المرحلة النهائية من “الماراتون الرئاسي” تبدأ من دمشق
سوريا تفاوض على ثمن لم تقبضه بعد من واشنطن
سوريا تفاوض على ثمن لم تقبضه بعد من واشنطن
هيام القصيفي
بانتهاء الماراتون الرياضي، بدأت المرحلة الاخيرة من “الماراتون الرئاسي” مع اول يوم في آخر اسبوع من ولاية رئيس الجمهورية اميل لحود. لكن الوصول الى الخط النهائي، لا يزال محكوما بكم من التساؤلات حول امكان انعقاد الجلسة الانتخابية، وهوية الرئيس العتيد، الذي يفترض ان يكون مرّ عبر اللائحة البطريركية التي اثارت استياء المرشحين الموارنة بقدر ما اشاعت ارتياحا لدى الذين وردت اسماؤهم في نصفها الثاني. وهنا بيت القصيد الماروني الذي ما ان لملم خسائر “لقاء قرنة شهوان” اثر الانتخابات النيابية عام 2005، حتى بدأ يلملم خسائر مسيحيي 14 آذار، وقبل ان تتضح معالم الطبخة الرئاسية.
وفيما دخلت البلاد انتظارا عبثيا، كانت الاوساط الحكومية، لا تزال على حذرها من موجات التفاؤل والتشاؤم التي تضرب البلد، وعلى حذرها من المعلومات والاشارات المتناقضة التي تأتي من دمشق ومن ايران حول امكان عقد جلسة الانتخاب، وايحاء اسم الرئيس الذي توافق عليه هاتان الدولتان. وجاءت زيارة الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون، ثم وزير الخارجية الايطالي ماسيمو داليما، لتتركا انطباعات جيدة عن مدى اصرار المجتمع الدولي بلبنان، وهو ما عبر عنه بان الذي عدد القرارات الدولية الاحد عشر المتعلقة بلبنان، والذي قال للرئيس فؤاد السنيورة ان اتصالاته به، منذ ان تولى مهمات الامانة العامة، كانت الاكثر عددا من بين الاتصالات التي اجراها بمسؤولي الدول والحكومات.
لكن حركة الموفدين الدوليين التي تشبه الى حد كبير الحركة التي شهدتها بيروت عام 1988، معرضة للانحسار اذا لم يتمكن اللبنانيون بانفسهم من تحمل مسؤولياتهم، وخصوصا ان الروزنامة الدولية تحفل باحداث وتطورات دراماتيكية، تنذر الملف اللبناني بان يوضع على الرف، اذا لم ينجز سريعا.
من هنا تفاوتت الرؤية التي خلصت اليها الاوساط الحكومية بعد زيارة بان وداليما لبيروت، اضافة الى حركة الموفد الفرنسي جان كلود كوسران. فالانطباع الاول ان سوريا يمكن ان توافق على امرار الانتخاب بعد سلة اوروبية عرضتها عليها فرنسا تتعلق بالشراكة الاقتصادية وبفتح ابواب اوروبا امامها، بما يشبه تأكيد فتح الباب امام المستثمرين الاوروبيين لدخول السوق السورية. والاهم من هذا كله تمتين الوساطة التي تقوم بها باريس بين دمشق وواشنطن، علما ان عقد مؤتمر انابوليس 2 يعطيها دورا مباشرا. لكن هذا الانطباع ظل محكوما بمدى رغبة سوريا في التخلي نهائيا عن لبنان، ولو قُدمت اليها اوروبا كلها، ما دام ثمن الجولان لم يكن كافيا لها. ومعلوم ان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك سبق ان قدم الى الرئيس بشار الاسد ما لم يقدمه اي رئيس اوروبي، وفتح له ابواب اوروبا، وزار الملك الاسباني خوان كارلوس دمشق، من دون ان يمنع ذلك سلسلة الانهيارات التي بدأت بالتمديد ولم تنته باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
والانطباع الثاني ان ايران المقبلة على تحديات تتعلق بوضعها النووي، توافق على الطبخة الرئاسية اللبنانية لحماية ظهرها من اي ثغرة في حال تعرضها لهزات دولية من نوع العقوبات او من نوع الضربات الاستباقية عليها.
وسط هذين الانطباعين، تحرك الفاتيكان وفرنسا في اتجاه بكركي ومن خلفهما واشنطن للضغط في شكل يفوق التوقعات، على البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير من اجل تزكية اسماء مرشحين للرئاسة. خرجت التزكية الى العلن. وسمى صفير الشيخ ميشال الخوري بتزكية من الحريري ومن مسيحيين في 14 آذار و”القوات اللبنانية”، وسمى الوزير السابق ميشال اده رجل الكنيسة المارونية، على رغم اعتراضات بعض 14 آذار عليه، وسمى النائب روبير غانم باعتبار انه مقرب من 14 آذار ويفترض ان توافق عليه المعارضة. لكن العقدة بقيت في دمشق وايران بخلاف التوقعات. ويقول بعض عارفي صفير انه سمى الاول والثالث ليرسو الخيار على اده او على الورقة التي لم يكشفها حتى الآن.
لكن اللائحة لم تثر فورا اي ارتياح لدى المعارضة، بل اتهمت بانها هي من سرب اسماءها، في حين بلغ بكركي ان الرئيس نبيه بري يقول ان صفير يعرف تماما مواصفات التوافق، وهي لا تنطبق على من سماهم، بل على المرشحين جان عبيد وفارس بويز.
في المقابل، وفيما كان وزراء ونواب في الاكثرية يقولون في نهاية الاسبوع ان ما وصلهم من معلومات اكد موافقة السوريين على اللائحة وان المعركة الرئاسية انتهت وفاز فيها غانم، اطل النائب السابق سليمان فرنجيه موحيا كلمة السر ان لا حظوظ لغانم، وليحدد “خريطة الطريق” نحو التوافق. وفي اليوم التالي خرج داليما من اجتماعه مع بري ومع العماد ميشال عون ناقلا اجواء متشائمة عن امكان التوصل الى تفاهم في الانتخابات الرئاسية. وما نقله الوزير الايطالي كان كافيا للاكثرية لاعادة حساباتها، واعطاء خياري الفراغ والانتخاب حظوظا متساوية.
الا ان تسارع الحركة مساء امس بوصول العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني الى دمشق، التي عادت ناخبا اساسيا في الانتخابات الرئاسية، حاملا اجواء الرياض الى الرئيس السوري بشار الاسد، وعودة الوزير الفرنسي برنار كوشنير الى بيروت واتصالات وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ببري والسنيورة وصفير والنائب سعد الحريري مشددة على “التوافق”، اكدت كلها ان المشكلة لا تزال مستعصية، وانه لانضاج الحل، ثمة ثمن ما لم تقبضه سوريا بعد لتنسحب من الفلك الايراني.
وفي قراءة لأوساط حكومية ان سوريا لم تقبض اي ثمن في ما يتعلق بالمحكمة الدولية، وان تعيين المحقق العدلي مدعيا عاما في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يؤكد تعجيل الخطوات العملانية والاجرائية لسريان المحكمة. لكن التجربة التي نتجت من محكمة الجزاء الدولية ليوغوسلافيا سابقا، دلت على انه يمكن الابطاء في عمل المحكمة واستدعاء الشهود وحتى المتورطين. وهذا الامر قد يكون وضع على الطاولة امام السوريين، الذين استشفوا انه في مقابل امرار الاستحقاق، يمكن ان تتأخر الاستدعاءات، بخلاف ما منعت عمله المدعية العامة كارلا دل بونتي التي عرقلت بعض الاتجاهات السياسية الفرنسية والاوروبية والاميركية، التي حاولت تأخير بعض الاستدعاءات اليوغوسلافية لاسباب سياسية.
وهذا يعني ان الثمن السوري لا يزال قيد التفاوض، في انتظار العرض الاميركي الاخير. لكن رسالة السعودية الى دمشق واضحة في هذا المجال، وعبر عنها الامين العام للامم المتحدة، وكذلك الفرنسيون والموفدون الأوروبيون والاميركيون في اتصالاتهم برئيس الحكومة وبالحريري. فالحكومة الحالية هي الشرعية، والمجتمع الدولي سيجدد شرعيته لها اذا حصل اي فراغ. الا ان المجتمع الدولي مستعد لتغطية اي تحرك تقوم به الاكثرية بما في ذلك انتخاب الرئيس على قاعدة النصف زائد واحد وتشكيل حكومة برئاسة النائب الحريري. ولا يعني ذلك ان باب التسويات اقفل بحسب الاوساط الحكومية التي تعتبر ان فرنسا، وضعت كل ثقلها ورهاناتها على المحك. فباريس، بعدما سمت مرشحين فرنكوفونيين، تؤكد انها لن تتهاون في تعطيل دور يحاول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي استعادته من واشنطن، بعد انحسار الدور الفرنسي عن المتوسط منذ ان تخلت فرنسا عام 1990، عن دورها السياسي في بوابتها التاريخية الى الشرق، حين تخلت الاشتراكية الفرنسية عن العماد ميشال عون سياسيا وليس انسانيا، وهي علاقة دفع ثمنها عون لاعوام خلت في حسابات السياسة الاميركية، وكذلك الجيش اللبناني.