#dfp #adsense

إلى الرئيس لحود: يا رايح كتّر الملايح!

حجم الخط

إلى الرئيس لحود: يا رايح كتّر الملايح!  

ادمون صعب (النهار)


“لا نريد لبنان ان يكون للاستعمار مقراً ولا لاستعمار جيرانه ممراً، بل نحن وهم نريده حراً، عزيزاً، مستقلا”.
(من البيان الوزاري لحكومة رياض الصلح الاستقلالية الاول)

 

يوم الاثنين مرّ كأنه يوم عادي في حياة اللبنانيين. ربما لأنهم كانوا ملفوحين بالزوبعة التي اطلقها الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الاحد في “يوم الشهيد” والتي لا تزال اصداؤها تتردد الى الآن في الداخل والخارج، كما انها ظللت الحركة السياسية التي اطلقتها في اتجاه الاستحقاق الرئاسي زيارة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير وانطلقت معها آلية التسمية والترشيحات للرئاسة الاولى التي يفصلنا عن جلستها اقل من اسبوع.


واذا كان بدا من الصعب، بل من المستحيل، تجاوز “زوبعة” نصرالله، فان من الصعب كذلك، بل من المستحيل، تجاوز ما مر بلبنان يوم الاثنين. اذ صادفت في ذلك النهار ذكرى مرور ألف يوم على زلزال 14 شباط الذي فجّر اكثر من طن من المواد الحارقة والقاتلة في قافلة الرئيس رفيق الحريري، مما ادى الى استشهاده حرقا بالنار مع النائب باسل فليحان ومجموعة من المرافقين والمارة الابرياء.


واننا لنعجب كيف يستطيع اللبنانيون ان يعبروا هذا التاريخ بسهولة، رغم الزوابع والعواصف التي ما هدأت منذ ذلك اليوم.
كما نعجب من بطء آلة التحقيق في تلك الجريمة – وكلنا ندرك صعوبة استخراج ادلة على جريمة اجتمعت في تنفيذها مختلف ادوات القتل واجهزته، واجتهد في اخفاء الخيوط المؤدية الى القتلة الكثير من شياطين الاجرام.


واذا كان هناك من لا يريد ان يكتفي بِعَدّ الايام التي مضت على استشهاد الرئيس رفيق الحريري ومن تبعه في قافلة شهداء “ثورة الارز”، مستعجلاً قيام المحكمة ذات الطابع الدولي، فإن ثمة من لا يريد ان ينسى ان حرباً شُنت على لبنان في 14 تموز 2006 واستمرت 33 يوماً، ازهق خلالها الاسرائيليون ارواح 1200 شهيد مدني لبناني ودمّروا الكثير من المنازل والبنى التحتية لا يزال كثير منها قيد التعمير الى الآن.


ومن غير الجائز ان يدير قسم من اللبنانيين ظهورهم لزلزال 14 شباط 2005، كذلك من غير الجائز ان يدير قسم آخر من اللبنانيين ظهره لما جرى بين 12 تموز و14 آب 2006، وينظر الى المقاومة كأنها ميليشيا او بقايا ميليشيا مسلحة تأتمر بالحلف الايراني – السوري، وهي التي زرعت الجنوب شهداء طوال ربع قرن، وقد انطلقت زوبعة نصرالله في “يوم الشهيد” في ذكرى مرور 25 سنة على المؤسسة التي ترعى اسر الشهداء الذين حرروا الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي.


ولا تبدو طبيعية سياسة ادارة الظهر لاستشهاد الرئيس الحريري ومن تلاه في قافلة شهداء “ثورة الارز” ثم عرقلة قيام المحكمة ذات الطابع الدولي التي من شأنها ردع القتلة ووقف آلة القتل اذا ما طال الزمان المؤدي الى القتلة والاقتصاص منهم، فضلاً عن وضعها حداً لما يدعيه البعض من “شرعية” لاصدار احكام القتل من نظام على مسؤولين في نظام آخر مختلف معه في امور جوهرية ذات صلة بوجوده، اي الاستقلال والسيادة والقرار الحر. وتظهر اهمية مثل هذه المحكمة الدولية في الوضع الذي يمر به النظام العربي حيث لا حصانة لاي حاكم ولا ضمان لسلامته، لا من الجامعة العربية ولا حتى من القضاء التابع في معظمه للانظمة والخاضع لارادة حكامها اكثر من التزامه شرعة حقوق الانسان. ولا بد لقضية المحكمة من ان تكون جوهر أي برنامج رئاسي.


كذلك لا تبدو طبيعية ادارة الظهر لما أورده الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في خطابه الأحد الماضي من قضايا تحتاج الى توافق وتفاهم قبل الوصول الى اسم الرئيس، محذّرا العالم كله من انتزاع سلاح المقاومة بالقوة. وهو بدا بذلك كمن يسحب التفويض المعطى للرئيس نبيه بري من أجل التفاوض باسم المعارضة على الرئيس التوافقي، ويعطيه في المقابل نصا جديدا يحدد القضايا التي يُفترض ان يجري التفاوض عليها وتكون هي الطريق الى الاسم الذي يتعهد صاحبه التزامها. وهذا ينقل البحث من الرئيس الى الرئاسة والتفاهم عليها بين الاكثرية والمعارضة. ومتى حصل الاتفاق  انتقل البحث الى الاسماء، ولا فرق اذا كانت من نخب بكركي او حصيلة غربلة يقوم بها الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري.


وفي اعتقادنا ان أقصر الطرق الى الاتفاق هو اعادة البحث في هذه القضايا الى الداخل والتحاور حولها، وربما بين أعضاء طاولة الحوار كما يقترح بعض الاطراف، بغية ابقاء الخارج بعيدا منها مع الافادة من حماسته، سواء أكان دولا كبرى أم منظمات دولية وفي مقدمها الامم المتحدة، مرورا بالاتحاد الاوروبي، وخصوصا ان ثمة من بات يعتبر ان التدخل الخارجي، وإن ايجابيا، في الشأن اللبناني يشكل مخالفة لالتزام آباء الاستقلال وفي مقدمهم الشيخ بشارة الخوري ورياض الصلح في البيان الوزاري لحكومة الاستقلال الاولى بألا يكون لبنان للاستعمار مقرا ولا ممرا. ويشير أصحاب هذا الرأي الى أن التدخل الاميركي وما تردد عن وجود عروض اميركية، وإن غير صحيحة، لاقامة قواعد عسكرية في لبنان، يشكل خروجا على الميثاق الوطني، و”تهديدا” للنظام السوري من الاراضي اللبنانية! وهذا من شأنه منح دمشق سببا اضافيا للعرقلة.


ولا يحاولن أحد غشّ اللبنانيين بكثرة المندوبين والمسؤولين الكبار الذين يتقاطرون الى لبنان ويحاولون الضغط على البطريرك الماروني وسواه من أجل اجتراح أعجوبة في الاسم المؤهل لدخول “الجنة الرئاسية”، لأن دخولها لن يكون بانتخاب رئيس ماروني، كيفما كان، بل في القدرة على ايصاله الى بعبدا وجعله يرئس بتوافق لبناني جامع، وهذا ما يأمله البطريرك الماروني ومعه جميع اللبنانيين والعرب والعالم.


ولا نرى ان الفرصة قد فاتت، او ان الوقت لم يعد يسمح باللقاء والاتفاق على القضايا المختلف عليها تمهيدا لايجاد الشخص المناسب لسلة الوفاق، والمطلوب لها كثير وفي مقدمه تنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف، والمحكمة، ومستقبل المقاومة، ومصير السلاح، والمشاركة في القرار السياسي، وقيام الدولة القوية والقادرة، اضافة الى احترام القرارات الدولية ومتابعة تنفيذ القرار 1701، وتبني قانون جديد للانتخاب يعيد التوازن الداخلي، فضلا عن اتخاذ الخطوات الآيلة الى تأليف اللجنة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية.


ويتطلع كثيرون، وسط البلبلة التي تغرق فيها البلاد، الى الرئيس اميل لحود المؤتمن على الدستور آملين في الا يُبقي نفسه بعيدا عن مشاريع الحلول، وإن جرى عزله وتهميشه من جانب الاكثرية، لأن واجبه الوطني يجب ان يمليه عليه ضميره لا ردات فعله.


وهو مدعو الى دور تاريخي يعوّض السيئات التي حفل بها عهده وتمديده، كما يُنسي اللبنانيين الصورة البشعة والمثال السيىء الذي اعطاه عن الماروني الرئيس، سواء يوم تنكّر لمارونيته وحمّل ضميره الكثير من الخطايا والارتكابات بتسليمه البلاد الى نظام الوصاية السوري، وتسييبه الادارة والمال العام. او يوم استيقظت فيه مارونتيته متأخرة بعد التمديد القسري له من حاكم دمشق، والكوارث التي جرها ذلك على البلاد والتي لم تتوقف الى الآن.


ان ما يأمل فيه اللبنانيون من الرئيس الذي يشارف عهده نهايته بعد ايام، هو ان يمنع نفسه عن القيام بما يضر بلبنان وشعبه، والا يدع العالم يشمت به وباللبنانيين فيحترم الدستور، ويشجع خصوصا المعارضة على احترام النظام الديموقراطي وتسهيل ايصال رئيس الى بعبدا يتسلم منه الامانة في موعدها ويكرس تقليدا جديدا في انتقال السلطة سلميا وبهدوء كلي عاملا بالمثل القائل: “يا رايح كتر الملايح”…

المصدر:
النهار

خبر عاجل