بدا واضحاً أن الأحداث أو الجبهات المتنقلة من طرابلس الى البقاع وعلى طول الحدود اللبنانية – السورية، وصولاً الى صيدا في محطتها الأخيرة، تسير وفق خطّ بياني رسمه مصممو الفتنة المتنقلة بين هذه المناطق، وتعمل على إيقاع الجهات الممسكة بقرار الحرب الدائرة في سوريا، التي تتقاطع مع حسابات قوى إقليمية ودولية ترى أن مصلحتها قائمة في إراقة المزيد من شلالات دماء الشعب السوري.
جولة العنف التي شهدتها صيدا أول من أمس، لم تكن إلا محطة في مسار طويل، وإذا كان هناك من يرفض العنف المتنقل وجولات الموت المجاني، فإن ثمة أسئلة تفرض نفسها اليوم، إذ بات من حق أي مواطن لبناني أن يسأل: ما هي أبعاد الجبهات المصطنعة في المناطق ذات الغالبية السنية؟، ما هو الهدف من تحويل طرابلس وعرسال وصيدا والقرى الحدودية الى بؤر أمنية دائمة التوتر، ترتفع وتيرة جولاتها الدموية حيناً، وتنخفض حيناً آخر على إيقاع نجاحات وإخفاقات “حزب الله” في معاركه الجارية في الداخل السوري؟، لماذا يبقى “حزب الله” الطرف الموجود دائماً في نزاعات هذه المناطق، فيما مناطقه الخالصة مغلقة دائماً، وغير قابلة للاختراق بمعنى أنه يصرّ على خوض معركته على أرض الآخرين؟.
طبعاً لا يحتاج المرء الى كثير عناء، ليكتشف أن ما يجري في هذه المناطق، يأتي في سياق سيناريو مرسوم مسبقاً، ومعروف الأبعاد والأهداف والنتائج”. فالحزب الذي يرفع راية “المقاومة” لا هدف استراتيجياً له اليوم يتقدم على مقاومة ثورة الشعب السوري، والعمل لتضييع تضحيات هذا الشعب من أجل الحرية والحياة الكريمة، وهو بذلك يستنسخ تجربة الأعداء في ما يسمى “الحروب الاستباقية”، وخوض هذه الحروب على “أرض الأعداء”، ليطبقها على خصومه سواء في الداخل، أو أعدائه المفترضين في سوريا كما هو حال حربه اليوم مع المعارضة السورية، وأدائه بأنه يواجه “تكفيريين وإرهابيين” يريد اجتثاثهم داخل مدنهم وقراهم وأرضهم قبل أن يصلوا اليه في لبنان لمواجهته. أو الخطط الأمنية التي تكتشفها بعض دول الخليج، والتي يدفع ثمنها اللبنانيون المقيمون في هذه الدول من مصالحهم وأرزاقهم.
اللافت أن “حزب الله” وفي ظل ضبابية المشهد السوري، وعدم وضوح الرؤية بالنسبة الى المستقبل تورطه غير المحسوب في الأزمة السورية، وما دامت قوات النخبة لديه موزعة في الجبهات السورية، فإن أجندته في الداخل ترتكز على عنوانين أساسيين، الأول أن تبقى معاقله ومناطق نفوذه محيدة وآمنة لأنه لا يحتمل في هذه المرحلة أي اضطراب داخل بيئته الشعبية المتململة أصلاً من تزايد خسائرها في سوريا، أما العنوان الثاني فمؤداه تغذية البؤر الأمنية أو “الجبهات المتنقلة” داخل بيئة خصومه السياسيين، عبر إمداد هذه البؤر بالعتاد والسلاح لإشعالها عند الضرورة، وتفريخ مجموعات عسكرية تابعة له، تماماً كما هو مربعه الأمني في جبل محسن، وبعض المجموعات الممولة من ماله النظيف والمنتشرة في الزاهرية وباب الرمل وأبي سمراء في طرابلس، والمسلحة من مخازنه المنتشرة في طول البلاد وعرضها، كما هو الحال في صيدا من خلال تحويل شقق سكنية الى مواقع عسكرية مدججة بالسلاح، أو من خلال اختلاق أحداث أمنية ذات بعد مذهبي خطير كالذي حصل داخل عرسال وعلى أطرافها، بهدف تطويق هذه البلدة البقاعية الخارجة عن سيطرته ونفوذه، وبما يجعل هذه المناطق نقاط اضطراب دائمة، تُستعمل كجبهة مواجهة بمنسوب عالٍ تارة ومنخفض تارة أخرى، ما يُبقي لبنان ساحة مستباحة غير قابلة للاستقرار الأمني. وربط هذا الواقع بالفوضى السياسية التي تعيشها البلاد، هذه الفوضى التي هي نتاج أجندة “حزب الله”، والمرشحة أن تستمر على هذا الإيقاع الى حين اتضاح معالم حربه الى جانب حليفه بشار الأسد في سوريا.
لا شكّ في أن غياب المعالجات الرسمية أو ضعف الدولة وأجهزتها أمام الدويلة المستقوية على كل شيء، وتمدد الفلتان الأمني المدروس، يفتح الباب أمام “حزب الله” وسراياه المسلحة المنتشرة في كل بقعة على الخريطة اللبنانية، الى اختلاق جبهات إضافية تحاكي مشروعه القائم على قضم المناطق الخارجة عن سطوته ولو بالنقاط، للوصول الى يوم يحكم فيه “حزب الله” سيطرته الكاملة على كل الأراضي اللبنانية، وهو بذلك لن يتورّع عن توصيف بؤره الأمنية الجديدة على أنها مواقع لمقاومة إسرائيل. ولما لا؟، فإذا كان الطريق الى القدس يمرّ بالقصير وحمص وحلب وريف دمشق والزبداني ودير الزور، فمن باب أولى أن يمرّ أيضاً بطرابلس وصيدا وعرسال، وربما غداً بعكار وبشري وغيرها من المناطق ذات الحساسية المفرطة. والمؤسف أن المتضرر أو المتألم من هذا الواقع الخطير لا يستطيع أن يصرخ أو ينبّه ويحذّر، لأنه سيصنّف في خانة التكفيريين والإرهابيين، أو بالحدّ الأدنى محرضاً على الفتنة الطائفية والمذهبية، هذا التحريض الذي لا يتحمّله “حزب الله”، يتيح له أن يقيم الحدّ الشرعي على من يرفض مشروعه. فالرافض لهذا المشروع يصبح حكماً في خانة “التكفيريين” الذين لا وجود لهم على أرض الواقع إلا ما يُبعث في قاموس حلف الممانعة ومن يرتشف من معينه.