ليس للبطريرك أن يندم !
راجح الخوري
إذا نظر البطريرك صفير خلفه الآن سيفتقد حتما تلك الاصوات البارزة في المعارضة التي دأبت دائما على القول منذ زمن بعيد:
نحن نقف وراء غبطة البطريرك في ما يقترحه كمخرج للموقف الماروني من ازمة الاستحقاق الرئاسي.
ولكن الذين طلب منهم ربما في اللحظة الحرجة، وبعد تقديم اللائحة الرئاسية، ان يتبخّروا من وراء البطريرك، باتوا يقفون الآن في العراء. وبات من الضروري فعلا معرفة الاسباب الداخلية والخارجية التي تقف وراء النكول بما اتفق عليه، من انه إما يتم التوافق على اسم من اللائحة فتنفرج عقدة الاستحقاق، او تنتهي المشاورات بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري بالتركيز على اسمين او ثلاثة اسماء ويصير الاحتكام الى مجلس النواب في جلسة تعقد بنصاب الثلثين وفقا للاصول.
ثمة من ابتلع النصف الثاني من هذا السيناريو الذي لا يستطيع احد انكاره كما يحصل عادة وخصوصا بعدما كشف عنه برنار كوشنير صراحة. والذين ابتلعوا هذا الجزء الاساسي والضروري الذي اشترطه البطريرك اصلا كضمان لتأمين نصاب الثلثين واعطاء مجلس النواب دوره الدستوري في الاستحقاق، وهو اساسا صاحب الحق الوحيد فيه، هؤلاء لن تكفي الآن “ورقة تين” تسمى “التوافق”، وقد رثّت لشدة اخضاعها للاستنساب، في ستر عورتهم السياسية.
فلقد كان مثيراً للذهول في الساعات القليلة الماضية ان تختار المعارضة اسما واحدا من اللائحة وان تضع الاكثرية والاستحقاق ولبنان امام خيار مكرر: إما هذا الاسم او الفراغ.
وهو ما يسقط السيناريو المتفق عليه كما يسقط كل كلام عن الوقوف وراء البطريرك، وبالتالي يسقط روح النظام الديموقراطي البرلماني في لبنان.
واذا كان الدخول في النفق الاسود يبعث على الألم واليأس والخوف من امكان عودة “القبائل اللبنانية” الى قرع ابواب الجحيم، فليس لسيدنا البطريرك صفير ان يضيف الى ألمه من الوضع واحتمالاته الألم الآخر، وربما الاسى والمرارة، كونه نزل عند طوفان المناشدات المحلية والدولية ووضع لائحة الاسماء.
لا، ليس للبطريرك الماروني ان يندم على ما فعل، لانه يعرف كما يعرف كل اللبنانيين انه عبر تقديم هذه اللائحة، وإن جلبت له عتباً من كثيرين من ابنائه المسترئسين الموارنة، اسقط كثيرا من الادعاءات والمزاعم وعمليات التعمية والتزوير ووضع المسؤولين تحت اضواء كاشفة ودفع بالمعرقلين الى الظهور علنا امام اعين اللبنانيين والعالم.
لقد وصلت الامور في وقت من الاوقات الى حد الزعم ان المشكلة هي عند الموارنة لان الرئيس يأتي من صفوفهم، ولانهم لا يتفاهمون على مرشح او مجموعة من المرشحين، بينما المشكلة هي في القتال على هوية لبنان وموقعه في الصراع الاقليمي الدولي الكبير.
ثم وصلت الامور الى حد القول إن مسؤولية جمع الموارنة المنقسمين والمتصارعين تقع على عاتق بكركي، وانه اذا لم يعالج صفير هذا الانقسام باقتراح لائحة بالمرشحين الذين يختارهم، بعد مشاورات اجراها مع قياداتهم، فسيكون مسؤولا معنويا عن الفراغ الذي يمكن ان يقع فيه لبنان.
ورغم كل هذا بقي مصراً على عدم تكرار تجربة عام 1988 المرّة، الى ان حصل على وعود فرنسية قاطعة في مستوى الضمانات بأن تفتح لائحته طريقاً الى مجلس النواب المعطّل والمقفل سواء عبر التوافق على اسم ليكرس بالانتخاب او على اسمين او اكثر ينتخب الرئيس العتيد منهم.
لا، ليس للبطريرك ان يشعر بالمرارة، فقد سلط عبر لائحته اضواء كاشفة وربما فاضحة على كواليس اللعبة التي تدار وفق الحسابات والمصالح الخارجية. ومن واجب اللبنانيين جميعا ان يعوا الآن ماذا يمكن ان تخبئ كلمة “التوافق” من الاقنعة التي يضعها الذين يجعلون من التوافق استحالة، لمجرد انهم يريدون الوفاق وفق دفتر شروطهم التي قد تتناقض كليا مع شركائهم في الوطن.
لقد سئل احد النواب المعارضين: ما دام التوافق لم يتم على اسم واحد حيث تتمسك الاكثرية باسم والمعارضة باسم، فلماذا لا تنزلون الى الانتخاب في المجلس؟
فرد مستهجناً:
فرد مستهجناً:
أعوذ بالله، هذا انتخاب وليس توافقاً!
ولكأن في الانتخاب الدستوري عيبا وفي التوافق المستحيل مصلحة للبنان.
مأساة؟
ربما اكثر، والدليل ان مصير لبنان لا مصير الاستحقاق وحده عالق في حلقات مفرغة منها على سبيل المثال لا الحصر:
ان “حزب الله” لا يقبل بأي مرشح ما لم يقبل به الجنرال ميشال عون الذي يشترط موافقة “حزب الله” على اي مرشح ليوافق هو عليه !
وان سوريا تشترط توافق اللبنانيين على الحل لكي تقبل به، وان قسما اساسيا في المعارضة يشترط او يلتزم ضمنا ان توافق سوريا على المرشح لكي يوافق هو عليه !
لكن النكتة الدولية السمجة جدا التي تتكرر يوميا في اطار هذه المأساة – المأتمية، هي ان الجميع في الدنيا يصرخون قائلين: “من دون تدخل خارجي” بمعنى ترك اللبنانيين ينجزون الاستحقاق وحدهم، وهو صراخ اميركي وفرنسي واوروبي وروسي وسوري وايراني ومن الامم المتحدة والجامعة العربية، ولكن النائب ميشال المر يهزأ من كل هذه المزاعم عندما يقف ويقول:
“الحل غير موجود والمطلوب مساعدة ممن هم اكبر منا”!
ومن يكون هؤلاء؟
ربما الرسل والقديسين ينزلون الينا مع كوكبة من جنود مريم !
