Site icon Lebanese Forces Official Website

سيناريوات “النهاية” في لبنان

سيناريوات “النهاية” في لبنان

سليم نصار – لندن

    

حدث في احدى الدورات الانتخابية خلال عهد الرئيس فؤاد شهاب، ان تراجعت حظوظ الشيخ الياس الخازن في منطقة كسروان. وبما انه كان محسوباً على خط الشهابية، فقد قصد القصر الجمهوري في “الذوق”، ليخبر الجنرال شهاب بالامر، ويطلب منه المساعدة مع العناصر المؤثرة على سير الانتخابات.


واحتار شهاب في ارضاء الخازن، ثم وعده بنقل طلبه الى كل السفراء الذين يزورون القصر. ثم فتح سجل المواعيد، وقال انه سيستقبل سفيري باكستان والبرازيل خلال ذلك النهار، وانه حريص على طرح موضوع الانتخابات معهما. ولما سمع الشيخ الياس جواب الرئيس، تأكد انه نأى بالموضوع كي لا يلزم نفسه بأي وعد. لذلك وقف مستأذناً بالانصراف وهو يقول: يا فخامة الرئيس، شو بيقدر يخدمني سفير الباكستان او سفير البرازيل؟ انا عاوزك تحكي مع مختار عجلتون ورئيس بلدية الذوق، وخوري سهيلة.


أعيدت هذه الواقعة الى ذاكرة اللبنانيين بعد فشل الوسطاء الاقليميين والدوليين في ايجاد حل توافقي ترضى به قوى الموالاة والمعارضة. والثابت ان المبعوثين الاجانب والعرب لم ينجحوا في ردم الهوة السياسية القائمة بينهما.
ويرى المراقبون ان الخطاب الاخير الذي القاه امين عام “حزب الله” السيد حسن نصر الله، اعاد مسألة الاستحقاق الرئاسي الى الساحة المحلية اللبنانية، منتزعاً من فرنسا والولايات المتحدة ومصر والجامعة العربية، كل أمل في التوصل الى حل اقليمي او دولي.


وبما ان توقيت الخطاب جمع مناسبة الاحتفال بـ”يوم الشهيد” مع مناسبة قرب انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود، لذلك فإن السيد حسن نصر الله حدد موقفه النهائي من كل القضايا المطروحة: اولاً – ان المعارضة لن تعترف  بالرئيس اذا انتخب من غير توافق، بل ستعتبره مغتصباً  للسلطة. ثانياً – ان “حزب الله” لن يقبل بنزع سلاحه، وهو في سبيل رفض تطبيق القرار 1559 على استعداد لتحدي العالم كله. ثالثاً – نحن نريد رئيساً غير الذي يريده الاميركيون… رئيساً مؤتمناً على كامل مساحة الوطن اللبناني الذي لا يجوز لأحد ان يلقي به الى ايدي مجموعة  من اللصوص والقتلة من اتباع المشروع الاميركي – الصهيوني. رابعاً – تناشد المعارضة الرئيس اميل لحود، ان يقوم بما يمليه عليه ضميره ومسؤوليته الوطنية والدستورية،  ان يقدم على اجتراح مبادرة انقاذية لمنع البلاد من الفراغ ان لم يحصل توافق، ذلك ان انتخاب رئيس بالنصف زائدا واحدا عمل اسوأ من الفراغ… وبقاء حكومة غير شرعية يعتبر اسوأ من الفراغ ايضاً.


التفسير السياسي للشروط الاربعة التي اعلنها السيد حسن نصر الله، يشير صراحة الى فشل محاولات التوفيق، والى ان مرشحي “لقاء معراب” لن يكونوا مقبولين على قائمة مستحقي الرئاسة. ويعزو المراسلون في بيروت، السبب الخفي لنسف الوساطات الخارجية، الى استبعاد سوريا من كل الحلول. وعلى هذا علقت صحيفة “تشرين” الرسمية في افتتاحيتها قائلة: “لا مانع لدى الرئيس جورج بوش وادارته ان تتدخل اميركا واوروبا وآسيا وافريقيا وكل من هب ودب على وجه البسيطة في أدق الشؤون الداخلية اللبنانية. في حين يمنع على سوريا فقط التدخل”.


في ضوء هذه الاشارة السياسية الهادفة يمكن فهم الموانع التي حالت دون تنفيذ التوافق، باعتبار ان دمشق لن تسمح لواشنطن بتسجيل هدف في المرمى اللبناني. ومعنى هذا ان لبنان لا يزال رهين اللعبة الاقليمية – الدولية، وان دوره ككرة فوق ملعب الشرق الاوسط، يسمح للاعبين بتقاذفه بين الارجل.


أغدق السيد حسن نصر الله في خطابه الاخير، جزءاً كبيراً من عبارات الثناء والمديح على الرئيس اميل لحود، ثم طالبه بضرورة اجتراح حل انقاذي، وطني حسبما تمليه عليه مسؤوليته الدستورية.


في مرحلة سابقة، أصدر الخبير القانوني القاضي سليم جريصاتي، اجتهادات دستورية تسمح للرئيس اميل لحود بالبقاء في سدة الرئاسة الاولى، في حال تعذر تشكيل حكومة وحدة وطنية شرعية تتسلم صلاحيات رئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية لحود (24 الجاري)، او في حال تعطيل عملية انتخابات الرئاسة.


وذكر جريصاتي في حيثيات الاجتهاد ان روحية الدستور تحتم استمرارية الدولة، وعدم الدخول في الفراغ. لذلك يمكن الرئيس لحود البقاء  في القصر الى حين اجراء انتخابات الرئاسة،  او تشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى هي المسؤولية.
واعترض على هذا الاجتهاد عدد من النواب الذين قالوا انه لا يحق للرئيس البقاء في الحكم دقيقة واحدة بعد 24 تشرين الثاني. والمخرج الوحيد لهذه العقدة يتمثل في تعديل الفقرة الثانية من المادة الدستورية الرقم 49، لجهة تمديد ولاية الرئيس لحود لفترة معينة.


وتتضمن المادة الـ49 في صيغتها النهائية على النص التالي: “رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور والمحافظة  على استقلال لبنان ووحدته وسلامة اراضيه وفقاً لاحكام الدستور. يترأس المجلس الاعلى للدفاع وهو القائد الاعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء. ينتخب الرئيس بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب  في الدورة الاولى، ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي. وتدوم رئاسته ست سنوات، ولا يجوز اعادة انتخابه الا بعد ست سنوات من انتهاء ولايته”. ويستفاد من مراجعة هذا النص ان مجلس الوزراء مجتمعاً يتولى صلاحيات رئاسة الجمهورية بدءاً من 25 الجاري، اي بعد ان يغادر الرئيس اميل لحود القصر الجمهوري متوجهاً الى بعبدات. اما بقاؤه فيعتمد على امكان تعديل الفقرة الثانية من المادة الدستورية الرقم 49 لجهة تمديد ولايته لفترة معينة. وهذا التعديل يستلزم الحصول على ثلثي اعضاء مجلس النواب. وهذا ما لا يمكن تأمينه في ظل الظروف السياسية الراهنة.


يتردد في القصر الجمهوري ان لحود أخذ من الرئيس الباكستاني برويز مشرف، المثل لإعلان حال الطوارىء، عملا بالدور الذي خصه به الدستور، اي المحافظة على سيادة الوطن واستقلاله. وهو يرى ان البلاد قد تغرق في حرب اهلية في حال لم ينتخب خلفه، او في حال اعتراض فريق 8 آذار الذي يعتبر حكومة فؤاد السنيورة غير شرعية. ولكن هذا المخرج اصطدم بالممانعة الدستورية لأن اعلان حال الطوارىء من قبل الرئيس، وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يخضع لسلطة مجلس الوزراء، وماذا لو ان جماعة 8 آذار لا تعترف بشرعية حكومة السنيورة، كما اعلن السيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون؟ الحل في تشكيل حكومة ثانية تمنح الرئيس لحود هذه الصلاحيات الاستثنائية. وبما ان هذا الخيار اصبح في مقدم الخيارات المطروحة، فقد طلب وليد جنبلاط من المحامي شبلي ملاط اعداد دراسة حول هذا الموضوع من الناحية القانونية.


ويتوقع موظفو القصر ان يجمع الرئيس اميل لحود اعضاء المجلس الاعلى للدفاع يوم الجمعة المقبل، ويقوم بتسليمهم زمام الامور الامنية. ويكون بهذه الخطوة قد تجاوز قائد الجيش العماد ميشال سليمان، وتجاوز مجلس الوزراء ايضا.
يقول المحللون ان الخطاب الأخير للسيد حسن نصرالله، الغى مهمة رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كان يبحث عن “رئيس توافقي له علاقة مميزة مع سوريا وطيبة مع اميركا”. ولكن المواصفات التي تضمنها الخطاب ترفض الاعتراف بالشق الثاني من مواصفات بري، الأمر الذي يشير الى انتهاء دوره. كما يشير الى انتهاء دور البطريرك الماروني نصرالله صفير الذي كان يبحث مع القيادات الروحية والسياسية عن اسم توافقي يرضي الموالين والمعارضين.


ويقال في تفسير هذا الموقف المحدد ان “حزب الله” اتخذه إكراماً لحليفه العماد عون. وربما اشتكى عون من تجاهله أثناء عرض الاسماء بحجة ان “حزب الله” لا يريد نسف الجسور مع بكركي او مصادرة دورها. وكي يقطع حملة التأويل بأن “حزب الله” قد يرضى بالنائب فريد الخازن رئيساً بديلا في حال تعذر ايصال عون، فان العماد كاشف المسؤولين في الحزب، بأنه لا يتحمل مسؤولية نواب حزبه، وبأنه وحده ملزم بالوقوف مع المقاومة.


يبقى السؤال المتعلق بجماعة 14 آذار وبالخطوات العملية التي قد تعتمدها للخروج من ازمة فراغ الرئاسة! الجواب القاطع ان هذه الجماعة تتهيأ لانتخاب رئيس بالنصف زائداً واحداً، وان الترتيبات الامنية اعدت لجلسة انتخاب الرئيس في البرلمان او في مكان آخر. ويرى قادة “حزب الله” ان هذا التحدي سيقابل بالتصعيد، لأن هذه الخطوة الاحادية الجانب ستجدد سيناريو 1988، وتدخل البلاد في حال الشرذمة والانقسام. ويدعم بعض نواب “لقاء معراب” فكرة انتخاب رئيس، باعتباره يمثل الهدف الأخير عقب خروج وزراء الطائفة الشيعية من حكومة السنيورة.


أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، عبّر عن قلقه الشديد إزاء الوضع المتأزم في لبنان الذي يمكن ان يجدد سيناريو الحرب الطويلة 1975 – 1990. وقال ايضاً: ما يخيفني هو انه في مواجهة انعدام القدرة على انتخاب رئيس، يمكن ان تقوم حكومتان او يتم انتخاب رئيسين. ومثل هذا المأزق – إذا حدث – يشكل وضعاً مقلقاً للأمن والسلام في المنطقة كلها، وليس في لبنان فقط.


وفي تصوره ان التحديات تتجاوز لبنان ومسألة الانتخاب، لتصل الى معركة هوية لبنان وارتباطاته الخارجية، أي معركة صدام مشروعين دوليين – اقليميين يتصارعان على ارض لبنان! 
Exit mobile version