قبل أسبوعين، كسر جرحى القصير إرادة القتال لدى ثوارها. انسحبوا من المدينة مع من تبقى من أهلها، وأعلن “حزب الله” والنظام السوري الانتصار!. في غمرة فرحتهم بـ”إنجاز” القصير، ارتفعت أقدامهم عن الأرض؛ فحلقوا بعيداً في أحلام تحقيق انتصارات إضافية. انتقل مقاتلو “حزب الله” إلى مناطق جديدة في سوريا، وحشدوا جيداً في نُبّل والزهراء بريف حلب، وقال زعيمهم “إن مشروعهم (المعارضة السورية) بدأ يُهزم وأن موازين قوى بدأت تتغير”… فيما أخذت الحماسة أبواق النظام السوري في سوريا ولبنان؛ فقال أحدهم: “بعد سوريا سنذهب إلى الخليج”، وقال آخر: “بعد حلب سنذهب إلى كيليكيا (منطقة في تركيا اليوم)”!.
في هذه الأجواء أطلق النظام السوري “عاصفة الشمال” لـ”تحرير حلب وريفها من التكفيريين”، ورسم خطة التقدم الآتية: السيطرة على المرتفعات الإستراتيجية التي تُشرف على ريف حلب؛ بحيث تصبح بلدات معرة الأرتيق وعندان وكفرحمرا ساقطة عسكرياً- تحقيق التواصل الجغرافي بين مناطق سيطرة جيش النظام ومناطق سيطرة حزب العمال الكردستاني (BKK) المتحالف مع نظام الأسد- فك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين- تحقيق التواصل بين هذه المناطق جميعها والإطباق على حلب.
مرت أيام بعد أيام من دون أن يتمكن جيش الأسد من تحقيق أي إنجاز له في معرة الأرتيق أو في أيٍ من المناطق الأخرى، وأخفق في تحقيق تقدم؛ وعد به الناس في حي صلاح الدين في حلب، وفشل مقاتلو “حزب الله” في سند الخابية (على قاعدة أن البحصة تسند الخابية وفق تعبير الأمين العام للحزب في خطابه الأخير).
في الأصل، ثمة من كان يعتقد أن تركيز النظام على حلب ليس إلا خدعة ليتفرغ إلى الإجهاز على ثوار حمص وبعض أحياء دمشق ومناطق الغوطتين الشرقية والغربية، وثمة من كان يعتقد أن ما يتمناه النظام و”حزب الله” ليس إلا أضغاث أحلام، لأن مناطق الريف الحلبي والإدلبي أصبحت منفصلة عملياً عن النظام، وكذا بعض أحياء حلب، وستكون استعادتها صعبة جداً، لوفرة المقاتلين والسلاح والامتداد الجغرافي الشاسع والمتصل بتركيا. يدلل هؤلاء وهؤلاء بدعاية النظام قبل سنة تقريباً يوم كانت قوته أكبر- أنه سيستعيد حلب في أيام قليلة… ليخلص بعضهم إلى توقع معارك طاحنة من دون أن تسفر عن تقدم حاسم للنظام.
كانت هذه التقديرات هي السائدة في الأيام التي تلت سقوط القصير مباشرة، أما اليوم فقد تبدلت المعطيات، وثمة تقديرات بـ”تحرير” مناطق جديدة في الشمال تحديداً، من دون استبعاد أن تصبح حلب كلها بأيدي الثوار. ما الذي جرى لتتغير المعطيات؟ إنها القصير، ما بعدها ليس كما قبلها!.
يسمّي المعارضون السوريون في الخارج والثوار المقاتلون في الداخل؛ انسحاب المقاتلين من القصير، وتالياً سقوطها بيد “حزب الله” وجيش النظام السوري بـ “الفتح”، حيث نبّه دخول “حزب الله” الواسع في القتال إلى جانب النظام السوري كثيراً من الدول والجماعات إلى ضرورة تغيير تعاطيها مع الثوار السوريين، وعليه؛ فقد انفتحت قنوات كانت مقفلة، وطُرحت موضوعات كانت مستبعدة، وحصلت تغيرات يمكن رصد تداعياتها بسهولة في الأيام والأسابيع المقبلة:
1 – ازدياد حجم الاستياء في الشارع السوري وجيش النظام نفسه مما جرى في القصير؛ ما رفع منسوب الانشقاقات، حيث سجل انشقاق أكبر مجموعة ضباط منذ بدء الثورة؛ 73 ضابطاً دفعة واحدة.
2 – انتشار حالة شديدة من الغضب في الشارعين العربي والإسلامي؛ انعكست دعوات متصاعدة لمقاطعة البضائع الإيرانية (دول الخليج)، وجمع التبرعات لتجهيز المقاتلين، ودعم الشعب السوري، ومهاجمة أئمة المساجد – بمن فيهم المسجد الحرام والمسجد الأقصى- إيران و”حزب الله”، وتصعيد الحركات الإسلامية -بما في ذلك التي كانت للأمس القريب صديقة لـ “حزب الله”- من انتقادها الحزب بسبب تدخله في سوريا.
3 – اجتماع عشرات العلماء المسلمين في القاهرة، على رأسهم العلامة يوسف القرضاوي، وإعلانهم الجهاد في سوريا، بالنفس والمال، رداً على جرائم الأسد وتدخل “حزب الله” وإيران في سوريا.
4 – رفع الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي من حدة مواجهتها “حزب الله” لدرجة اعتباره منظمة إرهابية وتتّبع داعميه في دول الخليج، وحظر التعامل معه.
5 – إعلان الرئيس المصري محمد مرسي وقوف بلاده وجماعته ضمناً- ضد “حزب الله”، وقطع علاقات بلاده تماماً مع سوريا، وإغلاق السفارة السورية في مصر، وسحب القائم بالأعمال المصري من دمشق.
6 – رفع الولايات المتحدة الأميركية الحظر عن توريد السلاح للثوار السوريين، وطرحها بشكل جدي لأول مرة إمكانية فرض منطقة عازلة من خارج مجلس الأمن.
وقد سمحت المعطيات المتقدمة بحدوث تغيرات؛ تحقق بعضها والبعض الآخر على الطريق؛ حيث تفيد المعلومات بالآتي:
1 – أبلغت الحكومة التركية جميع المعارضين الذين التقوها أنها “لن تسمح باقتراب جيش النظام السوري والمقاتلين الأكراد المتحالفين معه إلى حدودها”، وأنها “ستدعم المعارضة بكل ما يلزم في الشمال السوري”، وهي مررت بالفعل كميات من الأسلحة بعد فترة من التضييق.
2 – استقبلت العاصمة السعودية الرياض وفداً من المعارضين السوريين؛ بحث مع كبار القادة السياسيين والأمنيين في واقع الثوار وحاجاتهم وسبل دعمهم، وكانت اللقاءات إيجابية جداً، على ما أفاد المعارضون.
3 – التقى مبعوث الحكومة الفرنسية في مدينة اسطنبول التركية وفداً من قادة الكتائب السورية المقاتلة وبحث معه في حاجات المقاتلين من السلاح.
4 – تلقى عدد من المجموعات المقاتلة في سوريا سلاحاً مضاداً للطائرات قبل أيام، وصواريخ مضادة للدروع من نوع كونكرس الروسية، وأنواع أخرى، وثمة وعود بأسلحة إضافية، لتحقيق توازن في المعادلة القتالية على الأرض.
في الداخل السوري ثمة تحفز واضح في مناطق الثوار خصوصاً في الشمال. بحسبهم ستكون المرحلة الأولى صد هجوم جيش الأسد و”حزب الله”. في المرحلة الثانية استكمال تحرير مناطق إضافية ومراكز محافظات شمالية. في المرحلة الثالثة دعم ثوار حمص ودمشق وباقي المناطق السورية. تبدو أجواء المعارضين وقادة الكتائب مغايرة تماماً لتفاؤل النظام وحلفائه. ثمة من يختصر المشهد بالقول: “عاصفة الشمال” ليست إلا مزحة تماماً كمزحة اندلاع الثورة في تركيا!.