر الجنرال “هناك تسوية قد تظهر في عملية تأليف الحكومة على غرار التوافق الذي حصل على النائب تمام سلام”.

لا مبرر إذاً ليختار الجنرال النائب البيروتي تمام سلام رئيساً للحكومة العتيدة، سوى أنه طامع بقطعة جبن تسكت الجوع المزمن للكراسي، في كلام ينبئ بأنه انكسر للتسمية فلن ينكسر للتأليف وسيكون ربما معرقلاً له كما في العام 2009، ولكن المشهدية التي تلوح في الأفق اليوم تشير الى أن للانكسارات تتمة… يعرف الجنرال، كما كل لبناني، بأن لبنان قائم على سياسة لا غالب ولا مغلوب، أما كلامه في ذلك فيندرج ضمن الكلام الشاعري الذي طالع اللبنانيين به ليبدو وكأنه نازل “من القفة”.
لن يعترف الجنرال بأنه يسير بما لا يريده لينال ما يطمح إليه هكذا بكل بساطة… كما لن يعترف بأنه يريد الكرسي الرئاسي الذي يجلس عليه رئيس الجمهورية ميشال سليمان والذي لم يمنحه إياه الدستور مرة في التاريخ كما لم يتمكن عون من أن “يمنح” هذا المقام لنفسه كما فعل حين استولى على رئاسة الحكومة… صحيح أن هذه الطريقة في الأداء لا تمتّ إلى الممارسات السياسية بصلة لأن الجنرال قالها: “هيك طلع على بالي” وكأن السياسة طبق مخلوطة أو “حبة بونبون” كما قال يوما… “طالع على بالو” ألا يزور رئيس الجمهورية أو “قصر الشعب”، هذا حقّه فلربما تعيد إليه تلك الزيارة ذكريات أول انكسار له من “القصر” إلى السفارة…

قبل التسمية، سلك الجنرال مع كتلته مساراً مكسواً بالضباب… ففي حين كانت الكتل النيابية تدرس خيار النائب تمام سلام، كان جنرال الرابيه “يهدّ ويقدّ” ويعلي سقف الكلام السياسي والخيارات… فحيناً يريد مقاطعة الاستشارات، وحيناً آخر كان يوحي بأنه يريد تسمية رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي، وهو قبل ذلك كان يوماً في صفّ الأخير وغالباً منتقده. مع هذا لم يسقط الجنرال من خياراته وزير المال في الحكومة المستقيلة محمد الصفدي الذي تربطه شراكة في الأعمال مع صهره وزير الطاقة وكل الطاقات…

غير أن كلام الليل في الرابيه تمحوه شمس النهار الاستشاري، التنقل من “هالك الى مالك” لا يفيد… الجنرال يتأرجح بين هذا الخيار وذاك الاحتمال فـ”أضاع الطاسة”، في حين أن الكل وجدوا في النائب البيروتي المعتدل حلاً لواقع لبناني كان الجنرال شريكاً في قلب الطاولة على رأس الديموقراطية فيه. رفع الجنرال السقف حتى اللحظة الحاسمة، اللحظة التي “راحت فيها السكرة وإجت الفكرة”، “سكرة” 10 وزراء في حكومة قَدَّر لها أداؤها أن تقطع one way ticket، و”فكرة” تشكيل حكومة يتخوّف الجنرال أن يلفظه الضياع خارج مكوّناتها…

لم يدرك الجنرال ربّما، أن الفاجعة ستقع من دون شكّ… كاد أن ينام ليل الخميس-الجمعة، أو على الأرحج كاد أن يؤرقه الليل، على خلفية إصراره على زيارة سلام للرابيه، فإن المركز الذي يشغله عون كجنرال ورئيس حكومة أسبق لا يسمح له بالقبول بأن يزور سلام الرئيس سعد الحريري في الرياض وأن تقضي فترة ما قبل الاستشارات من دون أن يزوره… أما مقولة “الإصلاح والتغيير” فغالباً ما تنطبق عليه وتكتله، فهو يكاد لا يثبت على موقف إلا و”يُصلحه ويغيّره” في اليوم التالي. لعبة “الحزورة” غير مجدية، فأي من حلفائه لم يلتفت إليه، الكل مشغول في النقاش والاستشارات الداخلية، القصة أكبر من باخرة صيانة لمعمل الذوق وأخطر من “تطوير” انترنت لخدمة الجيل الثالث… القصة قصة “أن تكون وزيراً في الحكومة أو لا تكون”.. فلمَ لا يسمّي إذاً النائب تمام سلام؟

قد تظن قلة قليلة من اللبنانيين، الذين لم يشعروا بعد بـ”ورم التغيير والإصلاح”، أن خيار التسمية ينطلق من منطق وطني أو حقّ من المفترض أن يعيده الجنرال إلى اللبنانيين، بعدما شارك في مفاعيل انقلاب القمصان السود، لكن المنطق العوني لم يرتقِ بعد إلى المنطق الوطني، والدليل أن خطوة الاتفاق على اسم النائب البيروتي تأتي ناقصة على المستوى الوطني الطبيعي، بحيث إن الجنرال، بصفته رئيس حكومة سابق لن يزور القصر الجمهوري شخصياً لخلافه مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان…

القرار بالطبع لن “يشيل الزير من البير” لكنّه كفيل بأن يُظهر خوف الجنرال على مصالح كتلته، ما يُسقط مناداته “رجع الحق لأصحابه”.. ببساطة فإن قرار تسمية التكتل لرئيس الحكومة المقبلة يأتي تابعاً أو لاحقاً وليس مبادراً أو استباقياً مثلاً أي أنه غير صادر عن قناعة، ويبقى أن التسمية تدور في حلقة مفرغة إلا من المصالح الشخصية وخاوية إلا من “لُعاب” التوزير… لم يتردّد مرة جنرال الرابيه في أن يكون مع الواقف أو مع الماشي، وها هو اليوم يثبت ذلك.

سيدخل لبنان مرحلة جديدة بعدما قطعت ممارسات “حكومة السلاح” one way ticket لنفسها وانقلبت هذه العبارة على مُطلقها و10 وزراء من تكتله… صحّ القول بأن “كل طلعة قدامها نزلة”، فالقراءات السياسية التي لم يبرع فيها الجنرال منذ ربع قرن تقريباً، تحتّم أن ينصاع كل خارج عن الحق إلى القانون وأن يخضع كل سائر في اللامنطق الى منطق الدولة والدستور. وهل يجوز بعد هذا سؤال الجنرال “شو طالع على بالك” من الوزارات؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل