#dfp #adsense

صرخة البطريرك

حجم الخط

نادراً ما ذهب بطريرك في التعبير عن غضبه الى ما ذهب اليه البطريرك بشارة الراعي… كذلك، نادراً ما ذهب سياسيون ببلد الى ما ذهب اليه سياسيون لبنانيون، بلبنان.

كان خطاب البطريرك يعصر ألماً، كانت لهجته شديدة تعبّر عن خيبة أمل عميقة. وكانت لهجةً ادانية لسلوك سياسي يفتقر الى الحكمة ويدفع بلبنان نحو الهاوية، بدلاَ من أن يدفعه عنها ويصونه منها. لم يتدخل البطريرك في شأن سياسي. تدخل في شأن وطني ومصيري. لم يتحدث البطريرك عن أي قانون انتخاب يريد أو لا يريد. ولم يبدِ رأياً بشأن أي صيغة للحكومة الجديدة يريد أو أي بيان وزاري لا يريد. ولكنه تدخل في صميم ما يعنيه، وهو أن يرفع الصوت عالياً محذراً وبغضب وقرف وقلق، من دفع لبنان نحو الكارثة. وحسناً فعل. بل ما كان له الا أن يفعل وقد اصبح لبنان -بسبب لا حكمة بعض هؤلاء السياسيين- على قاب قوسين أو أدنى من الهاوية.

أثنان كشفا عن عجز وفشل. اما العاجز فهو المسؤول السياسي. وأما الفاشل فهو النظام السياسي. ولكن لا المسؤول في عجزه، ولا النظام في فشله، يمثلان لبنان الذي هو أكثر من دولة، ولا حتى لبنان الدولة.. بل ولا حتى لبنان مشروع الدولة.

ان طبيعة الأمور تقضي بأن البقاء للأصلح، ولكن لا صلاح مع العجز ولا مع الفشل. وهذا يعني انه لا مكان في السلطة لمن هو عاجز، ولا استمرار لما هو فاشل. وهو يعني أكثر من ذلك. يعني ان لا استمرار للبنان اذا بقي رهينة بيد العاجزين والفاشلين. ولذلك دوت صرخة البطريرك خوفاً على لبنان. وكان لها أن تدوي.

ان الفشل السياسي على مدى عامين أو أكثر في الاتفاق على مشروع عادل للانتخابات لا يعبّر عن حد أدنى من المسؤولية. وتحميل النظام تبعات هذا الفشل لا يعطي الفاشلين حق الاستمرار بادارة الشأن العام وتقرير مصير البلاد.

يقف سياسيون لبنانيون أمام مرايا مقعّرة، ويحاولون تفصيل مشاريع قوانين على قياس ما يشاهدونه. ولذلك فشلوا دائماً. يستعظم احدهم حجمه فلا يرى الا نفسه. فهو يستصغر الآخر ويقزمه، ومن ثم يحاول أن يرسم له دائرة انتخابية بحجم الصورة التي يراه عليها. ولذلك فانهم لا يتفقون ابداً. لقد وافقوا على قانون فرضته عليهم الوصاية السورية. ووافقوا على قانون أملته عليهم الوساطة العربية. والآن بعد استعادة السيادة وبعد أن أصبح القرار بيدهم وملكاً لهم، عجزوا عن صناعة ارادة وطنية تتجسد في قانون وطني. بل انهم يحاولون الآن أن يجعلوا من فشلهم سبباً موجباً للتمديد للمجلس النيابي؛ إن سابقة التمديد فرضتها حرب أهلية طاحنة، اما الآن فان التمديد يفرضه فشل سياسي ماحق. وهم بذلك لن يظلموا أنفسهم فقط، ولكنهم يظلمون لبنان في الدرجة الأولى. لذلك كان طبيعياً أن يرفع البطريرك الراعي صرخته، فهل يسمعون؟ أم أن في آذانهم وقرا؟.

ظلم لبنان عندما تحول الى مسرح لحرب الآخرين. وهو الآن يظلم أكثر عندما يجري تحويله الى مسرح لحرب على الآخرين. فالحرب ليست في جبهة القتل فقط. ولكنها أساساً في جبهة تقويض الدولة، ودك أساساتها وتذويب مؤسساتها وتفريغها من روح وفاقها. برصاصة خاطئة يمكن قتل مواطن. ولكن بقانون خاطئ يمكن قتل وطن. صحيح ان الظروف السيئة تصنع قوانين سيئة. ولكن مَن غير السياسيين يصنع الظروف السيئة؟ ومَن غيرهم يتحمل مسؤولية القوانين السيئة؟ ومَن غير اللبنانيين يدفع ثمن الظروف السيئة والقوانين السيئة معاً؟

في الوقت الذي كانت لجنة التنسيق البرلمانية تنعى التوصل الى تفاهم مشترك حول مشروع قانون للانتخابات، كانت جامعة القديس يوسف تنظم مهرجاناً حوارياً لطلبة مدارس من كل لبنان ومن كل الأديان والمذاهب. كان السياسيون يتبادلون الاتهامات والادانات، وكان واحدهم يقول بحق الآخر ما لم يقله مالك بالخمرة؛ وفي الوقت ذاته كان الطلاب يرددون مع المنشدين “لبنان يا قطعة سما”.. و”راجع راجع يتعمر لبنان”. كان هؤلاء الطلاب في واد والسياسيون في واد آخر.. وقد جاءت صرخة البطريرك الراعي لتعبّر عن خوف على مستقبل هؤلاء الطلاب من واقع هؤلاء السياسيين..

لا يوجد سياسي واحد ممن رفع البطريرك الراعي صوته محذراً من الوضع الذي أوصلوا لبنان اليه، الا وهو من دم لبنان ولحمه. ولذلك فان الظلم الذي يلحقونه بلبنان هو ظلم ذوي القربى، الذي هو “أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند”. ولذلك كانت صرخته صرخة ألم ترددت اصداؤها عميقاً في ضمائر اللبنانيين جميعاً.

ففي الوقت الذي يجتاح المنطقة اعصار شديد مدمر، تؤدي لاحكمة بعض السياسيين اللبنانيين الى فتح الأبواب والنوافذ أمام هذا الإعصار ليعيث تخريباً وتدميراً. فإذا خسر هؤلاء لبنان فماذا يكسبون؟ أي عقل يقضي بذلك؟ يقول الامام علي كرم الله وجهه: “ربِ من أعطيته العقل ماذا حرمته؟ ومن حرمته العقل ماذا أعطيته؟”.

لقد كان البطريرك الراعي عاقلاً عندما رفع الصوت عالياً مندداً ومُديناً سلوك سياسيين لبنانيين يدفعون بأنانياتهم لبنان نحو كارثة الفراغ. فهل ان لدى هؤلاء السياسيين قلوباً يعقلون بها أو آذاناً يسمعون بها؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل