#adsense

… أيها العهد الأسود

حجم الخط

… أيها العهد الأسود

علي حماده 


لا نعرف حتى هذه اللحظة ان كنت في الدقائق الاخيرة من هذا العهد الممدد بالدم والدموع ستقدم على فعل ما لم تتأخر يوما عن فعله طوال عهدك، وما قبل عهدك، فتدخل البلاد في مزيد من التخبط والاضطراب. فحتى وانت تنهي عهدك الذي فُرض على اللبنانيين بالقوة والقهر والتهديد والوعيد، تُبقي مواطنيك في حالة من التساؤل والقلق الشديدين لما يمكن ان تقدم عليه لتضاعف قدرة الوصاية التي مثلتها خير تمثيل في اكثر اوجهها اكفهرارا. ففيما انت ترحل بما تبقى لك وللبنان من شذرات سلام، تبقى وانت تهم بتوضيب حقائبك، اشبه بالقنبلة الموقوتة التي يمكن ان تنفجر جالبة معها سيلا من الدمار. فأنت نذير الحزن الذي يظل يهيم على وجهه، وانت الطائر الاسود الذي اغتال الامل في نفوس مواطنيه منذ طاف بالبلاد والحقل العام.


حتى الان لا نعرف، وانت “تضبضب” حقائبك المملوءة غضبا وحقدا على الفرح والحرية، ان كنت ستذهب الى حيث دعاك ان تذهب رفيقك الغاضب هو الاخر على الحياة، المعاند لبيض الايام وحلوها، فيكبر ارثك الاسود الذي لم يضارعك به احد ولن. ففيك فرادة لن تكون بعدك لأحد. واحلى ما في الامر ان التاريخ لن ينتظر كثيرا ليطلق حكمه عليك، من دون ان تحده لافتات رفعوها، قيل انها اتت لتمجيد عهدك. لكن احدا لم يقل من اين اتوا بهذا الشعار المعبر: “بالله عليك من اين اتيت؟” الذي رفعوه على طرق مواسم الهجرة التي جلبتها في حقائبك. لم تبزك في انجازك حتى “حروب الآخرين” على ارض لبنان في ثمانينات القرن الماضي.


قيل لنا انك راحل الى بيتك. وبدل ان نفرح برحيلك تملكنا حزن كبير. فالحديث عنك لا يولد سوى الحزن والعبوس، ومواكب الجنازات. فبذكرك نتذكر الذين قضوا فيما هم يقاومون عهدك الاسود، والذي اقاموه لك وانت غافل الا عن حصاد ذلك العهد. نذكرك بحزن، ولكن نذكرك ونتذكرك ويغلبنا الخجل: خجل من ان يكون اتى لبنان رجل اضحك الناس ثم ابكاها ثم رحل! هذا عهدنا بك ايها العهد الاسود، وهذا ما سيبقى منك بعد ان ترحل الى بيتك منبوذا بين قومك، فلا يأتيك منفرج الاسارير للقياك سوى رسول يتنقل، حاملا اختام ممالك الاحزان المديدة. ولا تجنبك جدران الدنيا كلها نظرات الارامل والثكالى والايتام التي ستظل تلاحقك حتى الرمق الاخير!


اعلم ايها العهد الاسود وانت ترحل، انك وبينما كنت انت ورسل مملكة الاحزان تحصي على بني وطنك انفاسهم الحرة، كانت الحياة تزداد رسوخا في قلوبنا. فقد قاومناك وقاومنا الشياطين الذين بعت روحك منهم مثلما فعل “فاوست”، واستشهد منا من استشهد على درب الحرية. لكننا لم نخف منك يوما، ولم نخف الشياطين التي ظلت تعبث بحياتنا وانت تفرش لها الارض زهورا ورياحين.


ايها العهد الاسود، نقول لك، اننا قاومناك بشرف، ولم نبادلك الحقد الاسود اياه لأن الاحرار لا يحقدون على سجناء الظلمة. ولذلك نودعك اليوم كما كان عهدنا دائما بعبارة: مع الف سلامة…

المصدر:
النهار

خبر عاجل