سيد المنقلبين
حسن صبرا
منذ نحو سنة وأمين عام حزب الله حسن نصر الله يهدد ويتوعد اللبنانيين، علماً بأنه ترك هذه المهمة احياناً ليتامى الاستخبارات السورية في لبنان، والآن عاد الى امتشاق السلاح مباشرة وإطلاق النار في كل الاتجاهات حتى بز كل الجنرالات ليصبح سيد الجنرالات.
منذ نحو سنة لبس نصر الله لبوس المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية في لبنان فعيّن ميشال عون رئيساً للجمهورية، وعيّن سليم الحص رئيساً للوزراء، وعيّن فتحي يكن مفتياً للجمهورية، وعيّن محمد رعد رئيساً لمجلس النواب، وعيّن سليمان فرنجية بطريركاً للموارنة ولم يترك منصباً لنفسه فهو المرشد الاعلى، هو خامنئي لبنان وهو اعلن الجمهورية الاسلامية حلاً لمشاكل لبنان كما قال حضرته في مجلة رسالات الحسين الايرانية في عدد شهر آب/اغسطس 2006.
وفي أول لقاء لبرنارد كوشنير مع المسؤولين الايرانيين سمع رئيس الدبلوماسية الفرنسية من طهران ان الشيعة هم ثلث اللبنانيين وان من حقهم الحصول على ثلث المواقع الرسمية اضافة الى مجلس النواب والامن العام، وهم يريدون مواقع جديدة في اجهزة الامن وفي المؤسسات المالية كمصرف لبنان او وزارة المال او نيابة رئاسة جمهورية او حكومة بصلاحيات!
بالامس خرج نصر الله ((بفنطة)) جديدة من التهديد مستنداً هذه المرة الى اميل لحود، فبدا كأنه وحيد في المقابر يسلي نفسه من وحشتها بعد ان وصل الى اعلى مستويات الفشل في كل سياساته منذ قرر الهدنة مع اسرائيل كما صاحبه في سوريا بشار الاسد، والانقلاب على اللبنانيين بدءاً من ساحة رياض الصلح.
ومع هذا فهو يريد اليوم تعيين رئيس للجمهورية ورئيس للوزراء وقائد جيش وقادة الاجهزة الامنية ورؤساء الدوائر الاقتصادية، ويتخصص في الخلوي ويعطي دروساً في النظريات الاقتصادية.. انه حقاً مرشد عصري يفهم في كل شيء فهل هو الغرور وحده.
بل انه الفشل،لكنه الفشل المخيف، لأن الرجل مدجج بالسلاح نزل الى الساحة ليقول هل من مبارز؟ واللبنانيون ملوا القتال والاقتتال، وهو يدعوهم اليه ومعه حقد الدنيا كله عليهم، من بشار الاسد الى احمدي نجاد وبينهما عصابات احمد جبريل وهو اعدى اعداء الشعب الفلسطيني واللبناني.
انه الخوف،لكنه الخوف الذي يؤذي خاصة عندما يكون هذا الخائف بمستوى حسن نصر الله وحزبه، يصرخ للقتال ولا أحد يجيب، فيظن ان ارتفاع الصوت يخيف الآخرين، وهو في علم النفس يعكس خوفاً داخلياً يكاد يقتله وحزبه ومن معه، فيلجأ الى قتال الآخرين حماية لنفسه مما يساورها.
لماذا الفشل؟ لماذا الخوف؟
لم يحقق حسن نصر الله امراً مما وعد به جمهوره المضلل، بعد ان اشبع غرائزه تحريضاً في كل الاتجاهات ودغدغ عواطفه آمالاً كاذبة.
لم تسقط الحكومة الوطنية التي يرأسها فؤاد السنيورة رغم سحب الوزراء الشيعة منها.
لم تسقط المحكمة الدولية رغم الحرب الشرسة التي شنها نصر الله ومن معه ومن وراءه ضدها.
لم تتراجع الاكثرية عن تمسكها بموقفها الاستقلالي، والسيادي وبالحرية والديموقراطية رغم قتل قادتها ونوابها ووزرائها ومفكريها؟
لم يفرط الجيش اللبناني رغم الخط الاحمر الذي وضعه نصر الله امامه لمنعه من الدفاع عن نفسه وعن وطنه وعن مواطنيه امام عصابات فتح الاجرام.
زاد الاحتضان الدولي والعربي والمحلي للحكومة والاغلبية النيابية وازدادت هذه الاغلبية تماسكاً رغم الاشاعات والاسقاطات والحروب القذرة ضدها.
زادت العزلة الدولية والعربية والداخلية لنظامي بشار الاسد في سوريا والفرس داخل ايران رغم التهويل والتحريض والتخويف.
لم يطلق حزب الله ولا نظام بشار الاسد ولا نظام الفرس طلقة واحدة ضد العدو الصهيوني.. وكل رصاصة من هؤلاء كانت تصيب نائباً لبنانياً او وزيراً او وطنياً لبنانياً.
سقط كل رهان سوري او ايراني على تبدل في السياسة الفرنسية بعد انتهاء عصر جاك شيراك وبداية عهد نيكولا ساركوزي بل ازداد الاخير تمسكاً بلبنان السيد الحر المستقل وازداد وضوحاً في كشف موقف بشار الاسد وهو يخضعه للامتحان يوماً بعد يوم. وازداد الموقف الفرنسي تشدداً ضد ايران حتى وصل الى حد القناعة بحتمية الحرب ضدها كما قال وزير خارجية فرنسا برنارد كوشنير.
لم يتوقف الدعم العربي الثابت والاصيل للبنان سيداً حراً مستقلاً وتعبير ذلك في التمسك بالمؤسسات الدستورية وإجراء الانتخابات الرئاسية وفق مصالح اللبنانيين وحدهم دون سواهم، ورفض ترك لبنان لقمة سائغة في فم نظام الاسد مضافاً اليه نظام الفرس في طهران.
فشل حسن نصر الله وحزبه في تغيير كل هذا، وكانت الطامة الكبرى انه اطلق النار على كل البدع التي اطلقها هو او حلفاؤه او تلك التي ابتدعوها لفك تحالف 14 آذار/مارس تحت عنوان التوافق.
ظلوا يتحدثون بالتوافق حتى ظنوا انه الوريث الشرعي لكل الازمات في لبنان.. اخترعوا كذبة التوافق وصدقوها حتى اذا جاراهم العالم واللبنانيون تحت عنوان ((الحقوا الكذاب الى باب الدار)) انقلبوا على التوافق يمزقونه.. وأول المنقلبين كان حسن نصر الله نفسه.
لماذا الانقلاب على التوافق؟
تعالوا الى القصة منذ البداية.. حين اطلقها رئيس مجلس النواب نبيه بري في ذكرى الامام موسى الصدر حيث لخص مبادرته بنقطتين اساسيتين وهما:
1- الغاء مطالبة المعارضة بحكومة تملك فيها الثلث المعطل.
2- انتخاب رئيس للجمهورية بأكثرية الثلثين، وهذا يعني ان على الاكثرية ان تتخلى عن وضعها الدستوري وفق المادة 34 من الدستور بانتخاب رئيس للجمهورية بمن حضر من نواب المجلس.
بدأت 14 آذار/مارس المفاوضات مع الرئيس بري مفوضاً من حسن نصر الله تحت عنوان التوافق على اسم لا تفرضه الاغلبية التي لا تملك اكثرية الثلثين من اصوات النواب، دخل على الخط البطريرك صفير بدعوة القيادات المسيحية الى الاتفاق على برنامج وخطط قبل الاتفاق على اسم الرئيس حتى لا يحرج احداً.
تكاملت مبادرة بري ومبادرة صفير وبات العنوان هنا وهناك هو التوافق، وكان الحديث اليومي لبشار الاسد وكل جماعاته داخل سوريا وداخل لبنان هو التوافق مهدداً بأن لبنان لن يشهد الاستقرار الا بالتوافق.
حتى بات خبز اليوم وطبق اليوم ولائحة الصباح والمساء ودواء قبل النوم وبعد الطعام وقبله هو التوافق.
وعلى هذه الموجة جاء المبعوثون العرب من كل حدب وصوب، وخطب السفراء وتحدث المندوبون وطبل الاعلام ومن سمى نفسه القوة الثالثة.
ركب نيكولا ساركوزي الموجة وتحدث مع بشار الأسد عبر مبعوثيه وكان العنوان التوافق.
توافق توافق توافق.. وافق الجميع.. فشربوا التوافق حتى الثمالة.. ثم ذهبت السكرة وجاءت الفكرة.
توافق على رئيس؟ نعم وماذا يحمل هذا الرئيس، برنامجاً محلياً وعربياً ودولياً.. عنوانه أولاً الالتزام بكل القرارات الدولية التي وافق عليها كل اللبنانيين وأولها القرار 1559 وصولاً إلى القرار 1701 ثم القرار الأهم 1757 أي إنشاء المحكمة الدولية.
هنا استفاق أصحاب المهادنة التوافقية إلى ان هذا يعني ان أي توافق يعني أمن لبنان واستقرار لبنان وحق لبنان على العالم بهما وحق العالم على لبنان بحفظ وتنفيذ القرارات الدولية.
اسقط في يد حسن نصرالله، فقد كان يظن وفق سياساته الفاشلة ان التوافق يعني فك قوى 14 آذار/مارس لأنه يعتقد انها التقت على أن يكون من ضمنها رئيس للجمهورية فإذا جاء رئيس من خارجها فهذا يعني فرطها.
وهو مرض أراد نصرالله تصديره من المعارضة التي تعيش هاجساً اسمه رئاسة الجمهورية لميشال عون ولا أحد غيره، فإذا عرض التوافق ثار عون وهدد بالانقلاب على المعارضة لأن التوافق يعني ان أحداً سواه مرشح لرئاسة الجمهورية.
فجأة،أصبح التوافق ضد مصلحة نصرالله وحزبه ومن خلفه.. بسرعة تبين كذب بشار الأسد كالعادة، فهو يبيع التوافق لساركوزي ثم يوعز في لبنان لمن ينقلب على التوافق وكان أسرع المنقلبين وأوضحهم بل وأصدقهم هو حسن نصرالله فخرج مهدداً متوعداً.
لم يدم الاختبار الذي طلبه ساركوزي من بوش لوعد بشار الأسد إلا 48 ساعة، فسقط بشار في الاختبار عبر موقف حسن نصرالله.
نصرالله لم يسقط وعد بشار فقط بل وأسقط كل محاولات التشاطر التي اعتمدها بحربقة وذكاء نبيه بري، وفضح في الوقت نفسه ان إيران سريعة الغضب والانتقام من الموقف الفرنسي.
ضحك جورج بوش في عبه، شامتاً بساركوزي قائلاً له والرجل لم يعبر الأطلسي بعد عائداً إلى بلاده.. ألم أقل لك ان بشار الأسد لا يستطيع الصدق مع أحد، ومع هذا هناك من يعتقد ان نصرالله كان في خطابه الأخير إيرانياً أكثر منه سورياً، لأن بشار متمسك بالقشة التي أرسلها له ساركوزي بينما إيران تريد الانتقام من فرنسا بسبب تشددها ضد ملف طهران النووي.
ما هي الخطوة التالية؟
نصرالله استنجد بإميل لحود، فهو باعترافه لم يجد في الجمهورية اللبنانية حليفاً مثله تماماً مثلما اكتشف بشار الأسد عام 2004 حين مدد له قسرياً لينقلب السحر على الساحر..
نصرالله اكتشف ان أي اسم يقترحه البطريرك صفير لن يجد فيه حليفاً بمواصفات لحود.. فهو إذن ضد كل مرشح يسميه البطريرك صفير. نصرالله اكتشف ان حليفه التاريخي ميشال عون لا يستطيع أن يهرب من تنفيذ القرارات الدولية، فهو إذن لا يستطيع أن يؤيد ميشال عون. نصرالله اكتشف ان البديل عن لحود هو الفراغ والفراغ ولحود سيّان..
ماذا يفعل لحود؟
يزعم إميل لحود انه سيعين قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للحكومة، لكن سليمان لا يريد أن يكون طرفاً في المشكلة الداخلية لأن اغلبية اللبنانيين التي تحبه وتحترمه وتقدر دوره لا تريد بداية عهد جديد خلفاً لإميل لحود بمشكلة كبيرة هو طرفها الاساسي وهو لا يستطيع ان يبدأ او ان ينتهي من قيادة الجيش بمشكلة شخصية له تحمل سمات المشكلة الوطنية.
ماذا يفعل نصر الله إذن؟
خطة الإنقلاب جاهزة بالاحتلالات والقوة المسلحة التي وزعها على يتامى الاستخبارات السورية في كل لبنان لبدء الفتنة التي ارادها نصر الله داخل كل طائفة وهي ستتمحور فتنة بين السنة والشيعة.. والباقي تفاصيل صغيرة فيلهب نصر الله الوطن العربي والعالم الاسلامي ضد مشروعه المذهبي ارضاءً لبشار الأسد ونظام الفرس في طهران.
ما هو الحل؟
اسقط نصر الله الرئيس التوافقي.. لم يبق إلا الرئيس الدستوري أي الذي تنتخبه الاغلبية النيابية سواءً بالنصف زائداً واحداً او بأكثر بكثير من النصف حتى لو كان بأقل من الثلثين.
متى هذه الخطوة؟
هناك من يعتقد انها يجب ان تتم قبل انتهاء مدة اميل لحود، وهناك من يعتقد انها يجب ان تتم بعد ان يعلن نصر الله عبر اميل لحود انقلابه حتى يحظى تحرك 14 آذار/مارس والأغلبية النيابية بدعم عربي ودولي لا حدود له يبدأ بإعتراف العالم كله ونعني الاتحاد الاوروبي + اميركا + روسيا + بريطانيا + المملكة العربية السعودية + مصر + الاردن + المغرب + الكويت والإمارات.. وبقية البلاد العربية بالرئيس الشرعي الذي ينتخبه مجلس نواب لبنان.
وبعدها تبدأ معركة جديدة اسمها تشكيل الحكومة الوطنية دون الثلث المعطل حكماً.. وهنا مرحلة جديدة اخرى..
