ذلك هو الاستحقاق
علي حماده (النهار)
بين هبّة الأمين العام لـ”حزب ولاية الفقيه” الساخنة عصر الأحد الفائت، وهبّة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الباردة مساء الثلثاء، وقف اللبنانيون حيارى امام مشهد التناقضات التي تعصف بالاستحقاق الرئاسي، والتي تدفعهم من حال الى حال بين ليلة وضحاها، كأنه كُتب على لبنان واللبنانيين ان يبقوا أسرى مسلسل المخاضات العسيرة والمتتابعة على نحو كثيف، بحيث لم يعد ممكنا القول ان لبنان يمكن ان يصبح في المدى المنظور بلدا طبيعيا تجري فيه الامور في شكل طبيعي، ويعيش ابناؤه دورة حياة وطنية كاملة لا تقطعها الصدامات الاهلية، والحروب المفتعلة، والهجرات المتعددة الوجهة.
هذا هو الانطباع الذي يخرج به المواطن العادي اليوم. فمع خطاب حسن نصرالله العنيف يوم الاحد ظن الناس ان ابواب الحل اوصدت تماما، ومع مغادرة برنار كوشنير ليل الثلثاء بعد جولات طويلة وشاقة مع القيادات اللبنانية المعنية أحسوا ان اعلان وجود لائحة اعدها البطريرك الماروني صفير بمرشحي الرئاسة يعني حكما ان البلاد توشك ان تنحو في اتجاه ولادة رئاسية طبيعية في المواعيد الدستورية تنهي اولا وقبل اي شيء آخر عهد اميل لحود الاسود، وثانيا تؤسس لمرحلة مهادنة محلية تقي لبنان شرور الصدام الاهلي الكامن عند كل منعطف سياسي في المرحلة الاخيرة.
أيا يكن من امر اللائحة البطريركية، ومن مشاعر الارتياح التي عكستها في الاوساط الشعبية، تبقى المشكلة كاملة، وعناصرها معروفة بصرف النظر عن الرئيس الذي يحل مكان المنتهية ولايته الممددة. فالولادة الرئاسية (غير المنتهية بعد) اذا تمكن الفرنسيون من اتمامها بسلام، لا تعني ان المرحلة التي ستليها ستكون مجردة من الازمات. فلا خيار النظام في سوريا بتدمير لبنان او اقله بالعودة اليه تغيّر، ولا الخيار الايراني ببسط حالة لالبنانية في النسيج اللبناني لتغيير طبيعة البلاد في العمق تغيّر هو الآخر. وفي المستوى الداخلي لا اشارات فعلية الى ان مخلفات المافيا السورية – اللبنانية ستعيد اكتشاف مواطنيتها اللبنانية، ولا الى امكان احداث تحول حقيقي في بنية “حزب ولاية الفقيه” المناقضة لكل ما يرمز اليه لبنان من توازنات، وعيش مشترك ومتساو تحت القانون، وتعددية، ونظام ديموقراطي. من هنا ومع تقديرنا لاي حل يؤمن اتمام الاستحقاق الرئاسي بأي ثمن، لا نظن لحظة واحدة ان الحل يكون بمجيء رئيس الحد الادنى. فالتحديات اكبر واخطر من ان يكون الحل بالتشاطر، والتذاكي، ومجرد اللعب على الالفاظ والمواقف، وتدوير زوايا ما من شيء يدورها. فالتحدي الحقيقي لا يواجه الا برئيس استقلالي، متشرب من ثورة الارز ومبادئها. فلا يكون رئيسا مسطحا يعبر فوق جثته السياسية كل الاطراف، لاسيما منهم الاطراف العاملون بمنهجية مخيفة على تقويض لبنان الوطن بكل قيمه التاريخية، وفلسفة وجوده في هذا الشرق.
المهم مما تقدم ان الجهد في سبيل منع الفراغ، وبالتالي منع اندلاع مواجهة اهلية، هو جهد محمود. ولكن للمرة الاولى منذ ولادة الكيان كحصيلة لتطور تاريخي واجتماعي دام عقودا عدة ليعبر من كيان جبل لبنان الامارة والمتصرفية، الى جمهورية لبنان الكبير، تحضر امام اللبنانيين استحقاقات مصيرية داهمة جراء صلتها بالكيان، وبمعنى هذا الوطن بالذات: ان يكون او لا يكون.
ذلك هو الاستحقاق!
