نظام المسؤوليات والأعباء
رضوان السيد
ما عاد النظام اللبناني يعد اللبنانيين بأي شيء يستحق أن يأمله مواطن من وطنه ودولته، وإنما قُصارى ما يرجونه أن لا يُنزل بهم النظام ـ أو بالأحرى عجزه ـ المزيد من المصائب والنكبات. وأنا أكتب هذه السطور مساء الأحد بالكويت، والكويتيون ـ وسائر الخليجيين ـ يرجون ما يرجوه سائر اللبنانيين: أن يجتمع مجلس النواب اللبناني أخيراً وينتخب رئيساً جديداً للجمهورية لكي لا تظل البلاد مهدَّدة بالفراغ، ومهدَّدة بالصراع على تركة لحود التي ما كانت ولن تكون سمينة على أي حال!
في كل بلاد العالم، يسلّم الناس للسلطة بحق الإرغام ضمن أطر محدّدة، لكي يضمنوا الأمن والأمان، والانصراف الى تدبير سبل عيشهم وتربية أولادهم والنظر في مستقبلهم. بيد أن السلطة في لبنان فقدت هذه الميزة أو هذه الفائدة منذ عقود. ولذلك صار الأمن دائماً إما مفقوداً وإما مستعاراً. والمعروف أن اللبنانيين نجحوا بمعونة أشقائهم أواخر العام 1989 في اشتراع دستور الطائف، الذي رجوا من ورائه إزالة الأسباب الداخلية للتعثر في النظام، والتوتر في الصيغة. وتذاكوا ـ وسوريا كلية الحضور ـ فأرادوا حل المشكل معها أيضاً بمعاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق المنظمة للعلاقات المميزة بين البلدين! لكن الذي جرى أنه ما طُبّق من الطائف الكثير. أما معاهدة الأخوة فبقي السوريون لضمان تطبيقها تارة، ولمساعدة لبنان في حفظ أمنه لحين إعادة بناء المؤسسات، وأخيراً للمساعدة في تحرير الأرض؛ رغم أن الذين يقاتلون كانوا جميعاً من اللبنانيين. ونمت الأجهزة الأمنية، وتحررت الأرض عام 2000، لكن الاخوة بقوا، وصاروا يمنّون علينا بحاجتنا إليهم تارة للحماية من سلاح المخيمات، وطوراً للحماية من سلاح حزب الله؛ وأخيراً لاستمرار الضغط من خلال جنوب لبنان لحين تحرير أو تحرر الجولان. واحتاج الأمر الى قرار دولي، والى استشهاد الرئيس الحريري، لكي يخرجوا عسكرياً من لبنان دون أن يعني ذلك الكثير إذ ان سلاح المخيمات باق، وسلاح حزب الله صار أكثر ظهوراً في حياة المواطنين، والنظام السوري لا يختفي. أنه يعمل ما بوسعه من أجل زعزعة الأمن بلبنان، كما تشهد أحداث السنوات الماضية، وآخرها حرب “فتح الاسلام” ومقتل النائب أنطوان غانم.
..وجاءت حرب تموز عام 2006 وجاء العام الصعب الصعب بعدها، ليثبتا أن مسألة حزب الله ليست أقل عسراً من المشكل السوري. فهؤلاء لبنانيون وليسوا سوريين أو فلسطينيين؛ وهم يريدون البقاء في نصابين: نصاب الدولة، ونصاب الثورة الاسلامية. في نصاب الدولة والنظام، يمثل هؤلاء مصالح طائفتهم، وفي نصاب الثورة يخدمون مصالح إيران، ولا بأس ان الخدمة أيضاً مصالح سورية. وكما مدوا حمايتهم الى لحود من قبل، مدوها الى الجنرال عون من بعد، والى نتائر ووتائر من الطوائف الأخرى، بحيث أمكن حتى لرئيس حزب الطاشناق الأرمني أن يستظل بهم وأن يتمثل بالمقاومة، كأنما هو محمد النفس الزكية، والحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
ما يرجوه اللبنانيون من خلال الانتخابات الرئاسية التخلص من الرئيس لحود الذي يحملون له ذكريات سيئة جداً من عهد الوصاية. وقد يصبح ممكناً عندها دخول شيء من الانتظام الى عمل المؤسسات بعد أن شلها السوريون من قبل، وحزب الله اليوم. وما يرجونه من وراء عمل المؤسسات العادي المزيد من الفعالية في القدرات الأمنية، وعناية الدولة بالخروج من المأزق الاقتصادي. أما الأمور الباقية وأهمها بسط الدولة سلطتها على أرضها بمفردها، ودخول العادية والرتابة من جديد الى العلاقات مع سوريا، فيصعب تصور الوصول الى مستقر فيها. ذلك ان حزب الله لا يتحمل النظام اللبناني، والنظام اللبناني لا يتحمل حزب الله. أما السوريون فيقولون علناً انهم لا يتحملون أحداً منا.
ما نريده إذن، إجتماع مجلس النواب وانتخاب رئيس، ولا أوهام عندنا بشأن الأمور الباقية، ومن ضمنها ما طالب به السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير. فهل يجتمع مجلس النواب؟ وإذا اجتمع هل ينتخب رئيساً؟ ثم أليس من المستغرب، ونحن على مبعدة خمسة أيام من نهاية الموعد الدستوري لانتخاب الرئيس أن لا يعرف اللبنانيون شيئاً من ذلك؟ ألم أقل منذ البداية ـ دون أن يكون ذلك اكتشافاً ـ أن النظام اللبناني وبسبب العجز والانتهاك، صار عبئاً على المواطنين، وهم يتّقون شره، ولا يرجون خيره؟!