#adsense

الكونيّ في الأزمة اللبنانيّة

حجم الخط

الكونيّ في الأزمة اللبنانيّة
حازم صاغيّة

 

ما يعيشه لبنان اليوم ليس نسيج وحده في العالم. فحيث يترافق الانقسام حول هويّة البلد ذاتها وضعف التقليد السياسيّ فيه ومعاناته مرحلة انتقاليّة أحد أوجهها يطاول التوازنات الإقليميّة المحيطة بالبلد المعنيّ، تحضر الأزمة الوجوديّة بكل جلالها وهيوليّتها.  

 

بالطبع يختلف التعبير عن الأزمة تلك بين بلد وآخر، غير أن ما لا يختلف هو الأزمة نفسها. فقد استعرضت كوسوفو، بمناسبة انتخاباتها الأخيرة، شيئاً من هذا، هي المتفرّعة عن الدولة الفيديراليّة اليوغوسلافيّة التي أصابها التصدّع. هكذا طُرح التناقض بين تحديد «الوضع النهائيّ» لإقليم لا يزال قانونيّاً جزءاً من صربيا (الأرثوذكسيّة) فيما 90 في المئة من سكّانه ينتمون الى الإثنيّة الألبانيّة (المسلمة). ويزيد في المصاعب أن القوى الدوليّة المتعاطية في الشأنين الكوسوفيّ والصربيّ، لا سيّما الولايات المتّحدة وروسيا، بالغة التباين في مواقفها ومصالحها هناك.

 

والملحّ اليوم أن الأمم المتّحدة، بعدما أدارت كوسوفو لثماني سنوات بوصفها محميّة، تنوي الرحيل عنها بأسرع ما يمكن، وبغضّ النظر عن التوصّل، أو عدم التوصّل، الى تحديد «الوضع النهائيّ».

 

وفي جورجيا المنبثقة من تصدّع الاتحاد السوفياتيّ، يواجه حكم الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي حصاراً روسياً ينوي إسقاطه، إلا أنه يواجه، أيضاً، غضباً شعبيّاً واسعاً ضدّ سياساته الاقتصاديّة يستنزف الانتصارات الصاخبة والمتتالية التي راكمها منذ «ثورة الورد» أواخر 2003.

 

وفي الحالات جميعاً تنشأ أزمة حاكميّة في جورجيا يزيد في تعقيدها أن المعارضة لا يوحّدها إلا الكراهيّة لساكاشفيلي. فخلال أربع سنوات لم ينجح أيّ من أحزابها في بناء قاعدة انتخابيّة أو تطوير برنامج إصلاحيّ يمكنه تحدّي «الحركة الوطنيّة الحاكمة». وإذ يشجّع عجزُ المعارضين الرئيسَ على الضلوع في مزيد من الغطرسة، يجيء الإعلان عن انتخابات رئاسيّة قبل عام على موعدها المقرّر تعبيراً عن المأزق وافتتاحاً مرجّحاً لتجديده.

 

حتى باكستان في انتقالها من حقبة الحرب الباردة الى حقبة «الحرب على الإرهاب»، تبدي الظاهرة نفسها، هي العريقة في تقليد ضعف الحاكميّة، لا سيّما منها المدنيّ والدستوريّ.

 

فقد وافق برويز مشرّف، تحت ضغط واشنطن، على إجراء انتخابات عامّة قبل 9/1/2008. لكنّ معظم خصومه السياسيّين موزّعون حاليّاً بين السجون والمنافي والإقامة الجبريّة. وقد حظيت خطواته الأخيرة باستنكار وشجب واسعين، يصحّ ذلك في تعييناته للسلطة القضائيّة، بما في ذلك تسمية القاضي الأعلى الجديد عبدالحميد دوغار واللجنة الانتخابيّة المطواعة، أو في تشكيله حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد ميان سومرو القياديّ في حزب «رابطة باكستان المسلمة» الذي تصفه المعارضة بـ «حزب الملك» قاصدةً مشرّف. بيد أن المعارضة، وعلى رغم التحالف الجديد والغامض بين بنازير بوتو ونوّاز شريف، لا تزال بعيدة جدّاً عن تشكيل بديل سلطويّ متماسك ومقنع.

 

فهو، إذاً، عالم مضطرب يندرج في عداده لبنان الخارج من الوصاية السوريّة و «الإجماع» حول المقاومة، والداخل في غموض يسنده تعدّد الهويّات والنظرات والمصالح. وهذا ليس للتخفيف من خطورة ما يعيشه لبنان، بل بالعكس تماماً، لتوكيد حجم الخطورة هذه وسعتها، بل للإشارة الى اكتسابها طابعاً كونيّاً.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل