انتهت حرب القصير، سواء “إنتصر” كل من حزب الله والنظام السوري ام لم ينتصرا، المهم إنها انتهت ومعها انتهى “الكابوس” الذي كان يؤرق مضاجع مقاتلي الحزب بالدرجة الاولى وأهاليهم بالدرجة الثانية خصوصاً بعد أن خفّت اعداد القتلى بشكل ملحوظ مع إنتهاء العمليات العسكرية في المدينة التي شبّهها البعض بفييتنام العصر لما خلّفته من مآسٍ وآثار في نفوس كل من شاركوا بهذه الحرب سواء أكان بشكل مباشر على الجبهات او غير مباشر في غرف المعلومات والتخطيط.
لم تكد عائلات شهداء “حزب الله” وجرحاه الذين سقطوا في القصير تلتقّط أنفاسها بعد الآلام والإنتكاسات التي حلّت بها، ها هي لحظات الخوف التي عاشتها جرّاء استدعاء ابنائها للإلتحاق بهذه الجبهة تعود لتدخل بيوتها مجدداً بعد التسريبات التي بدأت تخرج عن مراكز القرار في قيادة الحزب والتي تدعو عناصرها إلى التحضّر للمعركة الاكبر تحت عنوان “تحرير حلب”، وتطلب في الوقت عينه من جميع عناصرها التي كانت تعرّضت لإصابات خفيفة، الإستعداد قبل ساعة الصفر والتي على ما يبدو انها ستبدأ في أواخر الشهر الحالي.
هم مجموعة من رفاقه جاءوا لكي يطمئنوا إلى وضعه الصحي بعد الإصابة التي تعرض لها برجله في مدينة القصير، يسأله احدهم إن جرى إبلاغه بضرورة الإستعداد للمرحلة المقبلة والإلتحاق بنقطة عمله قبل نهاية الشهر؟. يهزّ برأسه نافياً من دون التمكّن من الكلام، إلا أن سؤال رفيقه يصل إلى مسمع والدة الجريح عباس منصور الذي كان أصيب خلال محاولته اقتحام مطار الضبعة مع المجموعة التي كان يقاتل في صفوفها، فتبادر إلى القول، “لن أرسله مرّة ثانية إلى هناك وليفعلوا بنا ما يشاءون”، وتضيف “بيكفينا دم وبيكفينا شهداء”، وتتابع مشيرة إليه “إسألوه عن المشاهد التي رآها في القصير، إسألوه عن الخيانات والسرقات التي كانت تحصل هناك، واسألوني عن “النوبات” التي ما زال يتعرّض لها أثناء نومه في الليل والنهار”.
لعباس حكايات وروايات عن حرب القصير يحتاج سردها الى أيام وليال، وأخطرها تلك التي تتعلق برفاقه الذين سقطوا أمام عينيه إما بسبب الخيانات وإما بسبب الأخطاء العسكرية والتكتيكية التي ارتكبها عدد من قياديي “حزب الله”. يُخبر إبن العشرين عاماً عدداً من أفراد عائلته، عن أشرس المعارك التي خاضوها على تلّة “النبي مندو” المُطلّة على مدينة القصير بأكملها، فيكشف كيف جرى تسليم هذا الموقع مرتين للثوار على يد عميد في جيش النظام، “في هاتين المرتين سقط لنا اكثر من عشرين “شهيداً” عدا عن رصاصات الغدر التي كانت تُطلق علينا من الخلف”، ويكشف عن السرقات التي كان يرتكبها عناصر النظام وشبّيحته لدرجة أنه في كثير من الأحيان، كانت تقع بينهم معارك ضارية بسبب ما يعتبرونه غنائم حرب كانت تُسفر عن قتلى وجرحى في صفوف الفريقين.
“لن أعود إلى سوريا مجدداً”، يقول عباس، فالأمر بالنسبة اليه قد إنتهى وهو غير مستعد لأن يُقتل في سبيل قضية لاتهمه في الأصل، “فليدافع السوريون عن أرضهم أمّا إذا جاء التكفيريون إلى لبنان فعندها يكون الدفاع واجباً شرعيّاً”. ويُقسم عباس لأقربائه بالنبي والإمام علي، أنه في الأيام الاخيرة من حرب القصير، كان يُمنع عليهم ترك عناصر جيش النظام وحدهم، “كانت الأوامر أن نبقى معهم أينما وجدوا خوفاً من حصول عمليات إنشقاق” وهذه الاوامر ما زالت سارية حتى اليوم وهي صادرة عن ضباط كبار في الجيش النظامي وقياديين في الحزب.
بين صفوف العائدين من حرب القصير، لم تكن حالة عباس فريدة من نوعها، إذ تؤكد والدته ان مجموعة من الأمهات كانت طلبت اكثر من مرّة من مسؤولين في “حزب الله” لقاء السيد حسن نصرالله لإبلاغه رفضهن مشاركة أبنائهن في الحرب السورية إلا أن طلباتهن لم تؤخذ على محمل الجديّة، ومن خلال الأحاديث التي يتواترها البعض في الضاحية الجنوبية، فقد علمت والدة عباس أن القيادة العسكرية في الحزب، قد وضعت لمساتها الأخيرة على مسودة الخطط العسكرية التي سوف تُتبع في معركة حلب، وتقول، “يبدو أن مشاركة الحزب في حلب، لن تكون علنية في البداية على غرار حرب القصير”، لكن أخطر ما كانت سمعته، كان عن التكليف الشرعي الذي صدر في الخفاء والذي قضى باستحداث عدد من القبور في مناطق “حزب الله”، بما فيها روضة الشهيدين التي ما عادت تتسع ولو حتى لموطئ قدم”.