
جلسة وداعية للحكومة والسنيورة يطلق على الوزراء صفة “وزراء حماية الاستقلال الثاني”
“جلسة الوداع” التي عقدها مجلس الوزراء مساء امس في السرايا يفترض ان تشكل بداية دخول حكومة الرئيس فؤاد السنيورة من اليوم، وقبل اربعة ايام من انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، مرحلة تصريف الاعمال.
في هذه الجلسة “الاخيرة”، القى الرئيس السنيورة كلمة مسهبة ضمنها جردة بأهم انجازات الحكومة منذ سنتين واربعة اشهر والتي عقدت منذ تأليفها 106 جلسات اتخذت خلالها 4910 قرارات وصفها السنيورة بأنها “الاكبر عدداً نسبة الى عمر الحكومة في تاريخ الحكومات اللبنانية”.
وتناولت الكلمة ملخصاً عاماً للاحداث والتطورات التي شهدها لبنان في ظل ولاية الحكومة. واطلق السنيورة على الوزراء صفة “وزراء حماية الاستقلال الثاني”.
وطغت على الجلسة الاجواء الوفاقية لاجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. وابدت الحكومة استعدادها لتحمل مسؤولياتها في تسيير شؤون البلاد والمؤسسات في حال حصول فراغ في الموقع الرئاسي.
السنيورة تراس في الخامسة والنصف بعد ظهر امس الجلسة الاخيرة للحكومة الحالية، التقطت خلالها صورة تذكارية، واعقب ذلك عشاء اقامه السنيورة في السرايا الحكومية للوزراء وزوجاتهم.
وخلال الجلسة القى السنيورة الكلمة الآتية:
“اخواني الوزراء، مع انعقاد هذه الجلسة لمجلس الوزراء تكون الحكومة، حكومتكم، حكومة الاصلاح والنهوض، حكومة الاستقلال الثاني التي منحها مجلس النواب ثقته، قد امضت في سدة المسؤولية نحو سنتين واربعة اشهر. ونحن نأمل بكل صدق وتصميم ان تكون هذه الجلسة هي الاخيرة لهذه الحكومة. نأمل ونسعى كل منا من موقعه ومن خلال دوره، لانتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال الايام القليلة المقبلة، لكي يتمكن لبنان حقيقة من الانطلاق الى آفاق جديدة رحبة يريدها الشعب اللبناني ويتحرق اليها اللبنانيون. ذلك ان عدم التمكن من انتخاب رئيس جديد في المهلة الدستورية هو من السيناريوات السيئة والحتمالات التي لا نتمناها ولا نريدها، وتقف بجانبنا في ذلك الغالبية الساحقة من اللبنانيين. ولذلك فاننا نعمل بكل جهد واخلاص لتجاوز هذا الاستحقاق بانتخاب الرئيس الجديد للجمهورية ونتمكن عندها من تسليم هذه الامانة الغالية اليه، والى مجلس النواب لكي تنتظم الحياة الدستورية والنيابية وتنعكس تداعيات ذلك ايجابا على كل مناحي الحياة في لبنان وعلى الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية.
لقد كان شرف لي تحمل مسؤولية رئاسة هذه الحكومة وان نمضي معا في هذه المسيرة الشاقة التي ما كنت لأظن لحظة انها ستكون بهذا القدر من العناء والصعوبات والمشاكل والتحديات غير المسبوقة بحجمها وتجمعها وتتابعها، وهي التحديات التي واجهتنا وعانتها البلاد والشعب اللبناني ولم يزل. لكنني مع ذلك، وفي حصيلة الامر، شديد الاطمئنان الى اننا قمنا باخلاص بواجبنا الوطني على افضل ما كان في الامكان ان نقوم به. ولذلك فاني شديد الثقة بأن كلا منا على درجة عالية من الثقة والارتياح لما قام به وعمل من اجله لمقاربة الاهداف التي كلفنا ممثلو الشعب اللبناني على اساسها هذه المسؤولية، وفي ما سعينا من اجله لتثبيت دعائم السيادة والاستقلال والديموقراطية وفي ما عملنا من اجله ايضا لتخفيف الاعباء والمصاعب على اللبنانيين.
ايها الزملاء، يجب الا ننسى، ولن ننسى ان هذه الحكومة منذ بداية تشكيلها عملت كأنها تسير على حد السيف. فهي تعرضت للمؤامرات ولهجمات الاجرام والارهاب وعانت مع الشعب اللبناني مختلف صنوف الويلات والمصاعب. لقد طال الارهاب والاجرام المتمادي والمستمر، وعلى مدى عمر الحكومة، وزراء ونوابا وقيادات وشخصيات استقلالية.
ولقد نالت هذه الحكومة وفي شكل مباشر نصيبا وافرا من هذا العنف والارهاب. فقبل قيامها استهدف الاجرام نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع فيها والذي أنقذته العناية الالهية، وقبله زميلنا الوزير والنائب مروان حماده الذي كان استهدافه بداية انكشاف المخطط الترهيبي الذي استهدف لبنان. وقد سقط من صفوف هذه الحكومة الشهيد الوزير بيار الجميل الذي نذكره بغصة وحرقة، خصوصا ان سنويته الاولى تحل علينا بعد بضعة أيام، ولا يمكن ان ننسى ذلك السياسي الواعد وأريحيته وشبابه ورياديته ووطنيته.
انتم تعرفون أننا لم نكن لنجلس على هذه المقاعد او ننتدب لتحمل المسؤولية لو لم تقع تلك الجريمة الرهيبة التي استهدفت حياة شهيدنا الكبير الغالي الرئيس رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما الابرار. وأنتم تعرفون ان هذه الحكومة ما قامت لو لم تنتدب في ما انتدبت نفسها اليه لمهمة أساسية هي مهمة معرفة الحقيقة، حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد وحاول اغتيال حاضر لبنان ومستقبله. ولهذا فقد كان لمهمة حماية وتأمين انطلاق التحقيق الدولي في الجريمة النكراء وقيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الجهد والانتباه الاساسي لعمل الحكومة. وهي لهذا السبب تعرضت لكل صنوف العرقلة والاعاقة والاعتكاف والاستقالة والتنكيل والضغط السياسي والتهويل والتهديد والقتل في محاولة لمنعها من السير في طريق قيام المحكمة والتي في النهاية وبسبب العراقيل والتهديدات والاغتيالات والتفجيرات والاعتكافات والاستقالات قامت بقرار دولي وتجري متابعة عملية انشائها لكي تظهر الحقيقة ويعرف القاتل والمجرم ويعاقب ويتوقف مسلسل الاجرام والقتل في لبنان وبالتالي لا يتحول لبنان الى بلد لا يعاقب المجرم فيه ولا يظل في منأى عن العقاب أقول هذا الكلام مع اننا كنا نتمنى صادقين ان يكون قيام المحكمة بقرار لبناني حكومي وبرلماني جامع يشارك فيه الجميع بعدما أقر به الجميع كأولوية وضرورة في أكثر من مناسبة وآخرها ما كان على طاولة الحوار الوطني.
لكن والحق يقال، هل اكتفت الحكومة بمهمة حماية التحقيق الدولي والعمل على قيام المحكمة ذات الطابع الخاص فقط وتركت كل المهمات الاخرى؟ ألم تكن وفية لشعارها الاساسي أي حكومة الاصلاح والنهوض؟ قبل سنتين ونيف وحين محضني النواب الكرام ثقتهم وكلفت برئاسة هذه الحكومة قلت في بيان التكليف يومها: “نحن اليوم نخوض خضم تحديات ضمان أمن المواطن والوطن، وتحديات تثبيت دعائم النهوض الاقتصادي والاجتماعي. ليست اللحظة لحظة للتجاذب السياسي، ولا لتجديد النزاعات والاختلافات. ولذلك نشارك الاستاذ سعد الحريري يده الممدودة لسائر فئات الشعب اللبناني، ولسائر جهاته السياسية، من أجل السير قدما في برنامج اصلاحي شامل بدءا باستكمال تطبيق الطائف والدستور، وبالقانون الجديد والدائم للانتخابات، واللامركزية الادارية، وخطة النهوض التربوي الشامل، والخروج تدريجا من إسار الطائفية بما يحفظ الوحدة الوطنية والعيش المشترك، وتعزيز استقلالية القضاء، وترشيق حجم ادارة الدولة، وتعزيز كفاءتها، وتصويب عمل المؤسسات، ومكافحة الهدر والفساد، وتعزيز النمو والتنمية والتصدي للمشكل الاقتصادي بمعالجات تعتمد على قدرات اللبنانيين، وعلى ما بناه الرئيس الشهيد وراكمه من انجازات وخيارات وصلات بالاشقاء والاصدقاء. إن ذلك كله لا يمكن بلوغه الا بالدور المميز للشباب، الذين انتفضوا مع كل اللبنانيين يوم الرابع عشر من شباط رافضين الجريمة الارهابية واستهدافاتها. والذين حملوا لواء الحقيقة والاستقلال والتوحد الوطني في نهضة 14 آذار الوطنية. ونحن مقبلون على الاصلاح والتغيير بهمتهم وايمانهم بوطنهم، وطنا واحدا لهم جميعا دونما تفرقة او تمييز. لقد دفع اللبنانيون ثمنا غاليا من أجل الحرية ومن أجل الديموقراطية، ومن أجل الدولة القوية والعادلة وصاحبة القرار”.
هذا ما قلناه يوم كلفنا بتشكيل الحكومة.
انطلاقا من ذلك لقد عملتم بجد ونشاط نادرين واتخذت حكومتكم عددا كبيرا من القرارات وأنجزت عددا وافرا من مشاريع القوانين وأصدرت جملة من المراسيم وعالجت عددا كبيرا من المشكلات العالقة بشكل لم تنجزه أي حكومة من قبلها. فقد بلغ عدد الجلسات التي عقدتها هذه الحكومة رغم كل الازمات ومنذ تشكيلها 106 جلسات اتخذت فيها 4910 قرارات وهذا العدد يشكل عمليا أكبر نسبة من القرارات الى عدد أيام عمر الحكومة التي تتخذ بتاريخ الحكومات اللبنانية،/ مما يجعلها الأكثر انتاجية رغم كل ما واجهته من عراقيل. وتجدر الاشارة الى ان كل القرارات التي اتخذتها الحكومة، قبل الاعتكاف وبعده وحتى انسحاب زملائنا الوزراء منها والتي رفضنا استقالتهم، اتخذت كلها بالاجماع وليس بالتصويت ولم تلجأ الحكومة الى التصويت الا في موضوع واحد هو المحكمة الخاصة بلبنان من اجل كشف المجرمين الذين وقفوا خلف جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه.
لكم كنا نمني النفس ان نتجاوز العراقيل وننجز هذه المهمة الوطنية متكاتفين متضامنين لكن حدث ما حدث وكان لا بد من اتخاذ القرار في ضوء ذلك الموقف غير المتعاون، ونحن مقتنعون بما قمنا به في هذا الصدد. لماذا؟ حتى نستطيع ان نضمن ان تسود العدالة في لبنان ويدرك من هم وراء تلك الاعمال الارهابية انهم لن يظلوا في منأى من العقاب.
لقد كانت الحكومة وفية لالتزاماتها التي قطعتها على نفسها امام الشعب اللبناني بان تكون وفية لانتفاضة الاستقلال على كل المستويات واول خطواتها كانت على مستوى الاصلاح السياسي حيث بادرت الى اعادة الاعتبار الى قانون الجمعيات بما يتيح المجال في الالتزام الجاد والعملي لاحترام حريات المواطنين وضمان حقهم في التعبير وحقهم في تشكيل وانشاء الجمعيات والاحزاب وهو القانون الذي جرى تعطيله لسنوات طويلة. واذا كان مسلماً ان المدخل الى الاصلاح السياسي يكون عبر قانون حديث للانتخابات فقد شرعت الحكومة فور تسلمها لمهماتها بتشكيل هيئة وطنية مستقلة لاعداد مشروع قانون جديد وحديث للانتخابات النيابية. ولقد نجحت تلك الهيئة في النهاية في مهمتها واصبح لدينا مشروع قانون عصري للانتخابات النيابية يأخذنا نحو المستقبل ويؤكد صيغة لبنان الفريدة – صيغة العيش المشترك. على انه يمكن وفي كل الاحوال الانطلاق من هذا المشروع والبناء عليه وتطويره او تعديله. إلا ان ظروف البلاد التي تعرفون حالت دون الشروع في مناقشة هذا المشروع المهم والذي نأمل ان تعود الحكومة التي يجب ان تشكل بعد انتخاب الرئيس اليه لمناقشته.
كذلك كانت الحكومة سباقة ووفية لوعدها بالعمل على تحقيق استقلالية القضاء على يد قضاته المميزين الاكفاء بعدما ساهمت الحكومة وبعد صعوبة فائقة في تشكيل مجلس القضاء الاعلى. ولكن محاولاتها لتعزيز استقلالية القضاء وتالياً التقيد بمبدأ فصل السلطات احبطت مع اول محاولة جادة قامت بها عبر ايقاف وتعطيل التشكيلات القضائية من جهات تعرفونها ولأسباب لا تجهلونها.
كذلك نجحت الحكومة بالاتفاق مع السطلة التشريعية في ولوج مسار يؤدي الى تعزيز المساءلة والمحاسبة السياسية في مجلس النواب وهو الدور الآخر المناط بالسلطة التشريعية وبالنواب من خلال ادخال اسلوب الجلسة النيابية الاسبوعية التي تفتح المجال امام النواب للأسئلة والاستفهامات والاستجوابات وهي الطرق المعتمدة لدى الكثير من الدول العريقة بديموقراطياتها وهو ما يفتح الباب امام الحكومة للتصويب والتصحيح. ذلك مما نعتقد انه يساهم في تعزيز الحياة السياسية في البلاد ويؤكد فصل السلطتين التشريعية والتنفيذية ويرفع من مستويات الاداء ويزيد من مشاركة الجميع في الحياة السياسية في البلاد بفعالية واقتدار.
لقد تمكنت الحكومة عام 2005، على رغم كل الآثار السلبية الناتجة من العمليات الارهابية والتخريبية التي استهدفت لبنان من ان تحقق نمواً وصل الى قرابة الاثنين بالمئة. كما نجحت في ان تعد العدة في اتجاه اطلاق حركة الانتاج والنشاط الاقتصادي وان تحضر الارضية الصالحة لنمو اقتصادي كبير برزت بوادره في الاشهر الستة الاولى من عام 2006 حيث كانت ملامح النمو تؤشر الى نسبة نمو عالية تفوق الستة في المئة. لكنكم تعرفون جميعاً ما الذي جرى بنتيجة العدوان الاسرائيلي الغاشم الذي دمر البنية التحتية وقطع اوصال الاقتصاد وشرد اهلنا في الجنوب وفي عدد كبير من القرى الاخرى ودمر ابنية ومنازل المواطنين في الضاحية الجنوبية والمناطق المجاورة بما يتجاوز الـ120 الف وحدة سكنية. ونتيجة لذلك استحالت مؤشرات النمو الى مؤشرات تراجع وحل التقدم المرتقب في اتجاه نسبة نمو قدرها 7% الى نمو سلبي حيث استقر على ناقص واحد بالمائة او ناقص اثنين بالمائة.
لكن رغم ذلك فان الحكومة لم تجبن ولم تتراجع ولم تستنكف امام همجية العدوان فعملت بكل جهد اعتماداً على تضحيات اللبنانيين وتضحيات مقاومتهم وتضحيات ومساعدة الاشقاء والاصدقاء لوضع خطة انعاش اقتصادي سريعة وشاملة ولهذا كان مؤتمر ستوكهولم للدول والمؤسسات المانحة الذي أرسى لعملية انعاش واغاثة واسعة وسريعة لمواجهة آثار العدوان.
وقد كانت معركة النهوض والاصلاح واعادة الاعمار معركة قاسية ومريرة رغم المعيقات والاعاقات والدأب المعروف والموصوف من بعض الجهات والاطراف على اصطناع السدود والازمات. فبعدما اطلقت الحكومة اوسع عملية لاعادة اعمار ما دمره العدوان وللعمل على انجاز ملفي المهجرين والجنوب اندفع المتنصلون والمتربصون والمتضررون من عودة الدولة ودورها الى القيام بأكبر عملية لخنق مسيرة التعافي حيث تعددت المواقف السلبية واساليب التحطيم المعنوي والتخريب الاقتصادي ولم يكن آخرها الاعتصام المفتعل والذي ما زال قابضا على انفاس مدينة بيروت وانفاس كل لبنان من اقصاه الى اقصاه من خلال استمرار نصب الخيم والمربعات الامنية في وسط العاصمة بيروت الصامدة الممانعة لسيطرة التعسف ومحاولات التسلط والتكبر والارغام.
أيها الزملاء لو لم تقم الحكومة بواجباتها بجدية وتتمسك بتصميمها واقدامها بالتعاون مع الاصدقاء والاشقاء لما كان مؤتمر باريس 3 الذي فاق في نجاحه كل التقديرات ولما امكن الصمود والوقوف في وجه اعاصير وموجات الارهاب والترهيب والتخريب السياسي والأمني.
انني لن أتردد امامكم وامام الشعب اللبناني ان أعلن ان حكومة الاصلاح والنهوض – حكومة الاستقلال الثاني قامت بجهد جبار للحفاظ على مستوى عيش اللبنانيين. ولكن الحكومة تدرك كل الادراك ما يعانيه اللبنانيون من مصاعب تفاقمها الاوضاع الامنية غير المستقرة والتوترات السياسية والتي تؤثر سلبا على النمو الاقتصادي وعلى فرص العمل الجديدة امام شبابنا وعلى الاستقرار الاجتماعي والذي يدفع بشبابنا الى الهجرة. لكن الحكومة وهي رغم ذلك استمرت في بذل الجهود من اجل مواجهة المصاعب الاقتصادية والمعيشية التي يعانيها المواطنون الآن والتي تعود في اغلب اسبابها الى عناصر ومعطيات خارجية تتصل بالاقتصاد العالمي وظروفه واحتقاناته، من ارتفاعات خيالية لاسعار النفط وسعر صرف اليورو بالدولار وارتفاع اسعار المواد الاولية والاعلاف ومشتقات الالبان واللحوم بسبب وقف الدعم والازمات الاقليمية والدولية. ان هذه المصاعب كانت لتكون كارثية لو لم تقم الحكومة بواجباتها وضمن قدراتها المحدودة والتي يساهم في الحد منها استمرار الاوضاع السياسية المتأزمة واستمرار الازمة السياسية واستمرار الاعتصامات. كل ذلك يساهم في عملية الحد من امكانات الحكومة على المعالجات السليمة لهذه المصاعب. ان هذه المصاعب التي كانت لتكون كارثية لو لم تقم الحكومة بواجباتها وضمن قدراتها المحدودة للحفاظ على مستوى معيشة اللبنانيين من خلال تعزيز الاستقرار المالي والنقدي. وهي ظلت حريصة كل الحرص على تحريك عجلة النشاط الاقتصادي ومعالجة الآثار الكارثية للحرب والارهاب وللتشنجات والاحتقانات السياسية وهي كانت وستظل حريصة على اموال المكلف اللبناني فلا تنفقها الا بتحسب ولا تجبيها الا بعدالة وبعد تعب ومعاناة. وهي لذلك عملت على احتواء تلك الزيادات في الاسعار بحيث ضبطت معدلات ارتفاعها ورغم كل ما جرى لم تزد عن ما نسبته ثلاثة بالمئة سنويا على مدى السنوات الثلاث الماضية من عمر الحكومة، وهو ما تبينه المؤشرات العلمية التي تصدر عن الاحصاء المركزي وحيث عملت الحكومة ايضا على استمرار الدعم لاسعار الخبز رغم الارتفاع الهائل في اسعار القمح العالمية واستمرت في دعم اسعار الكهرباء علما ان الدولة ما زالت تدعم مؤسسة كهرباء لبنان بأكثر من مليار دولار سنويا وهو أمر يفوق طاقة الدولة اللبنانية وقدراتها وهي بالتالي توفر على كل مستهلك للطاقة في لبنان اموالاً طائلة حسب الاسعار الحالية للنفط وان كان ذلك على حساب الخزينة اللبنانية التي هي في محصلة الامر جيوب اللبنانيين جميعا. كذلك فقد بادرت الحكومة الى دعم اسعار المازوت هذا العام كما فعلت في السنتين الماضيتين.
أيها الاخوة الوزراء، لقد صنتم عبر هذه الحكومة، الاستقلال الذي صنعته الدماء المراقة في بيروت وفي كل المناطق اللبنانية بفعل القتل والارهاب والتفجير، فكنتم بذلك خير مدافعين عن الحرية والامل اللبناني بغد افضل، لم تخافوا ولم تتراجعوا ولم تنسحبوا رغم المخاطر بل صمدتم كما أمل منكم شعبكم الذي انتفض في الرابع عشر من آذار مطالباً بالحرية والاستقلال وبتعزيز السيادة. واذا كان النواب الذين رفضوا التمديد المشؤوم قد عرفوا بنواب لائحة الشرف فاسمحوا لي وبعد هذه التجربة في الممانعة والصمود معكم في هذا المخاض ان اسميكم وزراء حماية الاستقلال، حماية الاستقلال الثاني. نعم انتم رمز حماة الاستقلال لما قمتم به ودافعتم عنه وحافظتم عليه.
من جهة اخرى ايها الزملاء فإني على ثقة بانكم تشاركونني الرأي وبحزم انه ما كان لنا ان نحقق الصمود في المعارك التي شنت على لبنان من اسرائيل الا من خلال مقاومة اللبنانيين ومن القوى الارهابية والظلامية ايضا في الصمود في شتى المناطق اللبنانية وكذلك في الصمود ازاء الهجمة الارهابية التي شنت علينا وعلى جيشنا الباسل من مجموعة ارهابية ولقد ضحى جيشنا الباسل بالغالي والنفيس من ارواح ودماء ضباطه وجنوده لجعل الكلام والشعارات حقيقة جلية وعملية ولذا فاننا ننحني جميعا ومعنا كل اللبنانيين امام هذه التضحيات التي لن نجعلها تذهب هدرا او سدى في المستقبل.
لقد حافظتم على الاستقلال وعززتم صموده وحددتم خطوطه وحميتموها. فقبل هذه الحكومة ظن الكثيرون ان الحق في مزارع شبعا اللبنانية قد مات فصممتم على العمل كي يستعيد لبنان هذا الحق وتضعوه من جديد بندا اساسيا على جدول الاعمال الدولي والاقليمي. بداية من التزامنا النقاط السبع التي اصبحت حقيقة راسخة والتي اعتمدها المجتمع الدولي من خلال القرارات الدولية.
قبل تأليف هذه الحكومة كان التلفظ او التفكير بالسعي الى علاقات صحيحة وطبيعية مع سوريا، تكون قائمة على الاحترام المتبادل، يعتبر انتهاكا لممارسات اصبحت في الحقيقة تمس جوهر استقلالنا وسيادتنا، لكنكم مثلتم بمواقفكم الشجاعة الحقة ورفعتم الصوت عاليا وبقوة لكي تقولوا ان لبنان بلد عربي مكتمل العروبة لا يحتاج الى شهادة او فحص يومي للدم، بل هو رائد في عروبته ونضاله العربي وهويته المتميزة الخلاقة والمتعددة، رائد في تمسكه بالعروبة الديموقراطية، التي تعترف بالآخر رغم الاختلاف والتباين في الرأي. ولبنان لا يرضى لاحد ان يفرض عليه وصايته او ابوته وباي شكل من الاشكال. لا بد لحدود لبنان ان تكون واضحة وجلية ومصانة ولسيادته ان تتعزز ولدوره المتجدد المتلائم والمتناغم مع حركة هذا العالم المتطور ان يتقدم. لبنان الذي سعينا جميعا الى ان يظل لبنان المنفتح على العالم اجمع والذي يريد ان يكون على صلة وتعاون مع جميع اشقائه وكذلك مع جميع اصدقائه في العالم من زاوية الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لبنان الذي سعينا ان تكون له سياسته الخارجية المنبثقة عن قناعة ابنائه من دورهم وانتمائهم العربي الحر. لقد اردنا ان يستعيد لبنان سيادته وحريته وان ينسحب الجيش السوري من لبنان لا لنستبدله بوجود عسكري او نفوذ سياسي لاي كان على الاطلاق، شقيقا كان ام صديقا.
لقد وقفت حكومتكم في وجه العدوان الاسرائيلي وقفة رجل واحد متخطية بذلك التجاهل والتفرد الذي مارسه البعض في الداخل، فصانت الوحدة اللبنانية من دون ان تنسى الاهداف القومية والوطنية. فكان همها حماية التضامن الداخلي وفي الوقت نفسه الوقوف في وجه الاعتداء الاسرائيلي الغاشم وفي وجه كل الضغوط والجرائم التي مارسها هذا العدو. وتمتعت حكومتكم بالشجاعة والاستقلالية لكي تستنبط بشتى الوسائل طريق الخروج من المآزق وتحولها الى فرص وذلك من اجل استعادة الحق وتحرير الارض. وقد تمتعت حكومتكم بالقوة والإقدام لكي تتخذ قرار اعادة نشر الجيش في الجنوب وعلى الحدود لكي يحمي الوطن والحياض بالتعاون مع قوات الطوارئ الدولية. وحين اطل الارهاب في الشمال لم تتردد حكومتكم بالمضي قدما في الدفاع عن الشرعية والسيادة ووجود الدولة وكذلك في الدفاع عن الشعب الفلسطيني الذي جاء الارهاب المتمثل بما يسمى فتح الاسلام لينال من اخوة الشعبين اللبناني والفلسطيني. ولم تتردد الحكومة في الالتزام والسعي الجاد لاعادة اعمار المخيم ومحيطه من القرى اللبنانية وذلك على اساس ان تعود السلطة في المخيم وحدها للسلطة اللبنانية، وقد بدأت بذلك وستستمر حتى آخر ساعة من عمرها. وهذه حكومتكم التي كانت قد بادرت منذ تأليفها بالعمل على طرح مسألة العلاقات اللبنانية الفلسطينية على بساط البحث لوضعها على المسار الصحيح الذي يخدم الشعبين الشقيقين وينطلق من رفض التوطين بشتى صوره ويؤمن عيشا كريما للاخوة الفلسطينيين ريثما يعودون الى ديارهم. حكومتكم هذه عملت على تحطيم كل الخطوط وبكل الالوان ولن انسى او اغالي اذا قلت ان وفدا منكم كان اول وفد وزاري يزور المخيمات الفلسطينية للاطلاع على احوال اللاجئين فيها والتفكير والعمل بتحسينها.
ايها الاخوة الوزراء،
كانت أيام العمل ممتعة وغنية رغم تعبها واجهادها والمعاناة الشديدة التي مررنا بها والتحديات البالغ التي تعرضنا لها، لكنها في الحقيقة كانت أياماً مميزة ومشرفة لا نخجل منها، بل نفتخر بها وفيها، على أمل ان نتجاوز المسافة الباقية بنجاح ونحن نعد الساعات والأيام لكي نسلم الأمانة الى النواب الكرام والرئيس الجديد المنتخب وتتسلم الحكومة الجديدة مسؤولياتها وتتابع هذه المسيرة الوطنية المشرفة.
أيها الزملاء، باسمكم أتوجه بالقول الى الشهداء الأبرار من أحبائنا من جيشنا الباسل وقوانا الأمنية ومن جميع اللبنانيين في القول ان دمكم لم ولن يذهب هدراً طالما حمل لواء الدفاع عن حقكم فرسان كمثل وزراء هذه الحكومة، حكومة الاستقلال الثاني”.