#dfp #adsense

رسالة الى الرئيس الشيخ حسن روحاني

حجم الخط

فإننا إذ نهنئ الشعب الإيراني بهذا الانتصار العظيم الذي تحقق بانتخابك فإننا لا ننسى أن نتذكر أنه انتصار لأرواح كل الشهداء ولتضحيات كل المعتقلين والمعذبين والجرحى من أبناء حرية إيران وكرامتها.

إننا نخاطبك باعتبارك حاملاً لتطلعات وآمال الشباب والصبايا من أبناء هذا الشعب العظيم الذي نتمنى له دوام التوفيق على طريق تحقيق استقلاله وحريته وبناء دولته الوطنية الديمقراطية الضامنة لحقوق المواطنين وللمساواة والعدالة بين الجميع ومن أجل الجميع.

ونخاطبك باعتبارك رئيساً لدولة عزيزة شقيقة لها مصالح وسياسات في بلادنا العربية ونتمنى أن تقوم بيننا وبينها أعلى درجات الوفاق والتضامن والتعاون في سبيل عزة وازدهار العالمين العربي والإسلامي.

سيدي الرئيس

تعيش بلادنا العربية اليوم حال من الفوضى ومن العنف ومن الصراعات الناشئة عن استبداد طال عمره حتى جاوز النصف قرن، وعن تدخلات خارجية لم تنفك تفعل في بلادنا منذ كان التاريخ.

وأنت من الذين يعرفون مع رفاقك في الحركة الإصلاحية وأبطال مرحلة النضال الثوري التاريخي لشعب إيران لاسقاط طغيان الشاه وتحرير قرار إيران كما خيراتها ومواردها من الاسترهان للخارج، أن الاستقلال والحرية هما أغلى أماني الشعوب، وأن الديمقراطية هي أفضل وأقصر وأجمل طريق لتحقيق العدالة والمساواة في المجتمعات، وأن الكف عن الأذى والعدوان والظلم، وبناء سياسة خارجية قائمة على المصالح والمنافع المتبادلة، كما على القيم الانسانية الفاضلة من أخوة وحرية وسلام وكرامة، هي ما نطمح اليه جميعاً في هذا الشرق الذي طال شوقه للحرية والسلام.

من هنا ولأننا نثق بخيارات شعب إيران التي سرقوها منه عام 2009، والتي نأمل أن يحافظ عليها معكم وبكم في هذا الانتصار التاريخي اليوم، نتوجه اليكم لكي نعمل معاً على تحقيق ما هو خير ومصلحة للعرب ولإيران.

لقد عاشت منطقتنا العربية-التركية-الإيرانية في حال من الصراعات ناتجة عن عجز خماسي الأضلاع:

1. عجز عربي عن إنتاج مشروع نظام إقليمي عربي جديد يرسم أدواراً واضحة للجميع ويبني علاقات سوية مع الجميع. ففي مقابل الرفض المشروع لخطة الشرق الأوسط الكبير لم تقدم الدول العربية الرئيسة أي مشروع جدي… فهي لم تستطع في السابق منع كارثة العراق، ولم تستطع اليوم منع كارثة سوريا… وبالتالي فقد عجز العرب عن بلورة موقف محدد وموحد يصلح أساساً للتحاور مع إيران. وفي غياب الموقف العربي المدافع عن مصالح عربية مشتركة وأمن عربي مشترك، برز سلوك إيران القومي الذي يقوم على تحقيق مصالحها بغض النظر عن مصالح دول الجوار العربي، ما نتج عنه سياسات تدخل وهيمنة لم تفعل غير تأجيج أحقاد وذكريات الماضي والتوترات المذهبية.

2. عجز إيراني عن إنتاج معادلة داخلية جديدة تخرج من أزمة ولاية الفقيه لتدخل في عمل مشترك مع العرب من أجل إسلام ديمقراطي تعددي وحضاري. ومع وصول تحالف أحمدي نجاد-خامنئي إلى السلطة تفاقمت أزمات إيران الاقتصادية والاجتماعية كما تفاقمت عزلتها الاقليمية والدولية ما أدى بها الى مزيد من التشدد ومن التمسك بالحلف مع سوريا وضرورة استمرار الامساك بالورقتين اللبنانية والفلسطينية. وهذا ما يفسّر سياستها الهجومية في لبنان وصولاً الى دعمها السياسي والعسكري للنظام السوري.

3. عجز أميركي عن تغليب منطق العدل والحقوق وعن صياغة علاقات متوازنة مع دول المنطقة (ولا نقول علاقات ضد إسرائيل، بل على الأقل متوازنة) وقد تفاقم هذا العجز بعد احتلال العراق وما يجري في فلسطين… وواصلت الإدارة الأميركية سياسة العزل ضد إيران ما سمح بتصاعد قوة الجناح الأصولي والمحافظ المعادي للانفتاح على العرب وعلى العالم.

4. هذا العجز الأميركي ومثيله العجز الأوروبي عن صياغة مشروع أوروبي موحد وفاعل في الشرق الأوسط خارج إطار الهيمنة الأميركية، سمح لروسيا بالنفاذ الى المنطقة مجدداً من خلال التحالف مع سوريا أولاً ودعم إيران ثانياً في وجه العقوبات وفي دبلوماسية الملف النووي. وبالتالي فقد تشكل حلف جديد يدافع عن مصالح إيران النووية ولكنه في الوقت نفسه يدافع بشراسة عن أسوأ نظام مافيا إجرامية طائفية عرفها التاريخ العربي المعاصر.

5. عجز إسلامي عن إقامة تضامن حقيقي ولو بالحد الأدنى بين أنظمة العالم الإسلامي وعن انتاج خطة مواجهة (ليس بالضرورة خطة صدام أو تصد) وعن توحيد الجهود وبلورة المشتركات وتحديد الأولويات حفظاً للذات ليس إلا وتطويراً لدور في عالم اليوم.

سيدي الرئيس

إن العالم العربي والإسلامي يتمزق على المستوى الإقليمي بين وجود صهيوني توسعي استيطاني واحتلال أميركي ودولي يهدد الأمن القومي للمنطقة وبلدانها ولاستقرارها وازدهارها، وبين صراع عربي- عربي، وعربي- إيراني وإيراني- تركي، يلقي بظلاله القاسية والمدمّرة على أمن العرب ووحدتهم كما على أمن المنطقة واستقرارها وازدهارها.

إلا أن كل هذه الصراعات البينية ليست ولا يجوز أن تكون من النوع الذي يهدد استقرار وأمن وأمان المنطقة العربية-الإسلامية الشرق أوسطية وإنما ينبغي أن تكون من نوع التحديات التي يتوجب أن نعمل جميعاً وكل من موقعه على وضعها في سياقاتها الفعلية وطرحها ضمن أطرها وإيجاد حلول لها تكون واقعية وعملية ولمصلحة العرب وإيران وكل دول الجوار أولاً ثم لمصلحة كل العرب والمسلمين ثانياً، ناهيك عن مصالح المجتمع الدولي والسلم العالمي..

إن على العرب والمسلمين اليوم المبادرة إلى العمل على تحييد وشل الصراعات الخارجية وضرب معادلة الغلبة والاستقواء التي أضعفت العرب كما أضعفت وأضرت إيران وكل دول الجوار، واستشراف مستقبل العرب ولإيران من خلال صياغة خلاقة لدورهم في المنطقة وعلاقاتهم ببعضهم البعض.

إن حرصنا العربي على العلاقات الاخوية والمميزة مع الجيران وفي طليعتهم الأخوة في الإسلام (تركيا-إيران) يتطلب أن يتم توضيح جملة حقائق أولها أن بلاد العرب لم تعد مسرحاً لتضارب السياسات الدولية وإنما يتوجب أن تكون ملتقى العرب والمسلمين لصياغة دور حضاري يليق بهم في عالم اليوم.. إن المطلوب اليوم هو الدعوة الى صياغة شراكة إقليمية استراتيجية حقيقية بين الدول العربية-الإسلامية الشرق أوسطية تشمل الأمن والاقتصاد والسياحة والزراعة والصناعة والخدمات وتضمن دوراً محدداً لكل دولة وحدوداً منطقية معقولة ومقبولة ومتعاهد عليها لكل دور، دون افتئات ولا طغيان، وعلى أسس الحوار الدائم، وحل المنازعات بالوسائل السلمية، والتحكيم في النزاعات، والاحترام المتبادل لمصالح الجميع، والتعاون والتضامن على البر والتقوى ورد الإثم والعدوان، وحسن الجوار، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل.. وبإمكاننا أن نلعب دور المحرّض والمحفّز لإقامة شرق أوسط جديد فعلاً هو شرق أوسط الشعوب والدول العربية-الإسلامية المتعايشة لا المتحاربة، المتعاونة لا المتضاربة… شرق أوسط تتحقق فيه وبواسطة شعوبه ودوله الحرية والكرامة والعدالة والمساواة والديمقراطية والتنمية والاستقرار والإزدهار لكل العرب والمسلمين…

سيدي الرئيس

لا معنى لأي ثورة ولأي مقاومة ولأي نضال إن لم يكن من أجل الانسان: حياته أولاً ثم كرامته ثم حريته ثم حقوقه في الأمن والأمان وفي الاستقرار والازدهار… نعم هذا هو معنى الإسلام المحمدي الأصيل لا إسلام دول الغلبة والاستيلاء والاستبداد، ومعنى التشيع العلوي لا التشيع الصفوي، ومعنى الديمقراطية والحرية لا الاستعمار والامبريالية… لا يمكن أن نتقدم من دون حرية وديمقراطية وكرامة وعدالة…

إن رجال الحركة الإصلاحية في إيران هم أبناء الثورة الإسلامية، عرفوا السجون والمعتقلات، والتعذيب والنفي وكل أنواع القمع والتنكيل… قاتلوا في صفوف الثورة الفلسطينية… وكانوا رفاق وأصدقاء كل الحركات الإسلامية والعروبية واليسارية يوم عز الرفاق… وكانوا رفاق وأصدقاء كل المثقفين العرب الذين شمت بعضهم بهم حين تعرضوا للسجن والقتل والتعذيب… أو اتهموهم بالعمالة للغرب ولأميركا واسرائيل…أو بتنفيذ سياسة الغرب حين طالبوا بالإصلاح والديمقراطية والحرية… الى هذا الحد هانت مطالب الناس ومصالح الناس وحقوق الناس… يختزلون الإسلام والعروبة والثورة والمقاومة بصباط العسكر وبسنابك الخيل أي باستبداد الحكام الظلمة الفجرة… وتراهم يلطمون في عاشوراء متناسين قول الحسين: “ما جئت أشراً ولا بطراً…انما جئت لطلب الإصلاح في أمة جدي”…

سيدي الرئيس

نعم إيران دولة إسلامية كبيرة بل كبرى واجب علينا التعاون معها والتضامن معها ولكن ليس على حساب المصالح العربية والتضامن العربي، وليس على حساب العدل والكرامة والحرية والديمقراطية لجميع الشعوب الإسلامية…

نعم لإيران الحق بامتلاك تكنولوجيا نووية وكل ما تراه مناسباً لنهضتها وازدهارها واستقرارها وحماية أرضها وشعبها من أعدائها… ولكن ليس من خلال استخدامنا متاريس لها أو بوابات دامية للتفاوض والصفقات مع إسرائيل وأميركا…

نعم إيران دولة رئيسية في المنظومة الإسلامية والشرق أوسطية ولكنها لا تستطيع ولا يجوز لها أن تفكّر بأن تكون الدولة الأساسية والدولة المحورية والدولة القادرة على فرض إرادتها بالقوة… وعلى إيران الحرة الكريمة أن تبادر لكي تعيد تنظيم علاقاتها مع الجوار العربي والتركي وعلى قواعد التعاون والاعتماد المتبادل والمساواة والندية وفي مواجهة تحديات دخول العصر والعالم والفعل فيه لا الانفعال… وللتقدم معاً وانهاض وتنمية بلادنا ومجتمعاتنا وتحقيق العزة والكرامة والأمن والسلام لشعوبنا… لا القهر والذل والفقر والجوع والنفي والتشرد…

وفي الختام أرجو أن تنقلوا تحياتنا النضالية الحارة إلى جميع المعتقلين من أبطال ربيع طهران 2009 وعلى رأسهم رفاقك وأحبابك الرئيسين مير حسين موسوي ومهدي كروبي. وإلى الأصدقاء السادة: سعيد حجاريان، محسن ميردامادي، بهزاد نبوي، أحمد زيد آبادي، مصطفى تاجزاده، محسن أمين زاده، عبدالله رمضان زاده، محسن صفائي فرهاني، محمد قوتشاني، محمد عطريانفر، محمد علي أبطحي، محمد رضا جلائي بور، فيض الله عرب سرخي، وغيرهم ممن نسيت أسماءهم ولم أنس صورتهم الرائعة وهم يقودون الحراك الثقافي والفكري والسياسي لشبيبة إيران.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل