#dfp #adsense

“حزب الله” بين “اللاواقع”.. والأمر الواقع

حجم الخط

من سخريات القدر أن يتحدث “حزب الله” عن “المشروعية والميثاقية”، بعدما قاد حكومة انقلابية على الشرعية والدستور وراح يكمل انقلابه على الشعب السوري حينما ضمن أنه أحكم سيطرته على حكومة لبنان واللبنانيين.. قد يكون الإنقلاب مشروعاً في بعض الحالات لمواجهة قوى مسلّحة وإرهابية وهنا يكون الإنقلاب شعبياً، إلا أنه ليس كذلك حين يهدد الاستقرار وحياة المواطنين اللبنانيين اليومية بالسرقة والقتل والاختطاف والتهديد وتعطيل المصالح وإخافة السياح.

وإن كان الحزب يسمّي الحكومة العتيدة التي سيرأسها الرئيس المكلّف حكومة “أمر واقع” لأنه لا يملك الثلث المعطّل فيها، فبأي شكل يمكن وصف حكومته التي اقتصرت على تمثيل بعض الأحزاب والأطراف مسقطة من حساباتها العيش المشترك والوحدة الوطنية؟ هل أفقدته الضربات التي يتلقّاها في الميدان السوري ذاكرته وبات الحزب أميناً على لبنان واللبنانيين في حين أنه خرق استقرار البيروتيين في 7 أيار؟ وأي تاريخ سيختاره هذه المرة لينفّذ انقلابه المسلّح؟

وشروط “حزب الله” للمشاركة في الحكومة تعجيزية لأن الحزب يسعى دائماً الى تشريع ما هو غير قانوني وقوننة ما هو غير ميثاقي.. ويعلم الحزب اليوم أكثر من أي يوم مضى أن اللبنانيين والعرب من كل الطوائف والاتجاهات ما عادوا في صفّه، وسياسياً لم يعد بإمكان الدولة الاعتراف مرة جديدة بوزر سلاح المقاومة الذي أدخلها في أتون الفوضى، كما بات تبنّي ثلاثية “الجيش والشعب المقاومة” فوق طاقة اللبنانيين. هذا فضلاً عن إصرار الحزب على الثلث المعطّل المتخصص في تعطيل حكومات الوحدة الوطنية.

المهمّ أن “حزب الله”، مبتكر حكومات “الأمر الواقع”، هو اليوم متخوّف من حكومة لن يكون له فيها دور “الوليّ”، وبالتالي فهو يريد أن يحتكر لنفسه حكومة “الأمر الواقع” ويضطلع بالدور الرئيسي في إعلان السلم والحرب.. انتشرت كثيراً في السنتين الأخيرتين ظواهر العزل، وسادت شريعة الغاب، ومطلوب من الدولة التدخّل لوضع حدّ لتنامي الدويلة حكومياً بعدما تدمّرت شعبياً، وسيكون عدم تدخّل الدولة في هذا الشأن موضع انتقاد.

حول كل هذه الأمور تركّزت تصريحات نواب كتلة “الوفاء للمقاومة”، ومما قاله وزير الدولة في حكومة تصريف الأعمال محمد فنيش أول من أمس “أي تشكيل للحكومة لا يراعي التركيب السياسي الطائفي والمذهبي، يفقدها مشروعيتها الميثاقية، لأن نظام الديموقراطية في لبنان قائم على المشاركة، وهو مرتبط بالتمثيل الطائفي والمذهبي”. وهذا التصريح إذ يعبّر عن استنسابية في التعاطي مع الأمور، يحمل اللبنانيين على التفكير بالتركيبة الحكومية التي قادها “حزب الله”، وإن كانت تجمع كل الطوائف، فهل كانت تجمع كل الأحزاب؟ أم أن “حزب الله” اعتمد الانتقائية في سياسته مستقصداً إقصاء فريق معيّن. وهذا الفريق، أي فريق قوى 14 آذار، الذي كان يرفض المشاركة في أي حكومة يشارك فيها “حزب الله”، مستعدّ اليوم، ومنعاً لأي فتنة مذهبية أو طائفية، لتشكيل الحكومة التي تحفظ لبنان وتبعده عن كل المخاطر التي تكاد تطبق على أنفاسه.

ومن بنت جبيل قال عضو الكتلة النائب حسن فضل الله إنه “لا يمكن لشخص أو لشخصين أن يختصرا البلد (..) وعليهم أن يلعبوا غير هذه اللعبة، لأنها ستكون أكبر من قدرتهم على تحمل نتائجها السياسية والقانونية والدستورية والشعبية، وأي مغامرة في هذا الاتجاه، تدخل البلد في مأزق كبير، في ظل اضطراب إقليمي كبير”. وهذا التصريح بمجمله يتناقض مع حكومة “حزب الله” التي اختصرت البلد بمكوّناتها غير الجامعة طيلة سنتين من الحكم وقد أفضت نتائجها الى موجة عارمة من الفوضى التي تغمر لبنان من جنوبه الى شماله. ولكن “حزب الله” لم يتعلّم من تجربته في الحكم وعاد مستخدماً لغة التهديد والوعيد وكأنها نوع من العنف المستتر الرامي الى ترويع اللبنانيين وإسكات جرأتهم وتغليب الطاعة على الانتفاض.

أن لا ينظر الجمل الى حدبته، يعني أنه خائف من السقوط وأنه يتوقّعه في أي لحظة. ولا يخجل “حزب الله” أو يُحرج من منطقه في التعاطي مع الأمور، ولا يقيم وزناً لقيم اللبنانيين المبنية على معايير تقاليد التسامح والاحترام. فالحزب لم يفكّر يوماً باعتماد مبادئ الولاءات الفوقية وتقديمها على أي اعتبار آخر كالولاءات الإيرانية – الأسدية. إذا تشكّلت أي حكومة لا تشرّع في بيانها الوزاري ثلاثية الحزب ولا تمتثل الى تشكيل ثلثه المعطّل، فهذا يعني أن الدولة ما عادت تعترف بشرعية الحزب، وهذا ما يحمل الحزب على اعتماد لغة التهديد.. بأي طريقة شرعية ودستورية، حان الوقت لأن تقوم الدولة وتضع حدّاً للدويلة التي تمتصّ خيراتها وإذا “ما كبرت ما بتصغر”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل