لا سورية ولا حزب الله ولا قادة لبنان يثقون به…
بكركي أنهت آخر أوهام ميشال عون بتزعم الموارنة
بكركي أنهت آخر أوهام ميشال عون بتزعم الموارنة
لم يستطع رئيس الوزراء العسكري الأسبق ميشال عون أن يفهم حتى الآن أنه غير مرغوب فيه مارونياً أو سنياً أو درزياً ومن عدد لا بأس به من قيادات روحية وسياسية شيعية محاصرة ومكتومة من إيران وحزب الله، أو أنه يفهم ذلك لكنه يرفض هضمه والتسليم به، كما أنه بات أكثر من مرفوض جملة وتفصيلاً من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر والأردن، وهي الدول التي بأيديها الآن الحل والربط على الساحة اللبنانية بعدما فقدت حليفتاه سورية وإيران مواقع أقدامهما المتجذرة في لبنان واكتفتا أخيراً، منذ طردهما من جنوب الليطاني، مركز ثقلهما الميداني في حرب تموز من العام الماضي وحلول القوى الأجنبية والجيش اللبناني محلهما، باستخدام الإرهاب والاغتيال والتفجير والتهديد والوعيد وسائل للإبقاء على حضور أقل ما يقال فيه إنه مشوش وهش ولا قواعد له سوى معسكرات السلاح والمقاتلين ومحاولات زرع الشقاق أطول مدة ممكنة.
وقال مقربون روحيون وسياسيون من البطريركية المارونية ودار الإفتاء السنية في آن معاً، أوردوا هذه الصورة القاتمة لوضع ميشال عون الراهن، إنه يقاتل الآن طواحين الهواء دون أن يكون واثقاً من أي شيء، لا من قبول “الجيش الأسود”، أي الاكليروس الماروني والمسيحي كما وصفه وديعة حزب الله في تياره النائب الشيعي عباس هاشم خلال انتخابات المتن الأخيرة، به كفريق ماروني ملتزم بالطائفة ومصالحها وأهدافها القريبة والبعيدة، ولا من قناعة حقيقية غير مصلحية لحزب الله بزعامته مفقودة الدعم مارونياً بشكل خاص، إذ إن حسن نصرالله ونعيم قاسم وتوابعهما في القيادتين العسكرية والسياسية لا يثقون به كحليف متين أبدي لا ينقلب عليهم عندما يضع رجليه في ركابي رئاسة الجمهورية ويحيط نفسه بالأجهزة العسكرية التي أين منها أجهزة سورية وإميل لحود في عهد الوصاية، ويحكم البلد بالحديد والنار مع إلغاء شبه كامل للديمقراطية الراهنة على الأقل ولحرية الكلمة والتعبير، ثم يستدير نحوهم لاقتلاع أنيابهم العسكرية: فإذا كان لم يقدر عواقب إعلان الحرب على دولة مثل سورية في أواخر الثمانينات، فمن سيردعه عن إعلان الحرب على من هم أضعف منها.
كذلك ، وبحسب هؤلاء المقربين من بكركي، يعاني الجنرال بطل حربي التحرير والإلغاء واللتين مازالتا راسختين في ذاكرة اللبنانيين والسوريين على حد سواء، نقصاً هائلاً في ثقة النظام السوري به، استناداً إلى التجارب المريرة معه، وإلى تقلباته المتواصلة حتى ضد أبناء جلدته من قادة ثورة الأرز الذين سبقوه في إخراج هذا النظام كسير القلب مهزوماً من لبنان، وضد قيادته الروحية في البطريركية المارونية التي ما إن يستعيد في كل مرة بعضاً من قواه وسطوته ويستفيق فيه مجدداً النبض العسكري الذي يتحكم بتصرفاته في كل شيء، حتى ينوشها بسهامه ويعتدي عليها ظناً منه أنها لا تريده ولا تأمن جانبه ولا تقف إلى جانبه ظالماً كان أو مظلوماً، وبالأخص لأنه لا يريد أي منافس له يعتقد أنه يتجسد في الاكليروس الماروني.
وأعرب هؤلاء المقربون لـ”السياسة” عن قناعتهم بأن بشار الأسد وأعضاء بطانته الذين يستخدمون ميشال عون راهناً كما يستخدمه حزب الله، حصان طروادة داخل المعاقل المسيحية الحصينة التي مازالت وحدها تشكل في نظرهم المانع غير المخترق للعودة إلى السيطرة على لبنان مجدداً، هم أيضاً لايمكن لهم أن يأمنوا جانبه ويأخذوا بوعوده، لأنه سبق له أن فاجأهم بحرب تحرير في أواخر الثمانينات بقلب ظهر المجن لهم وهم في عز التفاوض معه من خلف الستار، ولم يستعد مد جسوره معهم إلا في أواخر عهد نفيه في باريس, بعدما أصيب باليأس والقنوط من العودة إلى لبنان, ولولا اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وانفجار الشعب اللبناني في وجوههم، لما كانوا انسحبوا ولما كان عاد بنفس الطبيعة العدائية لكل الناس متوهماً انه هو “بطل التحرير” الفعلي رغم ان هزيمتهم النكراء في لبنان هي التي حملتهم على مغازلته واستعادته الى “طريقهم الاخوي”.
وقال احد رؤساء الرهبانيات المارونية ممن همشهم عون خلال فترة رئاسة حكومته العسكرية المسخ في اواخر الثمانينات. آخذاً اياهم بجريرة حقده على البطريرك نصر الله صفير الذي عارض على طول الخط نزقه بالحروب والاقتتال واستخدام المدفع والصاروخ وسيلة لتحقيق مطامعه التي لم تتحقق، ان مبادرة جمعه في بكركي الاسبوع الاسبق في “حفلة” حوار متباعدة مع الموالاة ولدت ميتة لعدد من الاسباب، اولها ان صاحب بكركي لم يكن متحمساً لعقد اي اجتماع في بيت الطائفة للمتناحرين من ابنائها لانه يدرك تماماً ان عون على الاقل، وبشكل خاص، لا يمكن ان يتنازل عن اي شيء لانه يضع نصب عينيه كرسي الرئاسة ولان طبيعة تركيبته الشخصية لا تؤهله لاي تنازل في سبيل المصلحة العامة، وهو مازال يعيش أواخر الثمانينات ويعتقد انه مازال الآمر الناهي في قصر بعبدا يحرك الجيوش ويتلاعب بمشاعر الناس المخلصين الذين تخلى عنهم عند ظهور تلك الطائرة السورية اليتيمة فوق رأسه وفر الى السفارة الفرنسية تاركاً جيشه و”شعبيته” في مهب الريح وعرضة للقتل والانتقام والقمع التي استمرت على يد نظام دمشق خمسة عشر عاماً، لم تنته الا بطرده من لبنان على يد المجتمع الدولي.
ونقل رئيس الرهبانية لـ”السياسة” عن احد الاساقفة الموارنة قوله: عشية توجيه دعوة بكركي لعون للحضور الاسبوع الاسبق “انه ملح فاسد واذا فسد الملح فبماذا يملح؟” معبراً بذلك عن مساندة البطريرك في نظرته الى عدم جدوى استدعائه الى نفس صالون الاستقبال في الصرح الذي فيه حاول الاعتداء على سيده عندما ارسل رعاعه “لتأديبه” في اواخر الثمانينات لعدم مساندة اندفاعه الاهوج الذي دمر معظم المناطق المسيحية.
وقال المطران انه “منذ تلك الحادثة المريرة التي اضطرت البطريرك صفير الى الانتقال الى مقره الصيفي في الديمان للحفاظ على كرامة البطريركية التي لم تتعرض في تاريخها لمثل هكذا اعتداء, فقد عون في نظرنا ونظر الموارنة دينه ودنياه وآخرته وهو الآن يدفع ثمن تلك الخسارة”.
وأكد المطران الماروني لاءات الطائفة المارونية الاربع في وجه طروحات عون الاربعة ايضاً وهي: لا للحكومة الانتقالية التي يطالب بها الان مدفوعاً من حزب الله وحركة امل وعملاء سورية، ولا لانتخابات نيابية مبكرة في ايار المقبل، ولا لتشكيل المجلس الدستوري الا في عهد الرئيس الجديد، ولا لتأجيل الانتخابات الرئاسية الى حزيران، وهذه كلها طروحات من داخل وخارج الحدود، هدفها اولاً واخيراً احداث فراغ رئاسي قد يلغي اذا طال حق الموارنة في رئاسة الجمهورية، وتثبيت قيام مجلس رئاسي نصفه لسورية ونصفه الآخر لايران وعندئذ على لبنان السلام.
