#adsense

“الأمن الذاتي”.. “حزب الله” يلحس المبرد

حجم الخط

 

من يستذكر أحداث العام 1975 لحظة اشتعال الحرب اللبنانية المشؤومة، يدرك أننا اليوم أمام واقع مشابه، لا سيما مع انتشار عناصر “حزب الله” الأمنية في الضاحية والجنوب وبعلبك والقرى المختلفة التي تعتبر في قلب البيئة الحاضنة، فمظاهر الأمن الذاتي قائمة وانتشار الحواجز يشير الى قيام دويلة أو دويلات حزب اللهية تمتد على مساحات الوطن، تنشر أمنها الخاص ولا تؤمن إلا بقدراتها الذاتية على فرض الأمن ومنع التلاعب في ساحتها، مبعدة بذلك دور الدولة الأصيل وأجهزتها والقاضي بحفظ أمن الوطن واستقراره والقضاء على كل مظاهر اللاشرعية من سلاح وغيره، وتأمين حياة الناس ومنع المخاطر عنهم وحمايتهم من أي شر أو مكيدة أو سيارة مفخخة أو كاتم للصوت.

لقد عمل “حزب الله” طوال سنوات للهيمنة على مناطق لبنانية، تحت شعار “المقاومة”، ومنع الدولة وأجهزتها من القيام بواجباتها تجاه المواطنين في الجنوب والبقاع والضاحية، لا بل أصبحت المناطق التي هيمن عليها بسلاحه، مناطق إيواء للمجرمين ومرتكبي عمليات السرقة والإرهاب وتجارة المخدرات، وللذين نفذوا وشاركوا في عمليات اغتيال شخصيات سياسية وتتم حمايتها وتعرض أمن لبنان للمخاطر. وكيل الممارسات الاستكبارية لهذا الحزب طاف إثر نقل معركته الى الداخل السوري بحجة مكافحة “التكفيريين” ودفاعاً عن المقامات الدينية، ليقتل الشعب السوري داخل أرضه من أجل استمرار نظام بشار الأسد بجرعات دعم ودم ايرانية ومرتزقة، فإذا بالسحر ينقلب على الساحر، وتصبح مناطق الضاحية عرضة للألم وهول ما تخلفه السيارات المفخخة من دمار وضحايا وما تسببه من رعب وخوف من الآتي. وبدل أن يكون الحل بوضع خطط أمنية من قبل الجيش وقوى الأمن الداخلي وبالتعاون مع فرع المعلومات من أجل إحباط مخططات التفجير، يلجأ “حزب الله” الى الأمن الذاتي، ليعلن رسمياً عن موت الدولة التي لم تبادر حتى الآن الى أخذ القرارات المناسبة لمنع الانهيار الحاصل ولتقدم الدرس المناسب لجميع القوى الأمنية، بأن الحل ليس بالأمن الذاتي وليس بنشر عناصر الحزب وإنما بنشر القوى الأمنية الرسمية واستعادة ثقة الناس بالدولة وأجهزتها، ذلك أن تجربة الحرب الأهلية في الأمن الذاتي لم تكن ناجحة وهي تجربة فاشلة بكل المقاييس، لا سيما وأن الأحداث أثبتت أن الامن الذاتي لم يبن سوى دويلات طائفية وأن أي تنظيم لم يستطع مهما حاصر نفسه بالإجراءات الأمنية من حماية مناطقه، وهذا لا يعني القبول بمنطق الأمن بالتراضي وإنما بلجوء الجميع الى الدولة لحفظ الوطن من الحريق الآتي بفعل التطورات الخطيرة التي تجري في المنطقة.

والخوف من تحول الأمن الذاتي الذي رأينا عيّنة منه خلال الأيام القليلة الماضية في مناطق هيمنة “حزب الله” الى حالة عادية يتقبلها المواطن اللبناني، فماذا لو تحولت المناطق اللبنانية الى جمهوريات طائفية أو مذهبية لها أمنها الذاتي الخاص بحجة حفظها من السيارات المفخخة، ماذا لو قام أهل الشويفات أو طريق الجديدة أو الأشرفية، بحراسة شوارعهم ومناطقهم واتخاذ تدابير أمنية تقضي بمنع وقوف السيارات وماذا لو سهروا ليلاً لمنع مرور من ليس مرغوباً به أو قبضوا على أحد واقتادوه الى مركز ما للتحقيق معه كما يجري حالياً في الضاحية الجنوبية. هل هذا هو الحل؟ سؤال برسم كل المسؤولين في هذا البلد ينتظر الأجوبة من مسؤولي “حزب الله”، بانتظار التسليم للدولة وقرارها والأهم إعادة مقاتليه من سوريا الى أرضهم ووطنهم، والعمل لإرساء ثقافة الثقة بالأجهزة الأمنية الرسمية بدل الانقلاب عليها.

وعلى الرغم من أن أهل الضاحية يثقون بأمن “حزب الله” ولا يعبرون عن انزعاجهم من “عجقة” السير التي تتسبب بها الحواجز الأمنية وعمليات التفتيش التي لم تشمل فقط السيارات وإنما المنازل أيضاً، فإن الكثيرين يسألون ماذا سيحصل إذا انتشر الأمن الذاتي في لبنان وعاد الوضع الى ما كانت عليه الأمور أثناء الحرب الأهلية المشؤومة وتعممت تجربة “حزب الله” في المناطق الأخرى المسيحية أو السنية أو الدرزية أو الأرمنية، فأين سيكون لبنان؟”.

الحس المدني لا يزال موجوداً لدى الكثيرين والخوف من أن تكون ممارسات “حزب الله” مؤشراً الى تحلل الدولة ، ولذلك يشير بعض المواطنين والناشطين السياسيين على مواقع التواصل الاجتماعي الى أن “الأمن الذاتي لم ينجح في أن يكون بديلاً عن الدولة وأن الانفجارات التي حصلت في الضاحية تؤكد سقوط مقولة الأمن الذاتي ولا تعززه”.

ويسأل أحدهم “أليست الحواجز البديلة عن حواجز الدولة الشرعية بحجة التفجيرات إخلالاً بمؤسسات الدولة وإضعافها”، مؤكداً “المفهوم المنطقي لصون أمن البلاد يكون بتسليم الأمن للقوى الشرعية فهي مسؤولة عن حماية البلاد والعباد من كل شر مستطير”.

وتكتب إمرأة متسائلة: “عندما تتعرض لحاجز تفتيش من مجموعة، أكبر عنصر فيها عمره 20 سنة أجبرك على النزول من السيارة حتى تفتش، ويجبر أطفالك أيضاً على النزول، وعندما تسأله بصفتك من يجيب: “أمن “حزب الله” فترد عليه: “أنا لا أعترف الا بالأمن الداخلي والجيش”، فيجيبك: “نحنا الدولة” ويكمل قائلاً: “أنا لم أنزل من السيارة وأصريت حتى ولو على جثتي وعلى بعد امتار عدة صادفني حاجز للجيش وأخبرته ما حصل معي فكان الرد: “ما بقى تمرقي من هونيك”.

وتسأل سيدة عن شعور المسؤولين العسكريين والامنيين في الدولة عندما يرون ميليشيات تقيم حواجز وتوقف مواطنين وتفتشهم، ألا يشعرون بالإهانة، كما تسأل: في هذا الزمن هل تعتقدون أننا بحاجة الى اوراق لتسهيل دخولنا الى الضاحية كما كان يحصل ايام الاحتلال الاسدي؟”.

ويسخر البعض من مقولات شخصيات من “الممانعة” تبرر حواجز “حزب الله” اذ تعتبر ان “ما يجري ليس فرض أمن ذاتي بل احتياطي وبأن مسلسل التفجير لن ينتهي في سهولة” ويستنتج بأن “اجراءات حزب الله الأمنية ووجود السلاح داخل العاصمة لن يحمي بيئته الحاضنة من التفجيرات وعليه يجب رفض الأمن الذاتي”.

ويفيد احد الشبان الذي يسكن في الضاحية بأن “الاجراءات الأمنية التي يتخذها “حزب الله” عبارة عن حواجز مسلحة يتم خلالها تفتيش جميع السيارات والدراجات النارية وطلب الهويات وتوقيف بعض المارة في حال الشك بأحدهم وطلب الهوية، مما يؤدي الى زحمة سير خانقة، والناس الذين لم يستفيقوا بعد من هول صدمة التفجير لذلك لم يعلنوا تذمرهم العلني ولكننا نسمع الناس يتأففون من هذه الاجراءات ويقولون انها لن تحمي الناس”.

ويتابع: “القوى الشرعية من قوى أمن وجيش غائبة و”حزب الله” عودهم على ذلك الغياب وهو ضالع في جريمة تغييب كل المظاهر التي تشير الى وجود الدولة اللبنانية”.

ويشير الى ان مصادر “حزب الله” تقول في اوساط الناس انه “في الايام المقبلة سوف تتغير الاجراءات لتكون اكثر دقة ولا تعوق تحرك الناس لا سيما وأن الأهالي مزعوجون لكنهم لا يتذمرون”.

ويفيد بأن “السوريين المتواجدين في الضاحية لا يتعرضون لمضايقات كعائلات وانما الشباب والرجال مراقبون بشكل دقيق من قبل الحزب وجرى تعميم على السنترالات غير الشرعية المنتشرة في الضاحية انه في حال جاء أي سوري لتشريج خطه يجب تفتيش هاتفه والبحث عن أي رسالة أو صورة أو ما قد يشير الى علاقته بالمعارضة السورية”.

ويجد ان “اهل الضاحية لم يعتادوا على القوى الشرعية ولذلك من الصعب عليهم الالتزام بأي خطة امنية توضع من قبل الدولة فحزب الله عودهم على عدم الثقة وهو ليس كرها بالمعنى الكلاسيكي للكلمة وانما وحسب المثل الشعبي، بعيد عن العين بعيد عن القلب، وحزب الله لا يسمح للقوى الشرعية ببسط سلطتها في الضاحية وهو يتهم العديد من أجهزتها بالعمالة وانها تضر بأمن ما يسمى “مقاومة” مما خلق حالاً من الجفاء بين اهل الضاحية والقوى الشرعية”.

من الضاحية الى الجنوب الى بعلبك، الإجراءات تتكرر ويفيد أحد ابناء منطقة النبطية بأن “التدابير الأمنية من قبل أمن “حزب الله” موجودة وقد اقيمت حواجز اوقفت السيارات والمارة”.

ويشير الى ان “الأهالي متضايقون اذا استمرت هذه الاجراءات لأنها كارثة فهي تعوق حركة السوق وتنقلات الناس وان البعض قد يجد نفسه مستفزاً من توقيفه على الحواجز”.

ويلفت الى ان “هناك مداهمات حصلت لبعض منازل السوريين الذين لا يتجولون كثيراً نتيجة الهوس الأمني الموجود حالياً”. وينفي مشاركة حركة “أمل” في الحواجز التي يقيمها الحزب وان بعض الأهالي “بدأوا يشعرون بعد التفجيرات التي حصلت بالورطة نتيجة دخول حزب الله في القتال بسوريا مما احضر الدب الى الكرم”.

ويشير الى ان العديد من الأهالي بعد خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الأخير “تمنوا ان يذهبوا الى سوريا جميعهم حتى يعود الناس الى اعمالهم ويسعوا وراء رزقهم من دون خوف”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل