في العادة ، لا أحب السجالات التي تتحول غريزية وحوار طرشان وتسجيل نقاط على حساب الحقيقة احياناً ، ما يشتت المتابع ويجعله في حيرة وإرباك ، فيزيد التطرف عند هذا والعصبية عند ذاك .
ولكن ، ما نشهد في الأيام الأخيرة من حملات على سمير جعجع والقوات اللبنانية ، يثير مزيجاً من المرارة والإحباط ، ليس لأنه يستهدف الحزب ورئيسه ، بل لأنه يستعيد لغة سوقية وخطاباً تضخه طواحين الكذب وحرف الوقائع والتحريض الذي يستثير أحقادأ مجانية في ظاهرها ، وباهظة الأثمان في جوهرها .
ما اعرفه أن سمير جعجع مهذب للغاية ، حتى في المجالس الضيقة ، وأنه يتعاطى السياسة موازناً بين الاقتناعات المبدئية والواقعية ، وأنه لم يفتعل مرة هجوماً من لا شيء ، أو سعى إلى تركيب اتهامات وتزوير وقائع ، علماً أن كثيرين ينصحونه بالتخلي عن هذا النهج ، لأن السياسة لا ترحم .
ومع ذلك ، فهو غالباً في موقع دفاعي ، لأنه يؤمن بالعمل الحثيث بعيداً من الضجيج ، ويحسب الأمور بميزان الذهب . قد يخطىء حيناً ، وجل من لا يخطىء ، لكنه غالباً ما يصيب .
في موقفه الأخير من قانون الانتخاب ، أيقن أن ما يحصل من مماطلة ومناورات ، لا يهدف إلا إلى الإطاحة بالاستحقاق النيابي ، وأن هناك حفلة ابتزاز فاضح يقودها حزب الله وعنوانها إما الفراغ وإما التمديد . أما طرح الأورثوذكسي ، فهو كوعد الأم لابنها بحليب العصفور ، أو العاشق لحبيبته بأنه سيفرش لها الدرب بذهب الأرض ، وسيُنزل النجوم لتقبيل قدميها .
وهذه الحقيقة يدركها حزب الله ونبيه بري وميشال عون جيداً ، لأن إجراء انتخابات وفق المشروع الاورثوذكسي هو من خامس المستحيلات ، فضلاً عن أنه يشكل أفضل مدخل لطرح المثالثة وانطلاق المطالبة بالديموقراطية العددية .
مختصر مفيد موقف القوات اللبنانية :
الأورثوذكسي يعني ، كما قال صديق كبير ، كمن يطلب الوصول إلى الشمس ، لأن الوصول إليها مستحيل . وما حصل أن سمير جعجع عرض الوصول إلى القمر ، وهو أبعد الممكن . أما البديل ، فهو الاحتراق إن اقتربوا من الشمس ، أو البقاء على الأرض .
اليوم ، طلعت علينا جريدة يومية لا يتعدى مردودها الإعلاني نسبة 5% من تكلفة إصدارها ، والباقي مال نظيف ، ليتولى قلمان من كتبتها، والكتبة يُذكرون عادة في الأناجيل مع الفريسيين، تحرير مطالعات تنضح بالحقد والافتراء على تذاكٍ بائس ومكشوف ،وهي إن دلت على شيىء ، فعلى بلوغ التكسّب مبلغاً غير مسبوق ، في تمظهر للشيعية السياسية التي تضم تحت جناحها موارنة وسنة ودروزاً ، ويقودها حزب الله مستغلاً موقع العماد عون كمتراس في مسار مدروس ، يتعاطى مع المسيحيين كأهل ذمة يلجأون لحماية هذا الحزب وذاك النظام . الحزب يدفعهم إلى الواجهة ، بينما يتولى تشغيل المفاتيح وإدارة المحركات وتسديد الفواتير !
ختاماً . إليكم هذه الطرفة الصغيرة من كتاب ” إميل لحود للكلمة للوطن ” ، إعداد أمجد اسكندر من سلسلة منارات من لبنان للناشر جوزف رعيدي . وإميل لحود المقصود ، هو إميل لحود المحامي الألمعي والنائب والشاعر الساخر ، الذي اشتهر بمرافعاته والنكتة الحاضرة والشعبية الجارفة .
إذاً : ” في أحد المطاعم البيروتية ، وعشية العمل على تشكيل حكومة جديدة ، لاحظ إميل لحود نائباً جالساً إلى طاولة مجاورة وبيده قلم يوقّع به على معاملات ، فاقترب منه وحيّاه قائلاً : مساء الخير معالي الوزير . فذهل النائب وقال : خير ، سامع شي ؟ فأجابه إميل : كلا ، ولكنك توقّع من دون أن تقرأ ، يبدو أن وزارتك مؤمّنة “.
هكذا عندنا . كم من الذين يوقّعون عالعمياني ، وكم من الذين يقعون عالعمياني ويوقعون سواهم عالعمياني ؟
لقد وقّعوا على المشروع الأورثوذكسي ، فلم نقع في الفخ . فشلوا في المهمة الموكلة إليهم . لم يُنفذ الأمر . اطلقوا الحملات للتعويض . من الضحية ؟!
إن فشل محاولة إمرار الأورثوذكسي كما حصلت ، أشبه بفشل بمحاولة اغتيال سمير جعجع في معراب . الأولى محاولة اغتيال سياسي ، والثانية محاولة اغتيال جسدي !
لا مشكلة . عمالة سياسية وعمالة أمنية . في أي حال ، العميل يبقى عميلاً حتى يقتله عميل آخر ، أو ينكشف فيتخفى ، أو يَنتحر أو يُنتحَر ! والسلام .