والفراغ في هذا المجال حتميّ، لأنّ “حزب الله” ليس بوارد تكرار تجربة الرئيس التوافقي الذي مجرّد أن مارس دوره في “السهر على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه” اصطدم بالحزب، ولا حاجة للتذكير بالدور الذي لعبه ميشال سليمان في السنتين المنصرمتين وأزعج “حزب الله” في أكثر من موقع ومجال، من الاستراتيجية الدفاعية وحق الجيش الحصري بالدفاع عن لبنان، إلى رفضه قتال الحزب في سوريا، وما بينهما إداناته المتكرّرة لكل الانتهاكات السورية للسيادة اللبنانية، فضلا عن أنّ الحزب، على غرار النظام السوري، يسعى للاستئثار بالمواقع الرسمية التي هي على تماس مع عواصم القرار العربية والغربية للحؤول دون إرباكات خارجية من طبيعة سيادية.
فالحزب الذي اضطرّ إلى فكّ ارتباطه مع رئاسة الحكومة لتبريد السّاحة السنّية وتجنّب الفتنة في لبنان لاستكمال معركته السورية، لا يجد نفسه مضطراً لتبريد السّاحة المسيحية التي لا تدخل في اعتباراته إلّا من زاوية منحه الغطاء الوطني لمشروعه الإقليمي، وبالتالي لن يكون بوارد تكرار “مغامرة” إيصال رئيس للجمهورية غير مضمون. وبما أنّ ميزان القوى لا يتيح له إيصال رئيس من 8 آذار، فيعني أنه سيُبدّي الفراغ على أي اعتبار آخر، هذا الفراغ الذي يدخل أساساً في صلب أجندته السياسية لإبقاء احتمالات تعديل النظام السياسي مفتوحة بما يخدم استمرار وظيفته في حال انتفاء دوره الإقليمي مع هزيمته سوريّاً.
ومن سخريات القدر أن يتحوّل الفراغ إلى مسألة بديهية في الحياة الوطنية، والأسوأ أن يتحكم طرف معيّن بمصير الرئاسات الثلاث على قاعدة الفراغ ممنوع في الرئاسة الثانية ومشروع في الأولى والثالثة. ولكنّ اللافت تأكيد الرئيس نبيه برّي في مناسبات عديدة أنّ انتهاء ولاية مجلس النواب دون الانتخاب والتمديد لا يعني الفراغ في المؤسّسة الأم، إنما استمرار تصريف الأعمال بما يجيزه الدستور تحت عنوان استمرارية المرفق العام.
وما تقدّم يعني أنّ الفراغ الفعلي لا يطال الرئاستين الثانية والثالثة بدليل وجود رئيس حكومة تصريف أعمال ورئيس حكومة مكلّف، ولو أنّ صلاحيّات تصريف الأعمال محدودة في الزمان والمكان، إلا أنها تبعد الفراغ التام والشامل عن الرئاسة الثالثة وحتى الرئاسة الثانية إذا صحّ ما قاله برّي، وبالتالي فالسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا ينسحب هذا الواقع على الرئاسة الأولى؟
فلا التمديد مطلوب ولا التجديد بطبيعة الحال، لا بل يجب احترام المادة 49 من الدستور التي لا تجيز إعادة انتخاب الرئيس إلّا بعد ست سنوات على انتهاء ولايته، فضلا عن أنه يجب الانتهاء من زمن لـ”مرّة واحدة وأخيرة والظروف القاهرة”.
ولكن كما أنّ التمديد والتجديد ممنوعان، فالفراغ ممنوع أيضاً من زاويتين مسيحية ووطنية، ومن يعتقد أنّ بإمكانه أن “يستوطي حائط المسيحيّين” فهو مخطئ. ولذلك، يجب إيجاد الصيغة الدستورية أو القانونية التي تبقي رئيس البلاد في موقعه في القصر الجمهوري بانتظار انتخاب خلف له، خصوصاً أنّ المبادرة بالانتخاب ليست بيده، وبالتالي لا أحد يستطيع التذرّع بأنّ الرئيس حال دون الانتخاب للاستمرار بقوّة الأمر الواقع في منصبه.
وإذا كان من تعديل دستوري، فليس للتمديد والتجديد ولا غيرهما، إنما من أجل إدخال مادة في صلب دور رئاسة الجمهورية وصلاحيّاتها تنصّ على مهمّة تصريف الأعمال وحدود هذا التصريف بعد انتهاء ولاية الرئيس، وذلك تجنباً لتفريغ أرفع موقع دستوري في الجمهورية اللبنانية، وتحصيناً لموقع المسيحيّين وحضورهم من دون المساس في الوقت نفسه بصلاحيات الرئاستين الثانية والثالثة.
يجب قطع الطريق على محاولات تفريغ رئاسة الجمهورية، كما قطع الطريق على المحاولات الرامية إلى إنبات العشب على طريق القصر الجمهوري، وبالتالي الرئيس ميشال سليمان مدعوّ إلى البقاء في موقعه في “بعبدا” حتى تسليم أمانة الجمهورية لخلَفه.
