#dfp #adsense

بدماء الأصابع ؟

حجم الخط

بدماء الأصابع ؟

راجح الخوري

 

تقضي اللياقة والاصول أن يدين اللبنانيون لوزير خارجية فرنسا بالشكر على جهوده المضنية لايجاد حل لازمة الاستحقاق الرئاسي.


ولكن الامور مرهونة دائماً بخواتيمها. ولسنا على ما يبدو أمام خاتمة سعيدة، الا اذا انتهت عمليات العض على الاصابع في هذه الساعات الاخيرة المحمومة واليائسة الى استيلاد الرئيس التوافقي، وهو امر يبدو صعباً وربما مستحيلاً، رغم الورشة الدولية الكبرى التي تحاول منع المجانين في لبنان من الوقوع في الفراغ والفوضى مرة جديدة.


ورغم شكرنا الصادق للوزير برنار كوشنير، فإننا لن نتردد في القول:


اهلاً بك سيد كوشنير في مجاهل الامازون او في مجاهل الازمة اللبنانية التي تمثل عملياً نقطة التداخل والتعقيد بين المصالح والحسابات الاقليمية والدولية. ومما يزيد في التأزيم ان كثيرين من السياسيين يعملون في هذا البلد البائس مقاولين لدى الخارج ويتلذذون بلحس المبرد على ما تقول الحكاية.



وفي الواقع، لقد اثار كوشنير ذهول الكثيرين من اللبنانيين امس وهو يقول:
“كان الجميع موافقين وقال الجميع انهم موافقون. الآن انا متعجب. فرنسا متعجبة. إن شيئاً ما خرج عن مساره واريد من الجميع ان يتحملوا مسؤولياتهم… اريد ان اعرف من هو الذي لم يوافق. اريد ان اعرف من الذي لديه مصلحة في الفوضى. من لديه مصلحة في عدم اجراء الانتخابات وجعل الحياة اكثر تعقيداً بالنسبة الى كل اللبنانيين”.
والمثير في هذا الكلام أمران:


? اولاً: إن المساعي الفرنسية الحثيثة، التي بذلت لاقناع البطريرك صفير باقتراح لائحة باسماء المرشحين، اقترنت دائماً بالحديث عن ضمانات حازمة وملزمة تكفل سلفاً آليات ايصال الامور الى انتخاب رئيس جديد، سواء تم الاتفاق بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري على اسم واحد او حتى اذا تمسكا باسمين او اكثر، حيث تكون الكلمة عندها وبالضرورة لمجلس النواب الذي يقرر بالانتخاب من يكون الرئيس.


الآن نكتشف ان “المبادرة الفرنسية” لا تملك هذه الضمانات بدليل اننا نواجه الحائط المسدود اياه رغم اللائحة وطوفان الجهود الدولية المبذولة.


? ثانياً: وهو الادهى، لقد بدا كوشنير كمن يهبط الى لبنان من الفضاء الخارجي، او كأنه وزير خارجية الداهومي، او بالاحرى كأن الديبلوماسية الفرنسية صاحبة التاريخ الطويل في لبنان والمنطقة لا تعرف خفايا الازمة اللبنانية المستمرة منذ ربع قرن واكثر ولم تكتوِ بها من قبل!


والدليل على كل هذا انه يقول ان فرنسا متعجبة، لكن آخر موظف في سفارة فرنسا في بيروت غير متعجب بل يبتلع المرارة الآن.
واذا لم يكن وزير خارجية فرنسا يعرف سلفاً وقبل اندفاعه في مبادرته “من الذي لديه مصلحة في الفوضى، ومن يريد جعل الحياة اكثر تعقيداً بالنسبة لكل اللبنانيين”، فعلى اي اساس انخرط في جهوده الحثيثة ولأي هدف عمل في كل هذه الزيارات والمفاوضات التي امتدت من بيروت الى اسطنبول، وفي وقت يستطيع آخر موظف في السفارة ان ينوّره بهذا الشأن !


بعد لقائه مع الرئيس نبيه بري قال كلاماً سُجّل عليه عندما هدد بكشف الاطراف الذين يعرقلون “المبادرة الفرنسية” لانتخاب رئيس توافقي: “بعد كل الجهود المبذولة من فرنسا وباقي الدول، وبعد قبولها من الاكثرية والمعارضة ومن سوريا وبالتنسيق مع ايران وكل الدول، طرحت فرنسا مبادرتها…”.
طبعاً هذا مفهوم وقد قيل سابقاً. ولكن ما ليس مفهوماً حتى الآن هو قوله إن “هذا الرئيس يجب ان ينتخب الآن”. ولكن كيف يا سيدي وعلى اي اساس اذا كانت الاتجاهات التي يتخذها مسار الاستحقاق تمثل كارثة كبرى على لبنان ونظامه الديموقراطي البرلماني؟


واذا لم يتفق بري والحريري على اسم واحد، فلماذا لا يُعمل وفق الضمانات التي أشير اليها في حينه، فينزل النواب بإسمي المرشحين اللذين تتمسك بهما الاكثرية والمعارضة الى المجلس ويتم الانتخاب وفق الاصول الدستورية ؟
ام ان المطلوب اصابة عصفورين بحجر واحد اي تعطيل الاستحقاق وتسفيه النظام وتدمير الدستور عبر الغاء دور السلطة التشريعية في الانتخاب؟


المثير ايضاً وايضاً ان كوشنير قال: “انني احذّر ولا اقصد احداً (لماذا تحذّر اذاً؟) ولكن الذين يعرقلون المساعي سيتحملون مسؤولية كبيرة. ويجب الاعلان صراحة عن المسؤولين الذين يأخذون لبنان نحو الازمة”!


المسألة مسألة يومين اضافيين من المساعي الاخيرة ومناطحة “الحيطان”، ولكن من المؤكد ان قواعد اللعبة الدولية – الاقليمية التي تتقاذف لبنان عشية مؤتمر أنابوليس ورهاناته وما يسبقه من ترتيبات، كان آخرها حصول تل ابيب امس على ضوء اخضر اميركي طال انتظاره لمفاوضة دمشق، هذه اللعبة – الدوامة، التي قد تجعل من لبنان كسور الحساب لترتيب المنطقة او على الاقل لتهدئتها مرحلياً، قد لا تتيح للمسيو كوشنير ان يكشف الاطراف الذين عرقلوا مبادرته في لبنان، هذا في حال اسعفه الحظ وتمكن من معرفتهم عليم الله.
والخلاصة ان الرؤية سوداء جداً إلا اذا حصلت الاعجوبة وكُتب اسم الرئيس العتيد بدماء الاصابع المعضوضة !

المصدر:
النهار

خبر عاجل