يروي أحد الكتّاب الاميركيين في سيرته الذاتية عن الأسلوب الذي إستخدمته والدته من أجل إحتواء زواجها الفاشل. قال أنها نجحت في إمتصاص غضب الشجار المتواصل مع والده، من طريق تغيير أماكن الأثاث في المنزل بحيث يبدو جديداً على النظر.
بما أن الزوجة المحافظة كانت تتحاشى الطلاق، فقد لجأت الى تغيير وجه المشكلة بهدف التستر عليها أو التعايش معها.
المهمة السياسية التي أسنِدَت الى النائب تمام سلام، بعدما تجاوزت صديقيه النائب المهندس محمد قباني والمحامي غالب محمصاني، لا تختلف من حيث الشكل، عن مهمة تغيير أماكن الأثاث داخل المنزل اللبناني المضطرب.
وهي مهمة صعبة لا تختلف عن مهمة سلفه نجيب ميقاتي الذي سعى الى إقامة توازن دقيق بين طموحات “الغالب” ورغبات “المغلوب”. لذلك ظهر اداؤه خلال السنتين الماضيتين كأنه محاولة متعثرة لجمع “لبنانَيْن” في لبنان الواحد!
المحللون في هذا السياق، يحارون في تفسير توقيت إنسحاب الرئيس نجيب ميقاتي، وما إذا كان رفض التمديد للواء أشرف ريفي هو السبب الحقيقي الذي دفعه الى الإستقالة أم لا؟!
الجواب المقنع لهذه الأحجية يتلخص في القول أن جماعة 8 آذار رفضت التمديد للواء ريفي لأنها كانت تبحث عن مخرج يبرر إستدارتها المفاجئة. ومعنى هذا أن قرار الإنعطاف السياسي كان مبنياً على إعتبارات داخلية وخارجية عدة. ومن المؤكد أن المعطيات التي طرحها “حزب الله” كانت هي المرجّحة لخيار التغيير.
السبب الأول جاء على لسان رئيس كتلة “المستقبل” الرئيس فؤاد السنيورة أثناء الإجتماع الأخير. ذلك أنه إستنكر إستمرار مشاركة “حزب الله” في القتال الدائر في سوريا، وإرتفاع أعداد القتلى اللبنانيين من عناصره. ومثل هذا الأمر يورّط الحزب ولبنان في مخاطر جمّة ويشوّه صورة دوره في مقاومة العدو الاسرائيلي لمصلحة مخططات إقليمية.
ولم يكن هذا الإستنكار وليد الخلافات السياسية والعقائدية فقط، وإنما هو حصيلة حقائق يعرفها المواطنون السنّة في صيدا وصور. خصوصاً أنهم يشاركون كل ليلة في دفن الجثث المنقولة من سوريا، حيث يقاتل خمسة آلاف متطوع أرسلتهم قيادة “حزب الله” للدفاع عن النظام أسوة بدور الحرس الثوري الايراني.
عناصر الطائفة السنية في لبنان لا يكتمون خشيتهم من الإنعكاسات السلبية التي ستصيب الساحة اللبنانية الداخلية في حال سقط النظام أو إحتلت المعارضة مؤسسات دولة “البعث”. عندئذ تصبح الساحة اللبنانية إمتداداً طبيعياً للحرب المذهبية المشتعلة على أرض الجارة.
وتقول مصادر قريبة من “حزب الله” أن التيار الحيادي المعتدل، داخل صفوف الحزب، بدأ يلقى آذاناً صاغية لدى قياديين يؤمنون بأن الحرب الثانية مع اسرائيل تحتاج الى مساهمة الخمسة آلاف مقاتل. خصوصاً أن مشاركتهم قد تؤخر سقوط النظام السوري لكنها لن تمنعه.
السبب الثاني جاء على لسان الرائد الاسرائيلي ايتان ليفي الذي إعترف بأن اللواء الشمالي كان يعلم، طوال ثلاثين سنة، أن تدريباته محصورة بالجبهة السورية. أما اليوم فان العدو السوري قد إستُبدِل بعدو لبناني. وهذا لا يعني – حسب تفسيره – أن عداوة السوري قد بطلت، بقدر ما يعني أن سوريا لم تعد تمثل التهديد الحقيقي الذي يمثله “حزب الله”.
ويُستَدَل من كلام الرائد ليفي أن اسرائيل تستعد لمجابهة “حزب الله” عقب سقوط النظام السوري… أو أثناء إنشغال الحزب بامتصاص تداعيات التغيير في سوريا. وتقول مصادر سياسية أن الضربة الاسرائيلية ستوجّه الى مستودعات الطوارىء الصاروخية قبل رجوع المقاتلين الى الجنوب. والشاهد على ذلك أن القيادة الاسرائيلية الشمالية مهتمة بتدريب فرق على إستعمال النار الكثيفة من الجو بهدف شلّ السلاح الكيميائي الذي نقلت دمشق بعضه الى جنوب لبنان. أو بهدف شلّ قدرات الصواريخ أرض – أرض… أو أرض – بحر.
والملاحظ أن “حزب الله” يستعد لهذه المواجهة منذ باشر بادخال الطائرة من دون طيار الى أجواء اسرائيل. أو منذ نجح في إدخال 20 كلغ من المواد المتفجرة من طراز (سي-4) الى اسرائيل.
فسّر بعض المعلقين إنعطافة “حزب الله” بأنها ناتجة عن تغيير موقف ايران بالنسبة للقضية النووية. وقال آخرون أن العقوبات الدولية أجبرت ايران على مهادنة المجموعة السداسية في المفاوضات الأخيرة. وتشير القرائن الى أن واشنطن بلغت طريقاً مسدوداً لأن الوفد الايراني رفض التراجع عن موقفه المبدئي في مواصلة التخصيب.
إذن، قرار مساندة ترشيح تمام سلام من قِبَل “حزب الله” كان قراراً داخلياً أملته ظروف محلية لبنانية بحتة وليس لايران فيه أي دور.
وترى جماعة الرئيس نبيه بري أن عوامل إنفتاح “حزب الله” فرضتها حاجة الحزب الى عمق إستراتيجي محلي أثناء فترة حربه الثانية مع اسرائيل.
والكل يعرف أن الإنتصار الذي حققه الحزب في حرب 2006 يعود، في أسبابه غير المباشرة، الى إحتضان الشعب اللبناني لنصف مليون مواطن جنوبي هربوا في اتجاه بيروت وطرابلس والجبل وكسروان. وقد فُتِحت لإيوائهم غرف المدارس ودور العبادة من كنائس وجوامع. وترى قيادة الحزب أن هذا الوضع لن يتكرر بسبب الأحقاد التي تركتها أحداث 7 أيار سنة 2008. أو بسبب تصرفات الهيمنة السياسية التي عانى منها زعماء السنّة والموارنة. ومن أجل إصلاح صورة الماضي، قامت “كتلة التنمية والتحرير” باقناع قيادة “حزب الله” بضرورة تسهيل مهمة تمام سلام.
يقول السياسيون في اسرائيل أن التوجيهات المعطاة الى القوات الشمالية تشجعهم على ضرورة محو السمعة الإعلامية التي أفرزها إنتصار الحزب في حرب 2006. ويرى بنيامين نتنياهو أن الحرب الثانية ضد “حزب الله” ستكون جزءاً من الحرب ضد ايران وضد “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في غزة والضفة الغربية.
ومعنى هذا أن الحرب حتمية بهدف تدمير آلاف الصواريخ الايرانية المعدّة لقصف تل أبيب وغوش دان وحيفا ويافا.
وكما حدث التحوّل في موقف “حزب الله”، كذلك تعرضت العاصمة بيروت لعاصفة تحوّل في مزاجها السياسي، أعادت “القرنفلة” الى دار آل سلام في “المصيطبة”. وراح أهل السنّة من سكان بيروت يتذكرون كيف فتح الزعيم صائب سلام أبواب العاصمة لإبن صيدا رفيق الحريري، الأمر الذي سلب سنّة بيروت دورهم التقليدي في إختيار رئيس الحكومة.
ومنذ تكريس عملية تجيير هذا المركز المميز إنتقلت رئاسة الحكومة من الحريري الى فؤاد السنيورة. ومن السنيورة الى نجيب ميقاتي. وقد حظي سعد الحريري بقسط كبير من ذلك التوزيع الذي تخاطفته صيدا وطرابلس. ولولا الفترة القصيرة التي شغلها الدكتور سليم الحص، لما رأت العاصمة إطلالة لأحد أبنائها.
وفي ضوء هذه الخلفية، إندفعت بيروت، بمختلف مذاهب سكانها، للترحيب بتمام سلام كوريث لزعامة كادت تزول… وكممثل لتيار سياسي كادت تمحوه الإنتخابات الأخيرة. وقد وظف النائب تمام ذلك الإجماع النيابي والتوافق الشعبي من أجل تعبئة الشارع البيروتي لما وصفه بحكومة المصلحة الوطنية.
ومن وسط هذا الإجماع ينطلق السؤال المتعلق بصعوبة تشكيل حكومة تلاقي الترحاب الذي لقيه التكليف. خصوصاً أن سعد الحريري أمضى أكثر من خمسة أشهر قبل أن يعثر على الصيغة الوزارية المقبولة.
وكذلك نجيب ميقاتي صرف أكثر من أربعة أشهر قبل أن تستنزفه مطالب جماعة 14 آذار وشروط جماعة 8 آذار.
ويبدو أن صدر تمام سلام بدأ يضيق بالمطالب التعجيزية الكيدية التي يطرحها رؤساء الكتل من أجل الحصول على وزارات خدماتية أو سيادية يمكن إستثمارها لأغراض إنتخابية.
أما على الصعيد الخارجي، فان الإجماع الذي لقيه تكليف سلام فرض عليه التأني في عملية التشكيل، خصوصاً بعدما تلقى التهنئة والتشجيع من مختلف الدول العربية والأجنبية، بدءاً بالمملكة العربية السعودية… مروراً بالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا… وإنتهاء بروسيا.