“المعارضة” تصعّد على 3 خطوط أبرزها الفراغ..و14 آذار الملتزمة لائحة بكركي لن تتخلّى عن “النصف زائد واحد” في هذه الحالة
“الصراع التفاوضيّ” ومداه الزمنيّ المحدود جداً
نصير الأسعد
نصير الأسعد
بتقديم البطريرك الماروني نصرالله صفير لائحته وبانتقالها إلى ركنَي “مفاوضات التوافق” الرئيس نبيه بري ورئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري، بدأ منذ مساء أمس الأول ما يمكن تسميته “الصراع التفاوضيّ” بين الأكثرية و”المعارضة”.
“الصراع التفاوضيّ” الدائر
في إطار هذا “الصراع التفاوضي”، أعطت “المعارضة” وحليفاها الإقليميان النظام السوري وإيران إشارات تصعيد.
النظام السوري نعى المبادرة الفرنسية المعروف أنّ لائحة بكركي تشكّل عمودها الفقري، وهاجم الأكثرية وهدّدها. أمّا النظام الإيراني فوجّه بواسطة الرئيس أحمدي نجاد رسالة فظّة إلى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي “يذكّره” فيها بأن ثمّة مصالح مشتركة إيرانية ـ فرنسية في لبنان، أي أنّه يهدّده بهذه المصالح فيما لو واصلت باريس تشدّدها حيال طهران في شأن المسألة النووية، مواصلاً بالتوازي الحديث عن “تعطيل اميركي ـ اسرائيلي” للتوافق المعرّف ايرانياً على انه “الإجماع”.
أبواق النظام السوري في لبنان، أي “الجناح المخابراتي السوري الصافي”، لم يتوقّفوا عن التهديد. أحدهُم أكّد أن لا بديل من الجنرال ميشال عون في رئاسة الجمهورية مع انّه يعرف انّ النظام في دمشق لا يريد من الجنرال سوى تغطية التعطيل. أمّا “الناطق الرسمي” باسم هذا “الجناح” الوزير السابق سليمان فرنجية، فقد هاجم لائحة بكركي اسماً اسماً مستثنياً الوزير السابق ميشال إده من هذا الهجوم. وإذا كان سليمان فرنجية أوحى بأنّ ميشال إدّه هو المرشّح المقبول سوريّاً، فإنّ إنتقاده عدم تضمّن اللائحة أسماء أخرى، أوحى بأنّ إدّه ليس سوى واحد من بين مرشّحين آخرين يثق نظام الأسد بهم ويريدهم لرئاسة لبنان. كما لم يتردّد سائر الأبواق في الحديث عن “إجماع مسيحي” كشرط لـ”التوافق”، ناسفين بذلك المبادرة الفرنسية آليّةً ولائحةً بطريركيّة.
“حزب الله” يهدّد بخطوات ميدانية
في هذه الأثناء، وإذ تصدّر “حزب الله” التصعيد وصولاً إلى مهاجمة سعد الحريري بالتحديد، فإنّه عمّم انّ ثمّة “خطوات ميدانية” ستحصلُ اعتباراً من غدٍ الثلاثاء. وتردّد انّه أبلغ إلى مسؤولين في مرفق حيويّ يقعُ في نطاق منطقة نفوذه الأمني أن ينتبهوا إلى يوم الثلاثاء.
في قراءةٍ لهذا التصعيد، يرى متابعون انّه “يتحرّك” على أحد خطّين رئيسيّين. الأول هو الضغط للوصول إلى الاسم الأكثر قبولاً من النظام السوريّ، من ضمن اللائحة أو إختراق اللائحة باسم آخر. والثاني هو الضغط بهدف “المقايضة” على البرنامج السياسي للمرحلة المقبلة، أي “تطويق” العملية في السلمية استحقاقَيها المباشرين رئاسة الجمهورية والحكومة المقبلة، ببرنامج سياسي يسقط القرارات الدولية ولا سيما القرار 1559 ويطيح مقرّرات الحوار الوطني “السابق”، بحيثُ لا ينطلق الحكم في المرحلة المقبلة من إعتبار انّ القرارات الدولية ومقرّرات الحوار مسلّمات لا بدّ من العمل على تنفيذها.
غير انّ ثمّة من يرى انّ التصعيد لا يزال في دائرة إستهداف الاستحقاق الرئاسي نفسه مباشرةً، أي انّ هذا التصعيد يهدف إلى إطاحة الاستحقاق في حدّ ذاته، دفعاً باتجاه الفراغ والفوضى لـ”المفاوضة” عليهما في وقت لاحق أو لاستخدامهما في استحقاقات إقليمية داهمة.
14 آذار: من ضمن لائحة بكركي
حيال التصعيد من قِبل “المعارضة” في موازاة “الصراع التفاوضي” الدائر، حدّدت 14 آذار أسس تحركها.
فباسم 14 آذار، كرّر زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري خلال الأيام الماضية، انّ الأكثرية ملتزمة البحث في التوافق من ضمن لائحة البطريرك، وبديهيّ أن تقترح لـ”التوافق” مرشّحَي 14 آذار أو الأقرب إلى 14 آذار من الأسماء الأخرى. وأكد الحريري باسم 14 آذار وبتفويض منها انّ المبادرة الفرنسية تقضي بأن يضع البطريرك لائحة إسميّة، وبأن يجري الاختيار من ضمنها، على أن يكون المجلس النيابي هو “المصبّ”، أي إمّا أن يتّفق بري والحريري على اسم أو يذهبان باسمين أو أكثر للانتخاب في مجلس النواب. وفي جميع الأحوال، هذا هو التفسير الذي أكّده الحريري للبيان المشترك بينه وبين بري الأسبوع الماضي بعد إعلان رئيس المجلس تأجيل جلسة 12 تشرين الثاني.
قوى 14 آذار تدعم تفويض الحريري
ودعماً للحريري وللتفويض المعطى له من جانب الأكثرية، بادر رئيس “اللقاء الديموقراطي” وليد جنبلاط نهاية الأسبوع الفائت إلى الاتصال بالرئيس بري ليؤكّد له انّ “الوحدة الوطنية فوق كلّ اعتبار”.
ولهذا الاتصال أكثر من معنى. الأول إعلان جنبلاط دعمه لتسويةٍ من ضمن آلية المبادرة الفرنسية ولائحة بكركي. والثاني تأكيده أن 14 آذار مستعدة لـ”شراء الشر المستطير” بتسوية منطقية. والثالث تكذيب ما يُتّهم به جنبلاط من جانب “الخصوم” بأنّه “متشدّد” و”معارض للتسوية”.
وعلى المنوال نفسه، نسَج مسيحيّو 14 آذار الذين أعلنوا دعمهم لسيّد بكركي ولـ”فرصة” التوافق، فأكّدوا بهذا الموقف انّهم ليسوا عقبة في وجه التسوية.
مرونة الأكثرية تتوقف عند التعطيل
إذاً في إطار “الصراع التفاوضي”، تصعّد “المعارضة” على ثلاثة خطوط، الرئيسيّ منها هو التعطيل للاستحقاق “في المبدأ”. أما الأكثرية فتتوخى من التزامها بالمبادرة الفرنسية ولائحة بكركي، تأكيد مجموعة من الأمور دفعة واحدة. تتوخى تأكيد أنها مع تسهيل حصول الاستحقاق الرئاسي. وتهدف إلى تأكيد أن مصدر الخطر على العملية السياسية والدستورية يأتي من دمشق و”معارضتها”. وترغب في تأكيد سعيها إلى تجنيب لبنان الشرور على أنواعها.
بيدَ أن هذه المرونة من جانب 14 آذار، لا تعني أنها ألغت احتمال إنتخاب الرئيس بالأكثرية المطلقة. فعندما يظهر للجميع لبنانياً وخارجياً أن “المعارضة” تناور للوصول إلى نهاية المهلة الدستورية بلا رئاسة جمهورية، وهذا هو الاحتمال الأرجح حتى الآن، فإن الأكثرية لن تستسلم للتعطيل ولن تسلّم البلد إلى الفوضى الدستورية ولن تُنهي أكثريّتها.
ثمة تفويض دولي، أميركي ـ أوروبي لفرنسا في مبادرتها من أجل إنقاذ الاستحقاق الرئاسي. وثمة دعمٌ عربي لهذه المبادرة، خصوصاً أن بكركي تشكّل عمودها الفقري. لكن فرنسا وأميركا وأوروبا والدول العربية لن تقبل جميعها أن يصل البلد إلى 24 تشرين الثاني بلا رئيس منتخب للجمهورية. وهي بلا شك ستقول كلمة واضحةً بعد 21 الجاري إن لم يكن “الصراع التفاوضي” أفضى إلى نتيجة دستورية.
حتى البطريرك يجب أن يُقرأ موقفُه جيداً. فخلال الساعات الماضية، نُقل عن رأس الكنيسة إقتناعه بأمرين. أوّلهما أن ضميره مرتاح إذ قام بما طُلب منه، وثانيهما أن بكركي لن تكون “شمّاعة” تعلّق عليها الأزمة فيما لو لم يتّم التوافق على إجراء الاستحقاق. وإذا أضيف إلى ذلك أن البطريرك سيكون اعتباراً من 21 الجاري في الاتيكان للمشاركة في اجتماع للكرادلة الكاثوليك، فالمعنى أن سيّد بكركي يُعلن سلفاً أنه لن يكون مسؤولاً عما يمكن أن يجري بعد 21 أو ما بين 21 و24 أو بعد 24.
“النصف زائد واحد”
يومان يفصلان عن جلسة الانتخاب بعد غد الأربعاء. ومن المفترض أن تظهر نتيجة “الصراع التفاوضي” اليوم أو في ساعات نهار غد الثلاثاء على أبعد تقدير.
لا يمكن بالمطلق إلغاء احتمال إنقاذ الجلسة. لكن احتمال “النصف زائد واحد” لا يزال هو الإحتمال المتقدّم.
لم “يبقَ من العمر أكثر مما مضى”، أي أن الأسبوع الذي يبدأ اليوم وينتهي السبت المقبل هو بلا شك “أصدق إنباء من الكتب