إن مفهوم النظام البرلماني يعني أن تحكم الأكثرية وتتولى الأقلية المعارضة، فليس صحيحاً ما يلتبس على البعض من أن النظام البرلماني يعني وجود برلمان وتوازن وفصل بين السلطات ومسؤولية تترتب فقط على الحكومة من دون أن تطاول الرئيس… لأن مفهوم النظام الديموقراطي لا يمكن أن يستقيم إلاّ إذا تمكنت الأكثرية من الحكم على أن تتولى الأقلية المعارضة، أملاً في أن تتولى السلطة غداً وهذا ما أيّده العلم والإجتهاد والفقه الدستوري وقد قال Esmein في هذا الصدد:
La Démocratie se ramène à la vision du gouvernement de la majorité et du contrôle de l’opposition qui peut devenir le pouvoir de demain (1)
(1) Jean Jacques Jicquel: Droit constitutionnel et institutions politiques 16ème édition, Delta Montchrestien, p. 184.
وعن رؤية البعض للأكثرية والأقلية وجهJ. W. Von Goethe كثيراً من الإنتقادات إليهما، فأكد أن الأكثرية تتكون من زمرة من المسيطرين يقودون وجمعٌ من الماكرين يتكيفون، ومن ضعفاء يندمجون، ومن جمهرة تسير متسكّعة وراء الآخرين ولا تدري ماذا تريد.
كذلك أبدى Léo Campion نظرة سلبية الى الغالبية فوجدها تتكون أحياناً من ضعفاء العقول والأقلية أيضاً مع فارق أن الآخرين هم أقل مما هم لدى الأكثرية.
La majorité est composée d’imbéciles et la minorité aussi. Mais chez les minorités ils sont moins nombreux.
وبما أن الغالبية تسعى عادةً وراء مصالحها، فهي لا تبرز كفاية عالية في تحقيق المصلحة العامة بمقدار ما تحقق مصلحتها، فتبرز عدم كفايتها للحفاظ على المصلحة العامة وقد قال René Guenon في هذا الصدد:
L’avis de la majorité ne peut être que l’expression de l’incompétence.
بينما رأى Victor Hugo أن الغالبية ليست إلّا أكثرية تقود الغير.
La majorité c’est une minorité qui mène les autres.
وفي مطلق الحالات نرى أن لا عيب على الأقلية أو الأكثرية إلّا عندما تتعسّف في ممارسة حقوقها سواء في ممارسة السلطة أو في المعارضة.
Non pour l’abus de la majorité et de la minorité.
وفي لبنان تشكّل أطراف لبنان ثلثي عدد الناخبين وهم في معظمهم من الطبقة غير المثقفة من جراء الفقر الذي يستشري في هذه المناطق وبسبب النقص في الخدمات الإجتماعية التي تقدمها الدولة بما يؤثر على نوعية الأكثرية التي يُصار إلى انتخابها، وإلى سوء أداء هذه الأكثرية التي تؤثر سلباً على المصلحة العليا للبلاد، حيث تغيب هذه المصلحة مقابل تأمين المصلحة الخاصة بالأكثرية.
هذه في اختصار فلسفة النظرة السلبية إلى الغالبية والأقلية، إذ يبدو أن من يملك غالبية نيابية معينة يجب أن يتمتع بالحد الأدنى من وضوح الرؤية لمعرفة المستقبل الذي ينوي قيادة البلاد إليه، وذلك قبل أن يختار الشعب هذه الغالبية، وإذا كان خياره خاطئاً فإنه تترتب عليه نتائج وممارسة لا تقل عن النظرة السلبية الى الأكثرية المشار إليها أعلاه.
مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الأخيرة رأينا بعض الكتل التي كانت محسوبة عددياً على أكثرية 14 آذار تنتقل لدى الأقلية السابقة 8 آذار لتشكّل معها أكثرية جديدة سمحت بتأليف حكومة. وبعد استحالة التعايش (على ما بدا) بين كتلتي ميقاتي والحزب التقدمي الإشتراكي من جهة وقوى 8 آذار من جهة أخرى استقال ميقاتي وبات توزع القوى البرلمانية مقسماً على النحو الآتي:
60 نائباً لقوى 14 آذار
58 نائباً لقوى 8 آذار
7 نواب لكتلة الحزب الإشتراكي
3 نواب لكتلة ميقاتي
وعلى ما يبدو فإن أياً من قوى 14 و8 آذار لا تملك الأكثرية النيابية وهي في حاجة لأن تتحالف مع الكتلة الإشتراكية لتتمكن من تأمين أكثرية تمكنها من تأليف حكومة. ولولا الإنقسام الحاد بين هاتين الكتلتين لأمكن القول إن القوى الموجودة فيها يمكن أن يصدر عنها رأي راجح في الإستشارات النيابية الملزِمة يؤدي إلى تأليف حكومة حيادية أو إئتلافية أو حكومة وحدة وطنية…
لكنّ الإنقسام الحاد بين هذه القوى وتموضعها الواضح يمنع تشتّتها وتشتّت خياراتها، فكيف يكون السبيل إلى تاليف حكومة ما تحظى بموافقة أكثرية لا ندري من يكون منضوياً في صفوفها؟ وهل أن الظروف التي أدت إلى انتقال كتلة الحزب الإشتراكي لتأييد قوى 8 آذار هي ذاتها؟
وأيّ إخراج يكون للإنتقال الجديد؟ أم أن الإنتقال السابق لا يزال ساري المفعول على قاعدة أنه لم تحصل أيّ تطورات منذ تلك المرحلة وحتى تاريخه من شأنها أن تبقي تموضع الحزب الإشتراكي على حاله؟ أم أن الحزب الإشتراكي يبقى في موقع الوسطية؟ وهل يحدد معيار الإنتقال من جهة إلى أخرى الإتفاق على قانون الإنتخاب؟ وهل جائز اليوم إقرار قانون إنتخابي يحظى بموافقة أكثرية من دون أن يتحقق الإجماع عليه؟
كل هذه الأسئلة تكتنف مسألة التكليف والتأليف إنطلاقاً من معرفة القوى التي ستكّون الأكثرية الجديدة، ومن هي القوى التي ستلعب دور المعارضة أو الضحية في المرحلة المقبلة، أم أن حكومة حيادية من غير المرشحين للإنتخابات ستتألّف وتتوافق عليها كل القوى فتمنحها ثقتها؟