#adsense

الأوساط الاقتصادية: هل ستصمد المناعة المالية والمصرفية امام تحديات المرحلة؟

حجم الخط

لأن السيناريوات المطروحة تُفقد القطاعات مكاسبَها وتُعرِّضها لأضرار جسيمة
الأوساط الاقتصادية: هل ستصمد المناعة المالية والمصرفية امام تحديات المرحلة؟

 

تدخل البلاد، اعتباراً من اليوم، مرحلة العد العكسي للانتخابات الرئاسية وذلك قبل يومين من الموعد المحدد لجلسة الانتخاب بعد غدٍ الاربعاء وقبل 5 ايام من آخر موعد  للاستحقاق. ومع انحباس الانفاس في اتجاه ما ستسفر عنه الاتصالات المحلية والدولية الكثيفة الجارية لتأمين الانتخاب “التوافقي”، ينتظر ان يشهد الاسبوع المقبل ترقبا وركودا في النشاط الاقتصادي وخصوصاً ان الحكومة دخلت مرحلة تصريف الاعمال بعد عقدها آخر جلسة لمجلس الوزراء الاسبوع الماضي لتأكيد قرارات جلسته السابقة، فيما يستعد كل من رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ووزير المال جهاد ازعور لاجراء جردة اليوم وغداً لاعمال الحكومة، فضلاً عن تقديم رؤية اقتصادية ومالية لآفاق المرحلة المقبلة.


وتوقفت مصادر مصرفية عند المناعة التي ابرزتها السوق المالية الاسبوع الماضي في جبه الاجواء المتقلبة والمواقف التصعيدية التي سجلت مما عكس ثقة لدى العملاء المحليين والمستثمرين الاجانب في المستقبل الاقتصادي للبلاد، عززتها الاسعار المشجعة للاسهم والسندات اللبنانية مقارنة بمثيلاتها في الاسواق المحيطة.

 

ولفتت المصادر الى ان هذه المناعة تنسحب على القطاع المصرفي الذي يسجل، على رغم الظروف السياسية والامنية المتقلبة نمواً وتوسعا، محلياً واقليمياً. ففي مراقبة لتطور الودائع في الاعوام الخمسة الاخيرة، يلاحظ انها زادت من 43 مليار دولار مطلع عام 2003 الى 55 ملياراً في كانون الثاني 2005 الى 66 ملياراً حتى نهاية ايلول على رغم الهزات الكبيرة التي تعرض لها، والتي ادت الى مسار انحداري ابرزها اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري منتصف شباط 2005 امتد حتى ايار وبلغ ملياري دولار  وثانيها بعد عدوان تموز 2006 الذي ادى بدوره الى تراجع بلغ 3,1 مليارات دولار ( اذ تراجع من 61 مليار دولار في حزيران 2006 الى 59 ملياراً في تشرين الاول 2006) . وبهذه المراجعة يتبين ان الزيادة في الودائع بلغت منذ اغتيال الرئيس الحريري 13,2 مليار دولار فيما بلغت من عدوان تموز 8,1 مليارات،  منها 5,5 مليارات منذ بدء اعتصام المعارضة في وسط بيروت.


 سيناريوات الاستحقاق

 

واذا كانت مناعة الاقتصاد صمدت أمام الزلازل الكبرى التي شهدتها الأعوام الثلاثة الماضية، فان السؤال المطروح اليوم في اوساط المجتمع الاقتصادي هل ستصمد هذه المناعة امام سيناريوات الفراغ المطروحة قبيل ايام من انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للبلاد.


فاحتمالات الفراغ تسير على خط مواز مع المساعي التوافقية، بما يجعل كل الخيارات قائمة، وخصوصاً في ظل المناخ التصعيدي الذي تبديه قوى المعارضة حيال التهويل بالسيناريوات البديلة واعداد العدّة لها.


وعلى رغم ان السوق المالية التي تعكس عادة الجو السياسي لم تأخذ ذلك المناخ بجدية كما بدا من خلال تعاملات الاسبوع  الماضي، بحيث جاء التأثير ضعيفاً مقارنة مع حجم المواقف والتصريحات الصادرة، فان مخاوف الوسط الاقتصادي بدأت تتعاظم  من احتمالات عدم التوصل الى اجراء انتخابات رئاسية واللجوء تاليا الى احد السيناريوات البديلة.


وفي حين لا تعرف الاوساط الاقتصادية اذا كان الكلام المطروح عن حكومة ثانية (عسكرية على الارجح) يأتي في سياق التهويل والضغط او هو خيار جدي تتداوله قوى المعارضة، ابدت قلقها العميق حيال عدم تعاطي القوى السياسية بمسؤولية مع الوضعين الاقتصادي والمالي اللذين يقاومان بصعوبة انعكاسات التشنج السياسي، وهو ما بات واضحاً من خلال اغفال هذه القوى للنداءات والتحذيرات المتكررة للهيئات الاقتصادية وآخرها قبل اقل من اسبوعين.


وامام هذا الواقع، بدأ البحث الجدي في الاوساط الاقتصادية في الانعكاسات التي قد تترتب على الاوضاع الاقتصادية والمالية والمناخ الاستثماري في البلاد جراء السيناريوات المطروحة  وتقويم الاقل ضرراً بينها على الاقتصاد.
وفي المحصلة، فان اكثر السيناريوات التي يجري التداول بها حالياً يتمثل، اما في استمرار الوضع على ما هو عليه حالياً اذا تعذر اجراء الانتخاب واما انعقاد جلسة بنصاب الاكثرية وليس الثلثين 


 وانتخاب رئيس من قوى الاكثرية تضع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة استقالتها في يده ليتم تشكيل حكومة جديدة. وفي هذه الحال، تذهب المعارضة الى تشكيل حكومة من خلال لجوء رئيس الجمهورية الى هذا الاجراء في الربع الساعة الأخير من ولايته.


وهنا تكمن خطورة قيام حكومتين، علماً انه في مثل هذه الحال فان اي رئيس او اي حكومة سيكتسبان شرعيتهما من اعتراف المجتمعين العربي والدولي، وتاليا فان موقف المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي، سيكون رهن موقف الأمم المتحدة التي يستمدان منها موقفهما في التعاطي مع الدول والحكومات.


والواقع ان بعثة صندوق النقد والمسؤولين عن الملف اللبناني في البنك الدولي والذين امضوا الايام العشرة الاخيرة في لبنان حيث اجروا محادثات مع عدد من المسؤولين لم يتطرقوا الى الملف الرئاسي من هذه الزاوية، وانما من التأثير المحتمل لعدم حصول الانتخابات على المالية العامة من جهة، وعلى الاقتصاد والقطاع الخاص من جهة اخرى.


واذا كانت تجربة الحكومتين التي خاضها لبنان في ظروف مماثلة عامي 1988 و1989، ادت الى  خسائر مادية بلغت 650 مليون دولار وتراجع الاقتصاد بنسبة 15 في المئة عام 1989 و10 في المئة عام 1990 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وبلوغ عجز الموازنة 91 في المئة او ما يعادل 20 في المئة من الناتج في حينها، فضلاً عن وقوع اكثر من 5000 قتيل و700 جريح، فان الاضرار المرتقبة حالياً لا تقل خطورة ان على صعيد تراجع الاقتصاد وازدياد كلفة استدانة الدولة وخسارة مفاعيل مؤتمر باريس3 والاموال المرصودة للبنان منه، فضلاً عن خسارة لبنان كل الفرص الاستثمارية المتاحة حالياً بفعل فورة النفط والتي لم يفِد لبنان اساساً  منها كما يجب بفعل التشنج السياسي القائم.


وما استذكار اخطار الحكومتين في مرحلة سابقة – وان اختلفت اليوم ظروفها ومعطياتها- الا لتسليط الضوء على الاضرار الجسيمة التي ستلحق بلبنان اقتصادياً واجتماعياً ومالياً، والتي لا يبدو ان اياً من القوى السياسية يأخذها في الاعتبار في جردة حساباته للمكاسب اوالخسائر لخياراته.


لقد حقق لبنان مكاسب اقتصادية عززت مناعة بعض قطاعاته فبلغت ودائع القطاع المصرفي اكثر من 66 مليار دولار، وارتفعت الصادرات الى اكثر من ملياري دولار، واستعاد ميزان المدفوعات فائضه في حين يسجل القطاع العقاري فورة لافتة وترتفع الورش العملاقة في بيروت وضواحيها متحدية كل الاخطار، وهذه بعض من المؤشرات الايجابية التي يمكن الاقتصاد ان يحققها اذا اكتمل المشهد السياسي بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. اما التحديات فهي لا تقل شأناً ومرشحة للتعاظم وتضييع كل المكتسبات اذا دخلت البلاد المجهول بحيث تصبح مفتوحة على كل الاحتمالات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل