الموارنة… تاريخ نضال ومقاومة
(الجزء الأوّل)
إعداد: مسؤول اللجنة الإعلاميّة في القوّات اللبنانيّة (المتن – الشّمالي)
روكز مزرعاني
مقدّمة: بين خليج إسكندرون والعريش، يمتدّ ساحل هو منذ بدء التّاريخ وجه آسيا المتطلّع الى بقيّة العالم. وعلى هذا السّاحل، مُدن هي منارة الحضارات (صور، صيدا، بيروت، جبيل، طرابلس، إنطاكية…) وفوق المدن جبل هو هامة المشرق، وعلى هذا الجبل، أرز هو بطريرك الشّجر أو تاج الطّبيعة…
3- رفض الخضوع والإنصياع: أمّا الفريق الآخر، الأقلّ عددًا والأكثر كدًّا والأفقر يدّا، هو الفريق الذي قامت عليه المارونيّة. هؤلاء رفضوا حتميّة الأمور الواقعة فلم يقبلوا:
أوّلاً، بشغور كرسي إنطاكية وانتهاء رسالتها وولايتها.
ثانيًا، رفضوا أن يُرتهن مصيرها الى أمبراطور أو خليفة.
ثالثًا، رفضوا أن تتعرّض عقيدتها الخلقيدونيّة الجامعة لآراء الملوك الذين وَصفوا نفسهم، بأنّهم مستقيمو الرّأي، غير أنّهم كانوا من أكثر النّاس اعوجاجًا في الرّأي وتقلّبًا في العقيدة.
رابعًا، رفضوا أن يرحلوا نهائيًّا عن أرض إنطاكية ولو أصبحت خرابًا ويبابًا.
لذا، أقام هؤلاء الموارنة بطريركًا لهم “بدلاً عن ضائع”، (بطريرك إنطاكية وسائر المشرق)، دون أن يستمزجوا مِزاج أحدٍ من الحُكّام والولاة العُتاة. ثمّ حملوا أسماء قرى إنطاكية الى جبل لبنان، فأعادوا فيه خلق القرى والبلدات التي كانت قراهم وبلداتهم في سوريا… فالأسماء التي ماتت وضاعت هناك، عاشت في جبل لبنان.
هكذا بدأت الهجرة المارونيّة في منتصف الجيل السّابع، وامتدّت على قرنين أو ثلاث، ولا نعرف عنها سوى أنّه كلّ مرّة كان ينطفئ إسم على العاصي الإنطاكي، يضيء الإسم نفسه على الجبال أو في الأودية اللبنانيّة.
4- لماذا اختيار جبال لبنان: كان اختيار جبال لبنان لأنّها عاصية. فبعد أن ذُلَّ نهر العاصي الذي نشأوا في جواره، اتّبعوا مياهه صعودًا الى منبعه في عين الزّرقا، ومن هناك تسلّقوا بلاد جبيل، فأنشأوا بدل النّهر العاصي الذي أذعَن، الجبل العاصي الذي لم يُذعِن فسكنوه، أيّ سكنوا إسمه المعنوي: “مساحة حرّية”.
باختصار، إنّ الموارنة جماعة ولدوا في إنطاكية، لا من حيث أنّ إنطاكية هي مدينة بيزنطيّة أو سورية أو اليوم تركيّة، بل من حيث هي أوّلاً مساحة روحيّة. لقد ولدوا إذن من روحانيّتها وفي هذه الرّوحانيّة سكنوا. ثمّ اعتصموا في لبنان لا من حيث هو أرض أو دولة أو وطن أو قوميّة بل من حيث هو أوّلاً مساحة حرّية.
5- النّزعة الى الحرّية والتحرُّر: هذه النّزعة الى الحرّية والتحرّر، انطبعت فيهم أساسًا من الأنموذج الرّهباني. فالرّاهب في أصل دعوته مبدئيًا، هو من يلبّي نداء الحرّية الباطنيّة. فأوّل من يتوخّى هو الإنعتاق من كابوس الجسد، ومغريات الدّنيا وقيود الهموم العالميّة، مقتفيًا إثر معلّمه المسيح الذي أعلن وهو مقيّد بالسلاسل: “ليس لأحد سلطانٌ عليَّ”. فالمسيح الذي عاش الفقر، لم يكن له موضع يسند إليه رأسه، والذي مات وقام فأصبح روحًا محييًا. وحيثما يكون الرّوح تكون الحرّية. والرّاهب هو من يلعب لعبة المسيح من مَهده الى قيامته. ذاك ما تُذكِّر به الصلوات المارونيّة، وقد وضعها في الأصل رهبان مليئة أفكارهم بالتوسّلات للمسيح ليحرّر الإنسان والرّاهب من عبوديّة الخطيئة. هذا المشروع النُسكي للتحرّر الرّوحي، انعكس على تاريخ الموارنة الزّمني، فجعل منهم طلاّب حرّية أولاً وآخرًا وقبل كلّ شيء. فالموارنة هم طلاّب حرّية في كل موقف اتّخذوه في زمنهم العلماني. فهم في سعيهم الى الحرّية معاندون، مطبوعون بما تسمّيه العامّة عِناد الرُّهبان. إن الرّاهب تعوَّد العناد في نذوره، فأقسم أن يحفظها ويستميت جهادًا للبرّ بقَسَمِه ووعده وعهده وميثاقه. والمسألة كلّها هي في هذه الأمانة على العهد الجديد، على الميثاق الذي مَهرهُ المسيح بدمه ووَفاه وتمّمه على الصّليب. وبسبب أمانة الإيمان هذه، كمّ من شهيد بينهم. هذا يُذبَح وذاك يُحرَق وذاك يُعلَّق على الكلاّب وذلك يُغرَق في سبيل التمسّك بأمانة الإيمان وذاك يسجن حتّى الموت…
6- التمسّك بالأمانات الأخرى الزمنيّة: لقد وقع الموارنة في أزمات لا حدّ لها، لأنّ القضيّة كانت عندهم ولا تزال، أن يحفظوا الأمانات كلّها ولو كانت متناقضات. فكيف يجمعون مثلاً، الوفاء للغرب والشّرق حينما الشّرق والغرب مختلفان؟ وكيف يلتزمون بلغة، دون أن يتنصّلوا من أخرى؟ وكيف يحافظون على أمانة روما، دون أن ينقطعوا عن تراث إنطاكية؟ وكيف يحفظون حقّ فلسطين دون التخلّي عن حقّ لبنان؟ فهم أهل جبال في الحقيقة، لا تجّار يغلطون في حسابات السّياسة المَكيفاليّة، لأنّهم تعوّدوا شغل الأرض في الجبل. لقد تعاطوا السّياسة دون تقيّة ولا كتمان. تعاطوها معاطاتهم مع الطّبيعة. والطّبيعة صادقة في مواعيد فصولها، أمّا السّياسة فكاذبة وغاشّة. لذا أوهى ما عندهم هو المارونيّة السياسيّة، وأرسخ قواعد المارونيّة هي المارونيّة الروحيّة.
