ماذا يريد المسلمون؟
كان هذا سؤال مسيحيي لبنان عندما بدأت نُذُر الحرب قبل الـ 1975. كانوا يستهجنون تمدد السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وخارج “اتفاق القاهرة”. وكان اطلاق النار خلال تشييع “شهداء الثورة” يستفزهم، وتستفزهم اكثر حماسة شركائهم المسلمين لكل ما يعاند سلطة الدولة.
لم يكن المسلمون يفهمون هذا التساؤل الا من زاوية “تحالف” المسيحيين مع الغرب وفي صلبه اسرائيل. وكانت تغضبهم “كيانية” المسيحيين، في مقابل عروبة فضفاضة لا تقف عند تحرير فلسطين.
كانت كلمة مسلمين تعني الشيعة والسنة، وكان الإسلام السياسي (السني) رداء استظلته “الحركة الوطنية” لمواجهة المارونية السياسية، بعدما عجزت علمانيتها عن شد العصب الاهلي. وهي نجحت بغطاء كمال جنبلاط، وبعداء مع “الاسلام السياسي”، بزعامة صائب سلام.
كان الطرفان ضحايا، وإنْ رأيا في ما يحققانه بطولة. كانا صادقين في هدفيهما: كلٌ يريد لبنان في صورة يراها هو الافضل، وكانت القوى الاقليمية والدولية، تستل من تصارعهما ما يفيدها. ويوم حان تفاهمها كان اتفاق الطائف: ولّى التقسيم وقبله الدور الفلسطيني، وتجدد الدور السوري بمساومة دولية. لكن الميثاق الوطني الجديد لم ينزل الى مستوى الناس الا يوم اغتيل الشهيد رفيق الحريري، وخرجت مليونية لبنان أولاً، وأخرجت الوجود العسكري السوري.
حزب الأمين العام كان في الضد، وبنى دولته على ضفاف دولة الطائف، وتنقل من خارج النظام، إلى مراقب من داخل السلطة التشريعية، فشريك دائم مهيمن في السلطة التنفيذية، وإرثاً لنظام الوصاية والممانعة المطرود. اليوم، وبدل السؤال “المسيحي” ماذا يريد المسلمون، صار السؤال “اللبناني”: ماذا يريد “حزب الله”، أو ماذا يريد شيعة الحزب؟ هل المراد جمعية تأسيسية تنسف الطائف، وتمحو “حراسة” نبيه بري لنموه؟
وكما هيمن التوجه إلى التقسيم لدى مسيحيي الحروب السابقة، يهيمن اليوم لدى كل اللبنانيين اليائسين من ارتداع الحزب عن مشاريعه، وعن تطاوله على الدولة وعلى الحدود، من البوسنة والهرسك، حيث قاتل المسيحيين (لم يعلق الجنرال)، إلى سوريا حيث يقاتل شعبها المكون – حسب قائده – من السنة التكفيريين.
لكنّ ظن اللبنانيين في مكان، ونظرة الحزب إلى مكان آخر. فدولته نموذج للبنان الذي يريد، وإعادة النظر في الطائف هي من باب تحصيل الحاصل. فمن يقاتل في سوريا، ويتكامل مع جيش المالكي، وينسق مع طهران، ويصوِّر نفسه رقما إقليميا صعبا، ويمهد لظهور المهدي، ولا يخفي تشيعه الفارسي، ولا يرى دولة في لبنان، هل يعنيه الوصول إلى تفاهم داخلي إلا إذا كان جزءاً من الجمهورية الاسلامية؟ مع “تجربة” الحزب يكتمل عنقود تجارب الطوائف. السابقة جميعا حالفها الفشل الذي ينتظر الحالية، لمعاندتها التاريخ والجغرافيا. ولكن حتى إعلان ذلك، اسألوا الله أن يكون عبورنا هذا النفق المظلم سريعا وخفيفا.